كتاب التفسير من صحيح البخاري 53

كتاب التفسير من صحيح البخاري 53

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 53، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

باب قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائهم فحبطت أعمالهم ﴾ والخصومة مع الذهلي

يذكر الإمام البخاري باباً في صحيحه مستدلاً بآية من سورة الكهف، ويسوق سند الحديث إلى محمد بن عبد الله الذهلي. يوضح الحافظ ابن حجر سبب الخصومة بين البخاري والذهلي بسبب الوشاة، حيث اتهم الذهلي البخاري بقوله بخلق أفعال العباد، بينما برأ البخاري نفسه مؤكداً أنه قال بخلق أفعال العباد فقط لا القرآن، وألف في ذلك كتاب «خلق أفعال العباد».

رواية البخاري لحديث الوزن يوم القيامة وربطه بالكافرين

يشرح المقطع كيفية رواية البخاري لحديث محمد بن يحيى الذهلي بأسانيد مختلفة، ويبين أن حديث وزن الرجل السمين يوم القيامة يرتبط بقوله تعالى ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا﴾. يشير إلى أن الكفار لا وزن لهم عند الله رغم عدم ذكر لفظ الكافر في الحديث.

وزن الأعمال والأعمال الصالحة في الميزان يوم القيامة

يشرح المقطع أن الكافرين لا وزن لهم يوم القيامة لحبط أعمالهم، بينما يوزن المؤمنون بأعمالهم وإيمانهم. يستدل بأحاديث تدل على أن العامل يوزن وأن وزن المؤمن يزداد بزيادة إيمانه، كما في حديث ابن مسعود عن ثقل ساقيه عند الله.

وزن الأعمال والصحف والعامل في الميزان يوم القيامة

يؤكد العلماء أن الميزان يوم القيامة يوزن فيه الأعمال، والصحف (السجلات)، والعامل نفسه. ذلك تجسيداً لعدل الله سبحانه وتعالى في محاسبة العباد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ﴿ أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائهم فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾. قال: حدثنا محمد بن عبد الله. والظاهر كما ذكر الحافظ أنه أراد محمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن يحيى بن خالد بن عبد الله الذهلي، لكن البخاري رحمه الله لم يذكره باسمه في شيء من حديثه. ويحيى يقول: حدثنا محمد، ويحيى يقول: محمد بن خالد، ويحيى يقول: محمد بن عبد الله. وهذا كرم من الإمام البخاري؛ لأنه كما تعلمون حصل بينه وبين الذهلي شيء من الخصومة، وسعى فيها بعض الوشاة وبعض الذين يحبون الفتن بين العلماء ويحبون كذلك النميمة والقال، فوشوا بينهم فحصل بينهم شيء من النزاع. الذهلي يتهم البخاري أنه يقول بخلق أفعال العباد، والبخاري لا يقول بذلك، وإنما يقول رحمه الله: أنا أقصد أن الذهلي يقول أن البخاري يقول أن القرآن، أو لفظي بالقرآن مخلوق، لفظي بالقرآن مخلوق. والبخاري يقول: أن كل من قال من أهل نيسابور أن يقول أن القرآن مخلوق فقد كذب. أنا البخاري ما قالها، وإنما قال: كنت أقول أفعال العباد مخلوق، كلما كان من فعل العبد فهو مخلوق، وهذا لا شك في صحته، وألف كتاباً رحمه الله سماه خلق أفعال العباد. لكن الذين نقلوا للذهلي نقلوا له أنه قال بهذه المسألة، ولم يقل بها أبداً. والمهم أن البخاري لم يترك حديث الذهلي، لكن سماه أو كان في كنيته، أقصد في اسمه لم يذكره بالاسم المشتهر محمد بن يحيى، وإنما كان يقول: محمد بن خالد، ويقول أيضاً: محمد فقط، ويقول: محمد بن عبد الله؛ لأن جده الأعلى عبد الله. طيب، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، هو سعيد بن الحكم ابن أبي مريم المصري رحمه الله، قال: أخبرنا المغيرة، والمغيرة هنا ابن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: « إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة »، وقال: « اقرؤوا ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾ ». قالوا: عن يحيى بن أبي كير عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد مثله. طيب، الآن هذا الحديث في تفسير قول الله عز وجل: ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾، وقد ذكرنا بالأمس في شرح كتاب عقيدة السلف للصابوني ذكرنا مسائل الميزان، ومنها هذه المسألة، وهو أن الكفار ليس لهم وزن عند الله جل وعلا. وهنا لم يأت في لفظ الحديث "الكافر"، لكن عرف بالمعنى؛ لأنه قرأ: قال: « اقرؤوا ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾ ». وقوله: « اقرؤوا » هنا لم يتبين ممن الذي قال: اقرؤوا، هل هي من النبي عليه الصلاة والسلام أو من أبي هريرة؟ لكن عندنا أن الحديث في الكافر، وهذا الذي فهمه الراوي، أو أنها من النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾، أي أنهم أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائهم فحبطت أعمالهم، ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾، فليس لهم وزن عند الله عز وجل. ولهذا قال في الحديث الآخر: حديث أبي هريرة كذلك، يؤتى بالرجل، أو قال: يؤتى بالرجل، أو حديث معنى حديث نفس الحديث، هذا يؤتى بالرجل العظيم يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة، أنه يكون أقل من هذا. وهذا كما قلنا فيه دليل على أن العامل يوزن، كذلك أن العامل يوزن. واستدل العلماء بحديث عبد الله بن مسعود عندما قال النبي عليه الصلاة والسلام: « إنكم لتضحكون من دقة ساقيه، وإنهما لأثقل من جبل أحد عند الله يوم القيامة »، فدل على أن العامل أيضاً يوزن. فأهل الإيمان وزنهم عظيم عند الله، وكلما زاد إيمان العبد كلما زاد وزنه عند الله جل وعلا. وأيضاً كذلك فيه أن الميزان يوزن أيضاً بحسب أعمال الناس، بحسب إيمانهم وأعمالهم، كما تقدمت ذكرنا ذلك. أن الصحيح كما قال الأئمة والحفاظ: قالوا أنه يوزن في هذا الميزان عند الله عز وجل، توزن الأعمال، ويوزن أيضاً كذلك الصحف، توزن الصحف كما في حز السجلات، ويوزن كذلك العامل، الأعمال والعامل والصحف، كل ذلك يوزن عند الله جل وعلا، وهذا لعدله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي في هذا، والله تعالى أعلم. شكراً شكراً شكراً.