الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 54، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع أقوال العلماء في الحروف المقطعة (كهيعص) في أول سورة مريم، منها قول ابن عباس إنها تدل على أسماء الله الحسنى وقول آخرين إنها تنبيه لإعجاز القرآن. ثم يشرح قول ابن عباس في "أبصر بهم وأسمع" يوم القيامة، مبيناً أن الكفار يسمعون ويبصرون العذاب يومئذٍ بخلاف حالهم في الدنيا.
يشرح المقطع معاني عدد من الكلمات القرآنية؛ فـ "لأرجمنك" بمعنى الشتم والكلام القبيح، و"رئياً" بمعنى المنظر الحسن، و"تأزهم أزا" بمعنى إزعاج الشياطين للكافرين ودفعهم للمعاصي، و"إدّاً" بمعنى العوج أو العطش أو القول العظيم. يستند الشرح إلى روايات عن ابن عباس ومجاهد وسفيان الثوري وابن عيينة.
يشرح المقطع معاني ألفاظ قرآنية عدة مستنداً إلى أقوال المفسرين؛ فـ"الورود" هو القدوم عطاشى يوم القيامة، و"الأثاث" المال أو المتاع، و"الغي" إما الخسران أو وادٍ في جهنم، و"الركز" الصوت الخفي، و"اللد" إما المستقيمون أو المضادون، و"النادي" المجلس أو الجلساء. يذكر آراء ابن عباس وابن مسعود وغيرهما.
يوضح المقطع معنى الطغيان بأنه دعاء الله ثم تركه، ويستعرض تفسير ابن المعاني للآية التي تأمر بمدّ الرحمن للمتطاولين. ويختتم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا الشرح والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: كاف، هاء، يا، عين، صاد. على التفسير، سورة مريم. قال: قال ابن عباس: "أبصر بهم وأسمع". الله يقول: ﴿وَهُمْ يَوْمَئِذٍ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ﴾. تقدم كلام على الأحرف المقطعة، وأن العلماء اختلفوا فيها: ما المراد بهذه الأحرف المقطعة؟ كاف، هاء، يا، عين، صاد. وجاء عن ابن عباس أنه فسر هذه الأحرف على أنها تدل على أسماء الله عز وجل: الكاف من الكريم، والهاء من الهادي، والياء من الحكيم، والعين من العليم، والصاد من الصادق. وقال جماعة: إن هذه الأحرف تنبيه إعجاز من الله، يبين أن هذا القرآن المعجز هو مكون من هذه الأحرف. لكن لماذا يأتي به في بعض السور ولا يأتي به في بعض السور؟ وهذا يدل على أن هناك حكمة، أو أن هناك أمراً، فلذلك هذه الحكمة غير معروفة. وحاول بعض العلماء أن يأتوا بشيء من هذا، لكن غالبه من باب الاستنباط. ثم قال هنا: قال ابن عباس: "أسمع بهم وأبصر". الله يقول: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾، أي: يوم القيامة. هم يسمعون ويبصرون العذاب. "أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا"، يعني يوم القيامة. وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، أو قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ﴿وَلَا تَوَلَّوْا وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾. ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون. قال: لا يسمعون الحق، وإن سمعوا بآذانهم، لكن لم يسمعوا بقلوبهم ولم ينصاعوا إلى الحق. فلذلك قال الله عز وجل يوم القيامة: "أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا"، أي يوم القيامة هم يسمعون ويبصرون، لكن سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر، رأوا العذاب بعينهم وتحققوا من هذا، لكن لا ينفعهم في ذلك الوقت في حينها. وقوله: "لأرجمنك"، أي: لأجتنك. أنا أيضاً عن ابن عباس: "الرجل لأرجمنك"، قال: "لأجتنك". قول أبي إبراهيم، قول أبي إبراهيم لإبراهيم عليه السلام: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. "لأرجمنك" أي: لأجتنه. فالرجم هنا المراد