الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 40، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع الأولان إثبات أن رؤية النبي ﷺ في الإسراء كانت رؤية عين حقيقية ويقظة وليست رؤيا منام، مستدلين بقول ابن عباس وآية الإسراء التي لو كانت مناماً لما كانت معجزة ولا أنكرها المشركون. وأكد المفسرون أن الأحاديث الواردة في دخوله مكة في المنام غير ثابتة، والصحيح وقوع الإسراء والمعراج يقظةً فرضت فيه الصلوات الخمس.
بيّن المقطع أن الرؤيا المذكورة في قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾ هي إسراء النبي ﷺ من مكة إلى بيت المقدس ثم المعراج. كما حدد المفسرون الشجرة الملعونة في القرآن بأنها شجرة الزقوم كما فسرها ابن عباس وأكثر السلف، وردوا الأقوال المخالفة لذلك.
ذكر المقطع تكذيب بعض المشركين بوجود شجرة الزقوم في النار مستبعدين وجود شجرة تحترق ولا تفنى، وهذا الإنكار ناتج عن جهلهم بقدرة الله وعظمته. وأكد المقطع أن الله على كل شيء قدير، وقادر على خلق شجرة في النار تأكلها أهلها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام البخاري رحمه الله: باب ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾. قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن المديني، أبو الحسن، إمام من أئمة المسلمين. قال: حدثنا سفيان بن عيينة، ومحمد بن هلال، وأصله بصري، وأصله كوفي. قال: عن عمرو، وهو ابن دينار، أبو محمد الجمحي، المكي. قال شعبة: ما رأيته مثل عمر بن دينار، أو أثبت من عمر بن دينار. قال: عن عكرمة، مولى ابن عباس، كان موسوعة لعلم التفسير. قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾، قال: هي رؤية عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به. وجاء في رواية سعيد بن منصور: قال: هي رؤية عين، وليست رؤية منام، المراد به الإسراء. وأما ما ذكر في بعض الأحاديث من الرؤى، وأنه دخل مكة وأصحابه، وكذا، فهذا ما لا يثبت. وإنما الصحيح أن هذه الرؤية -كما قال ابن عباس- هي رؤية الإسراء، لما رأى الإسراء، وهي رؤية يقظة، رؤية عين، كما قال ابن عباس. معناه أنه رآها يقظة، ليست رؤية منام. وأما من قال أو اعترض على هذا الأمر بأنه لا يقال رؤية إلا منام، فقد أخطأه العلماء من ناحية اللغة، وكذلك أيضاً من ناحية رد الحديث ورد كلام ابن عباس، وابن عباس أعلم باللغة. فلو كان لا يصح أن يقال رؤية عين، لما قال ابن عباس رضي الله عنه. فلهذا قال ابن عباس هنا: هي رؤية عين أريها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة أسري به. وقد اتفق أهل السنة جميعاً على أن رؤية النبي عليه الصلاة والسلام في الإسراء أنها يقظة، على الإسراء، رآها النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، وليس مناماً. وقال بعض المعتزلة من البدع: إنها منام، وهذا باطل، بل فيه رد لما جاء في كتاب الله جل وعلا: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾. ولو كانت رؤية منام، لما كانت لها آية، ولما كانت هذه الآية العظيمة، ولا ما أنكرها المشركون. إن كانت رؤية منام، فكل أحد يرى ما يعجز عنه، أو ما يعجز عنه في حياته، قد يرى الإنسان ما لا يستطيع أن يعمله في حياته، هذا شيء موجود في الرؤى والمنام. لكن إنما أنكروها لأنها رؤية عين يقظة. ولما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، كما ذكرنا قبل في الكلام على الإسراء، قالوا: لو دعوتهم... منافق؟ تقول لهم ذلك؟ قال: نعم. فلو كانت كما قلنا ليلة منام، لما استنكروا هذا الأمر. بل الله عز وجل يقول في هذه الآية: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾. فلو كانت مناماً، لما كانت هذه الفتنة. لكن كانت يقظة، رآها النبي عليه الصلاة والسلام، خرج وأخذه جبريل في البراق إلى الشام، إلى بيت المقدس، ثم صعد بعد ذلك إلى ربه جل وعلا. فلهذه فهي آية من آيات الله جل وعلا، وفيها فرضت الصلاة العظيمة، الخمس صلوات فرضت في تلك الليلة. فكما قلنا في هذا الحديث: بيان أن الرؤية التي حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم هي المراد بهذه الآية: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾، هي الإسراء، إسراؤه من مكة إلى بيت المقدس، وكانت يقظة، رؤية عين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ثم قال: ﴿ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ﴾، قال: شجرة الزقوم. وهذا الذي فسره أكثر السلف. وأما ما جاء أن عبد الله بن عمر قال: إن الشجرة الملعونة... فهي مما لا يثبت عنه. وكل ما ذكره بعض من فسر هذه الآية على أنها من وهم، فهو من الكذب والباطل. بل قد جاء أن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم. قد ذكره الحافظ هنا أن ابن أبي حاتم ذكره عن بضعة عشر نفساً من التابعين، عن بضعة عشر نفساً من التابعين، أن الشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم. وهي شجرة معروفة من شجر البوادي، كباراً طوالاً، ورؤوسها كأنها رؤوس الشياطين، كما ذكر الله عز وجل في وصفها. ولما ذكر الله عز وجل شجرة الزقوم وأنها في النار، كذب ذلك بعض المشركين، قالوا: كيف تكون شجرة وهي في النار؟ لكن هذا بسبب جهلهم بأمر الله جل وعلا وعظمته، وإلا ربنا سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، جل وعلا. فهذا ما يقدر الله تعالى.