كتاب التفسير من صحيح البخاري 76

كتاب التفسير من صحيح البخاري 76

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 76، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قصة هلال بن أمية ونزول آية اللعان

يروي المقطع واقعة هلال بن أمية الذي قذف امرأته بالزنا أمام النبي ﷺ، فطلب النبي البينة أو الحد. فنزلت آية اللعان وأمر النبي كلا الزوجين بالشهادة أربع شهادات بالله ثم الخامسة تدعو لعنة الله على الكاذب مع تحذير النبي بأن الله يعلم الكاذب وحثهما على التوبة قبل الشهادة الخامسة.

الحكمة من الغضب في اللعان وقضاء القاضي بالظاهر

يُبيّن المقطع أن غضب الله في اللعان يُوجّه لمن يحلف كاذباً وهو يعلم كذبه، مشبّهاً ذلك بغضب الله على اليهود لعلمهم بالحق ومخالفتهم إياه. ويؤكد أن القاضي يحكم بالبينة الظاهرة فقط وأن حكمه لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، فمن علم أنه أخذ حق غيره وجب عليه رده رغم حكم المحكمة.

نقض البينة بالقرائن والقضاء باللعان

يوضح المقطع كيف يمكن للقاضي نقض البينة إما باعتراف الشاهد بالزور أو باستخدام القرائن لكشف الحيل كما في قصة القاضي إياس بن معاوية. ويبين أن الحكم يعتمد على البينات الشرعية مستشهداً بحديث اللعان حيث قضا النبي صلى الله عليه وسلم بالبينات لا بالظنون.