به الكلام. أصل الرجم هو بالفعل بالحجارة يرجم، وكذا، لكن أراد هنا: أي أرجمنك بالكلام، أي بالشتيمة. وقوله جل وعلا: "رئياً". قال: "رئياً" معناه منظراً. وهذا أيضاً عن ابن عباس. قال: "الحاقب". وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. ونسخة علي بن طلحة نسخة صحيحة لأنه سمعها من مجاهد. ومعنى يقول: "الرأي" معناه منظراً، منظراً ورئياً أي منظراً، أي معناه منظراً ينظر إليه، يتمتع من نظر إليه. إما ثياب، لهذا فسره بعضهم بالثياب، وإما بالصور. فكل ما ينظر إليه ويتمتع بالنظر إليه، فلذلك قال: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾. أثاث: معناها المتاع في الآخرة، ورئياً أي منظراً. وقال ابن عيينة: "تأزهم أزا"، أي: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاً. أنا في تفسير قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾. "تأزهم أزا" أي: قال: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاً، تدفعهم إلى المعاصي، تدفعهم إلى المعاصي. وهكذا جاء عن سفيان الثوري: "تغريهم إغراء"، أن هذه الشياطين تغري بني آدم وتوسوس لهم حتى تطغيهم. وقال: وقال مجاهد: "إدّاً"، أي: عوجاً. فـ "إدّاً" قال: عوجاً. فقال ابن عباس: "وردّاً"، أي: عطاشاً. وهنا قال: "إدّاً"، أي: قولاً عظيماً. "إدّاً" أي: وجاً. قال ابن عباس: "وردّاً"، عطاشاً. هنا سوق المجرمين إلى جهنم: "وردّاً"، أي: يأتون إلى يوم القيامة عطاشاً، كما قال ابن عباس. ثم قال: "أثاثاً". أنا هنا رجع: "أثاثاً" هنا فسر "رئياً"، وهنا فسر "أثاثاً": أي مالاً، وقيل: متاع. ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾، قال: أكثر أموالاً وأحسن صوراً. وقال هنا: قول "إدّاً"، أي: قولاً عظيماً. وقوله: "غيّاً"، أي: خسراناً. "غيّاً" أي: خسراناً. وجاءنا ابن مسعود: أن الغي هو واد في جهنم بعيد القعر. قال: قعره بعيد. "الغي"، فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً. فالغي قال ابن عباس: المراد بالغي الخسران، سوف يلقون غياً: خسارة وهلاكاً. وقال ابن مسعود: الغي هو واد في جهنم بعيد القعر. وجاء مرفوعاً من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وجاء أيضاً كذلك من طريق أبي أمامة، لكنه لا يصح. وجاء أنه قال: معناه: جاء أنه عصارة أهل النار. قوله: "ركزاً"، صوتاً. ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. "ركزاً" معنى: صوتاً، كما قال: الركز بكلام العرب: الصوت الخفي. هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً؟ فالركزا: أي الصوت الخفي. أي أنك هؤلاء الذين ذكرهم الله عز وجل. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَانُ وُدًّا﴾. ﴿كَذَلِكَ أَوْحَيْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾. "اللدّ": معنى المراد بهم: ﴿تُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾، أي: أهل استقامة وطاعة. وقيل: "اللدّ" هو المضاد، على العكس. وقال غيره: "بكية جماعة". "بكل". وقوله: "أحسن ندية"، أي: مجلساً. أحسنوا مجلساً. "الندي" و"النادي" هو المجلس، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. النادي هو المجلس الذي يجلس فيه القوم، ويطلق أيضاً على الجلساء: نادي. وقال مجاهد: "فليمدد". "فليدع"، "فليمدد"، "فليدعوه". الله في طغيانه، يعني: يدعوه ويتركوه، يتركوه في طغيانه. ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَانُ مَدًّا﴾. طيب، هذا ما ذكره أكثر ما ذكره ابن المعاني، إمام البخاري. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.