الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 59، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي خباب بن العرت أن العاص بن وائل امتنع عن سداد دينه له إلا إذا كفر بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فرفض خباب وتوعده العاص بالبعث والحساب. فنزلت الآيات الكريمة تكذيباً لادعائه وتهديداً له بالعذاب والانفراد يوم القيامة.
توضح الآية أن الكافر سيأتي يوم القيامة فرداً بلا مال ولا ولد، فيرى ما يرثه من العذاب. كما ذكرت قصة العاص بن وائل الذي أجار عمر بن الخطاب حين أسلم وتكالب عليه الناس، فكان جاراً له وحماه.
كان العاص بن وائل غنياً ومكابراً بين قريش، وامتنع عن سداد دينه لخباب بن الأرت تكبراً وجبروتاً. هدد الله تعالى بأنه سيسجل قوله ويزيده عذاباً مضاعفاً، مستهزئاً بادعائه علم الغيب أو عهده عند الرحمن.
تؤكد الآيات أن من ادعى الإرث سيجده يوم القيامة، لكنه سيأتي وحده بلا مال ولا ولد ولا صاحب. وهذا هو معنى الآيات المذكورة في السياق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب قوله عز وجل: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾. وقال ابن عباس: "الجبال هَدًى" أي هَدَمًا، هَدًى: معنى يهدمها حتى تصير كثيبًا مهيلًا. قال: حدثنا يحيى، والظاهر أنه يحيى بن معين. وقال هنا الحافظ: يحيى بن موسى. قال: حدثنا وكيع، وهو ابن جراح، أبو سفيان الرؤاسي رحمه الله، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن خباب بن العَرَت رضي الله عنه قال: كنت رجلًا قَيْنًا، قلنا: القَيْن هو الحداد. وكان لي على العاص بن وائل دَيْن، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال: قلت: لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث من بعد الموت، فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد. قال: فنزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾. فهذا الحديث عاده ثلاثًا عند هذه الآيات، وهنا ذكره في قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾. وهذا من باب التنكين، أن الله عز وجل يقول لهذا الكافر: إن كان يريد مالًا وولدًا سيرى ذلك يوم القيامة، يوم يأتينا فردًا، لا أحد معه ولا مال معه، سيرى ماذا يلحق به، هل سيرث هذا المال الذي يقول، وهل سيرث هؤلاء الأولاد الذين أيضًا ذكر؟ وإنما سيرى ماذا يرثه يوم القيامة. ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾، وهذا من باب التهديد، وأيضًا كذلك من باب الرد عليه؛ لأنه يسخر ويستهزئ، فلهذا بشره الله عز وجل بالعذاب: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾. وهذا العاص بن وائل، كما قلنا، هو خال عمرو بن العاص، وخال عمر بن الخطاب، وهو الذي أجار عمر لما أسلم. لما أسلم عمر، كما في الصحيحين في حديث ابن عمر، تكالب عليه الناس، وأنه كان صبيًا يضربهم ويضربونه، حتى جاء العاص بن وائل، فقال: ما لهؤلاء؟ قالوا: صبأ عمر. قال: فما بالكم تريدون منه؟ فإني جار له. فتفرق الناس عنه، فأجاره العاص بن وائل. وكان رجلًا له مكان عند قريش، وكان رجلًا أيضًا عنده مال، حتى أن ابن عمر قال: إنه جاء في قبة ديباج، وأنا عنده قميص من ديباج، والديباج نوع من أنواع الحرير. وهذا يدل على أنه كان عنده مال كثير، فمع ماله ذلك فإنه لا يقاضي خبابًا، يعني لم يعطه ماله ولم يعطه دينه، وهذا لجبروته ولتكبره، فهم ما يعطون الضعفاء. فلهذا الله عز وجل توعده بهذا العذاب، وأيضًا بيّن التهكم به: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾. فهذا الذي يقوله، وأنه سيؤتى مالًا وولدًا، هل اطلع الغيب؟ هل يعرف هذا؟ أو هل اتخذ عند الرحمن عهدًا أنه يتحصل على ماله وعلى ولد؟ فهذا كله هَرَاء، وإنما كما قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا﴾، أي: ليس كذلك، لم يتخذ عهدًا ولم يطلع الغيب. لكن قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾، أي: أنه ما سيلاقي هناك إلا عذابًا، وأيضًا سيزاد عليه العذاب ويضاعف عليه العذاب؛ لأنه رجل متكبر. ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾، أي: سيجد ذلك الإرث الذي ادعاه، وسيرى ذلك بعينه، ويأتي يوم القيامة لا مال له ولا ولد ولا صاحب. ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾. فهذا معنى هذه الآيات. فكتبت بهذا، والله تعالى أعلم. شكرًا لكم.