الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 42، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن حال الناس يوم القيامة جثياً على الركب، تتبع كل أمة نبيها تطلب الشفاعة حتى تنتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً مصير من عبد غير الله حيث يتبع معبوده في النار.
يفسر آيات سورة الأنبياء مبيناً أن حطب جهنم هم الكفار، بينما المؤمنون مبعدون عنها، ويصف مشهد الحساب حيث تتبع كل أمة معبودها، فيُقال لليهود والنصارى: كذبتم، فيُساقون للنار، وتبقى أمة محمد وفيهم المنافقون وطوائف من أهل الكتاب ثبتوا على التوحيد كنجاشي الحبشة وسلمان الفارسي.
يؤكد أن المقام المحمود المذكور في القرآن هو شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم العظمى يوم القيامة، وهو الرأي الراجح، ويرد القول بأنه جلوس النبي عند الله لكونه رواية مرسلة لا تثبت بها العقيدة، مشيراً إلى حال بعض النصارى الذين كتموا إنكار التثليث.
الحمد لله، والعالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا إسماعيل بن أبان، هو كوفي، قال: حدثنا أبو نوح، وهو سلام بن سليم، عن أذينة بن علي، قال: قال ابن عمر رضي الله عنهما: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا، كل أمة تتبعه وتتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. فهذا الحديث في شفاعة العظمى، وفي أن المقام المحمود هو الشفاعة. فذكر هذا الحديث عن أذينة بن علي، وهو أثر يرويه عن ابن عمر، وأيضا في بعض النسخ رواه حمزة بن عبد الله عن النبي عليه الصلاة والسلام في شيء من النسخ. هكذا بعد الحديث الثاني، الظاهر كأنها مؤخرة، هذه الظاهر حمزة بن عبد الله عن النبي، ولا هي الظاهر بعد الحديث الثاني، هذا الحديث، هذا الذي قرأناه. المهم أن هذا الحديث يذكر ابن عمر رضي الله عنه أن الناس يصيرون يوم القيامة جثا، كل أمة جاثية، والجثة هو الجلوس على الركب، إذا نزل الإنسان على ركبته يقال له: جثة. كل أمة جاثية، جاثية على أنها على ركبها تنتظر ما يحكم الله عز وجل. فقال: أن الناس يصيرون يوم القيامة جثا، كل أمة تتبع نبيها، أن كل أمة من أتباعه يكونون معه، أو أن المراد كل أمة تتبع نبيها سواء كان مؤمنها أو كافرا، وهذا في الموقف. ثم بعد ذلك يقال: يا يهود، أو يقال: كل من عبد غير الله فليتبعه في النار. كل من عبد غير الله فليتبعه، فمن عبد الشمس يتبع الشمس، ومن عبد القمر يتبع القمر، أي في النار. والمراد أنه من تبعه إما من الجمادات أو من اتبعه وعبد من دون الله وهو راض بعبادته وعبادته. وأما أهل الإيمان وأهل الصلاة فهم بعيدون عن ذلك، أن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لأن الله عز وجل قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، حصب أي حطب. أن هذه الآلهة التي تعبدونها وأنتم أيضا حصب جهنم. ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، أي أن الكلام هذا في الكفار، في من رضي بعبادته من دون الله جل وعلا. فلذا تجتمع الأمم ثم يقال: كل أمة تتبع ما تعبد. ثم يقال: يا يهود، هل عبدتم الله عز وجل؟ يقولون: نعم. يقال: كذبتم، إنما عبدتم عزيرا. تقولون: عزير ابن الله. ثم يساقون إلى النار. ثم كذلك يقال: النصارى. فتبقى هذه الأمة، وفيها منافقوها، وغرارات من أهل الكتاب، غرارات طوائف قليلة من أهل الكتاب ممن لم يقل بأن عيسى ابن الله، ولا عزير ابن الله، وكذلك دخل الإسلام، أو أنه جاءه الإسلام، أو أنه لم يدخل ولم يقل ما قاله النصارى أو اليهود. وهذا وجد فيما جاء في حديث زيد بن عمرو بن نفيل، وكذلك لما كان يتنقل من نصراني إلى نصراني، كذلك سلمان الفارسي. فهناك يوجد نصارى يعرفون الحق ولا يقولون أن عيسى ابن الله، مثل ما قال أصحم النجاشي. لما ذكر له جعفر، قال النبي: أنهم لما قال عمرو بن العاص لأصحم النجاشي ملك الحبشة: إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما. وقال: ماذا تقولون؟ قالوا: نقول أنه روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم البتول العذراء. فقال: والله هذا الذي جاء به عيسى، والذي جاء به محمد يخرجان من مشكاة واحدة. فهناك من النصارى من يعرف أن هذا باطل، هو القول بالثالوثية، لكن كانوا يقتلون من يقول هذا، كانوا إذا سمعوا أحدا لا يؤمن بالتثليث وهو من النصارى يقتلونه. فلذا كانوا يخفون هذه العقيدة. فلذا قال: أنهم من أهل الكتاب. ثم أن هؤلاء يستغيثون ويتشفعون، أو يستشفعون للأنبياء، كما جاء في حديث أبي موسى وأبي هريرة، حديث جابر في المسلم، أنه يأتون نوحا، ويأتون... وتقدم معنا قبل أيام، حتى يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وهنا في حديث ابن عمر اختصر: يقولون يا فلان، افعلوا، إنا يريدون الأنبياء، قال: حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. وهذا يدل على اتفاق كلمة الصحابة أن المقام المحمود الذي وعد الله عز وجل نبيه هو الشفاعة العظمى. كما قال جابر ليزيد بن الفقير: ألا تقرأ القرآن؟ قال: نعم. قال: ألم تسمع بالمقام المحمود؟ قال: نعم. فذكر له بعد ذلك حديث الشفاعة، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، فبين له أن هذا هو المقام المحمود الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام. أما ما جاء في النجاه، وذكره بعض السلف، أن المقام المحمود أن يجلسه الله عز وجل عنده، فهذا ما لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. أن جاء المجاهد، ومجاهد قال: الله أعلم، أخذ هذا من أين أخذه؟ من الصحابة، وأخذه منها الكتاب. فلذا أقصد: ليس مجاهد، إنما هو أبو العالية. جاء أبو العالية، ولهذا فهو ليس حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعتقد به. وما ذكر بعض الأئمة، وعبد الله بن أحمد، وابن بطة، والأجري، وغيرهم من التشديد في هذا الحديث، فإنهم يظنونه ثابتا، وإلا فالحديث مرسل، ولم يثبت من طريق صحيحة. فالقاعدة أن هذه العقائد لا تثبت بحديث ضعيف. وأيضا قد دلت الأدلة الصحيحة على أن المقام المحمود هو الشفاعة. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر، وهو الأكثر، بالله تعالى.