خاتمة الدرس والإشارة إلى حديث اللعان

يختتم الشيخ الدرس مشيراً إلى اكتفائه بما ذُكر من مسائل. ويشير إلى أن المؤلف سيذكر حديثاً متعلقاً باللعان في موضع لاحق مختتماً بالشكر والثناء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان. بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب: ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. قال رحمه الله: حدثني محمد بشار، وهو الذي يلقب ببندار، وهو من حفاظ أهل البصرة الذين أكثروا في الحديث وعمّروا. قال محمد بشار: قد أدركني خمسة قرون، خمس طبقات. قال: حدثنا ابن أبي عدي، وهو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، أيضًا حافظ من حفاظ البصرة. قال: عن يونس بن حسان، وهو الكردوسي، وهو مولى السيرين، وهو بصري. قال: حدثنا عكرمة، وهو أبو عبد الله البربري، مولى ابن عباس، وكان موسوعة في العلم في التفسير، وهو أوسع علمًا من أصحاب عبد الله بن عباس من ناحية علم ابن عباس. أما من ناحية العلم والفقه فهو سعيد بن جبير. قال: حدثنا عكرمة عن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي عليه الصلاة والسلام بشريك بن سحماء. قال: إنه رآه وهو يزني بامرأته. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «البينة أو حد في ظهره». فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحد على امرأته رجلًا، ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «البينة، وإلا حد في ظهرك». فقال هلال: والذي بعثك بالحق، إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد. قال: فنزل جبريل. وجاء في رواية ابن عباس في السنن: أنه أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم عليه الحد، فنزلت الآية، فنزل جبريل، وأنزل عليه: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿إن كان من الصادقين﴾. فانصرف النبي عليه الصلاة والسلام، فأرسل إليها. وجاء في رواية أبي داود أنه قال: «جاء الله بالفرج»، أو قال: «جاء الله بفرجك يا هلال». فجاء هلال فشهد، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب». لا بد لأنها أنكرت، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟». استحب العلماء في هذا أن القاضي، أو يُؤتى بعالم ينصحهما ويعظهما، وأن الأمر ليس بالهين. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ من يتوب ويرجع». قال: ثم قامت فشهدت. وجاء في رواية ابن عباس أنها شهدت وتلت، كما سيأتي في هذا. فلما كانت عند الخامسة، وقفوها وقالوا: إنها موجبة، إنها موجبة، فيها غضب الله. وقال بعض العلماء: الحكمة من جعل الغضب هنا أن الله عز وجل يغضب على من يعلم أنه مخطئ ويخالف؛ فهي تعلم أنها كاذبة ثم تحلف على ذلك، فلهذا جعل الله الغضب عليها. مثل ما غضب على اليهود لأنهم على علم ضلوا، على علم فغضب الله عز وجل عليهم. فلهذا صارت... وأن غضب الله عليها إن كانت من الكاذبين. معنى: إن كانت من الصادقين... جعل الغضب عليها لأنها تحلف على علم، تحلف على علم أنها كاذبة. وأما الزوج فغالبًا لا يرضى الشيء في أهله، لا يرضى الشيء في أهله، فلهذا لم يجعل الغضب، وجعلت اللعنة. قال: قال ابن عباس: فتلكأ. قال: فلما كانت عند الخامسة، وقفوها وقالوا: إنها موجبة. قال ابن عباس: فتلكأت وسكتت، حتى ظننا أنها ترجع. ومعنى: حصل منها تردد، حصل منها شيء من التردد في هذا الباب، فلهذا كأنها إشارة إلى أنها لم تصدق، الله أعلم. لكن من هذا أخذ العلماء أن البينة: معنى أن القاضي يأخذ البينة على ظاهرها، لا يحكم إلا بما ظهر من البينات، بما ظهر من البينات. ولهذا في حديث أم سلمة: «يأتيان الخصمان، وإن بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقضي له بقطعة من نار»، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. معنى: يقضي بما ظهر له من البينات. فمن قضى له بحق أخيه وهو يعلم أنه ليس له فيه شيء، فهو يأخذ ظلمًا، ولو قضى له القاضي. فالقاضي كما قال الفقهاء: حكمه لا يحل الحرام، ولا يحرم الحلال، وإنما حكمه على الظاهر. فلهذا فمن كان يعلم أنه أخذ حق أخيه، فلا يحل له. لا يحل له، قضاء القاضي لا يحل الحرام. وبعض الناس مثلاً يقول: هذا القاضي، معنى المحكمة هذا عندي من المحكمة، حكمت على هذا. طيب، إذا كنت تعلم أنه باطل وأنه ليس لك حق في هذا، فالواجب عليك، ولو حكمت المحكمة، أن ترد الحق إلى أهله. فحكم المحكمة لا يحل الحرام. فلهذا يدل عليه حديث أم سلمة. وأيضًا إشارة في هذا الحديث في آخره، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن». وجاء في رواية أنه قال عليه الصلاة والسلام... قال في هذه أو في أخرى: ثم جاء في الرواية: «لو اجترأت على أن أجلد امرأة بغير بينة، لجلدت هذه». أنا لو أردت أن أجلد امرأة بغير بينة، لجلدت هذه، لما تبين من القرائن. لكن القاضي أخذ بما يكون في البينات، إلا إذا نقض هذه البينة. إذا نقضت هذه البينة، مثلاً جاء بالشهود فشهدوا على شيء من الأمور، ثم إن قبل أن ينفذ الحاكم أو القاضي هذه القضية، جاء الشاهد وقال: «أنا أتوب إلى الله، وشهادتي شهادة زور»، فنقض هذه البينة. أو أن القاضي له طرق ينقض فيها البينة. أنا أحيانًا كما ذكر الإمام ابن القيم عدة قصص في كتابه «إعلام الموقعين» عن بعض القضاء، قضاء إياس بن معاوية وغيره، في العمل بالقرائن. ليس أنهم يعملون بها ويحكمون بها، لا، لكن ينقضون البينة. فإن هذه القرائن تجعلهم ينقضون بينة هذا الشخص، ويظهر الحق. مثل ما ذكر في قصة: أن رجلًا جاء إلى القاضي إياس، وذكر عنده، وجاء معه بولد صغير، وقال: إن هذا الولد يأخذ، أو عنده دين ولم يؤده، وقد حل عليه الأجل. فقال القاضي لهذا الولد: أحق ما يقول؟ قال: نعم. أنا صدقته بسرعة. فشك القاضي. فشك القاضي في هذا. في اليوم الثاني جاء رجل كبير يشتكي من ولده، وأنه يأخذ ماله. فعرف القاضي، لما تأكد أنه أب لذلك الابن، فسأل عن عملهم، فوجد أن هذا الولد يشتغل عند هذا الذي يدعي أن عليه دينًا. والمهم: عرف بالقرائن حتى جعلهم يقرون أن هذه لعبة فقط. معنى: أنهم أرادوا أن يأخذوا مال ذلك الشيخ. فاتفقوا على أن الولد يدعي أن عليه دينًا، وأنه ليس عنده مال، فيدفعه أبوه. فلهذا قالوا: بهذه الحيلة نقضها عليهم، واعترفوا أنها كانت حيلة فقط، واعترف الولد أنه لم يكن عنده مال. فهذه القرائن تنقض البينة. وأما الحكم، فسيكون فقط على البينات التي عند القاضي. قال ابن عباس: فتلكأت وتنكصت. عندكم هكذا: «تنكصت»، «نكصت»، «نكصت». قال: فتلكأت ونكصت، حتى ظننا أنها ترجع. فتلكأت: معناه، معناه كأنها سحبت شيئًا سيرًا، ولم تتكلم. وهذا الوازع الذي في قلبها لا زال، لكن هناك ما هو الشأن هذا. فقالت: «لا أفضح قومي سائر اليوم». هذا خطأ، معناه: معناه أنها قدمت عدم الفضيحة على الحق والصبر. قال: فمضت. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الإليتين، خدل الساقين، فهو لشريك بن سحماء». فجاء هذا الذي رمي به، فجاءت به كذلك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن، لي ولها شأن». فهذا فيه أن القاضي يقضي على البينة، يقضي على البينة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا ما مضى من كتاب الله»، أي من اللعان، وذكر الله عز وجل أمر اللعان والأخذ به، فكان قال: «لكان لي ولها شأن». وذكرنا بعض المسائل فيما مضى، إن شاء الله نكتفي بهذا. وسيأتي أيضًا الحديث الذي فيه... أو بقي حديثًا سيذكره المؤلف رحمه الله في اللعان. إن شاء الله نكتفي بهذا. والله تعالى، شكرًا، شكرًا، شكرًا، شكرًا.