كتاب التفسير من صحيح البخاري 75

كتاب التفسير من صحيح البخاري 75

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 75، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

باب اللعان وحكم من رأى رجلا مع امرأته

يشرح حديث اللعان الذي نزل فيمن رأى رجلا مع امرأته، مبيناً أن الحكم الأول كان إحضار أربعة شهود وإلا الحد. ثم نسخ هذا الحكم باللعان الذي يكون إما بنفي الزنى أو بنفي النسب، وتترتب عليه الفرقة والميراث.

إجراءات الملاعنة بين الزوجين عند اتهام الزوجة

يشرح المقطع إجراءات الملاعنة التي شرعها الله في سورة النور، حيث يشهد الزوج أربع شهادات بالله على صدقه في اتهام زوجته أو نفي الولد ثم يلعن نفسه في الخامسة. وللزوجة أن تدفع العذاب بأربع شهادات تكذبه والخامسة تدعو بغضب الله عليها إن كان صادقاً، وتترتب على ذلك الفرقة بينهما سنة متبعة.

أثر اللعان في الفرقة والنسب والميراث

يبيّن المقطع أن اللعان يُعد فسخاً للعقد لا طلاقاً، فلا رجعة فيه، وأن الولد الملاعن عليه لا يُنسب للأب ولا يرثه بل يُنسب للأم وترثه. بينما الأولاد السابقون للاتهام يبقون في نسب أبيهم.

خاتمة شرح الحديث والانتقال للحديث التالي

يختم الشيخ شرح الحديث الحالي ملخصاً ما ذُكر من أحكام اللعان وآثاره. ويعلن عزمه على استكمال المسائل المتبقية في الحديث القادم، مختتماً بالشكر والحمد لله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين». قال: حدثني سليمان بن داود، أبو الربيع، وهو آل عتك الزهراني، قال: حدثنا فليح، هو ابن سليمان المدني، عن الزهري، عن سهل بن سعد رضي الله عنه، أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلا رأى مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فأنزل الله عز وجل فيه ما ذكر في القرآن من التلاعن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قد قضي فيك وفي امرأتك». قال: فتلاعنا وأنا شاهد عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففارقها، فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنين، وكانت حاملا، فأنكر حملها، وكان ابنها يدعى إليها، ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها. فهذا الحديث مختصر من الحديث الأول، وفيه عدة مسائل: المسألة الأولى: إذا رأى الإنسان رجلا مع امرأته، فماذا يفعل؟ هل يقتله ويقتل امرأته، أم أنه يأتي بأربعة شهود؟ لا، هذا كان قبل، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعويمر: «تأتي بأربعة شهود، وإلا حدا في ظهرك». قال: تأتي بالشهود، أو حدا في ظهرك. فقال سعد بن عبادة رضي الله عنه: والله لأضربنه بهذا السيف ضربا، لا آتي بأربعة شهداء. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتعجبون من غيرة سعد؟ فالله، فأنا أغير منه، والله أغير مني». فالمعنى: أن هذه الغيرة ليست صحيحة، فهناك حكم حكم به الله عز وجل إذا حصل مثل هذا، فكان في بداية الأمر يأتي بأربعة شهداء، ثم بعد ذلك جاء اللعان. فإن كان عنده أربعة شهداء يثبتون على هذا، فهذا يكفي، لكن إذا لم يكن عنده أربعة شهداء فإنه يلاعن، إذا اتهمها بالزنى، فإنه إما أن يأتي بأربعة شهداء أو يلاعن. واللعان يكون إما باتهامها بالزنى، أو باتهامها بالحمل أنه ليس ولده، بنفي الولد، بأن يقول: هذا الولد ليس ولدي، أو هذا الحمل ليس مني، فهذا يعتبر ملاعنا. يتهمها بالزنى، بأن يقول: هي زنت، أو رأيت رجلا معها، أو كذا، أو يقول: إن هذا الحمل ليس مني، أو يقول إذا كان قد ولدت: إن هذا الابن ليس مني. فمعنى ذلك كله اتهامها بالزنى، فتلاعن إلى عينها. والمراد بالملاعنة ما ذكره الله عز وجل في سورة النور: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾. قال الشافعي وغيره: أنه يقول: «أشهد بالله أنها زنت»، يأتي بهذه الشهادة أربع مرات، يقول: «أشهد بالله أنها زنت، أشهد بالله أنها زنت»، أو يقول: «أشهد بالله أن هذا الابن» إذا كان في نفي الولد: «أن هذا الابن أو الحمل ليس مني»، فيشهد على ذلك أربع شهادات، ثم الخامسة يقول: «وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين». قوله: «عليه» هنا بصيغة الغائب، المراد أنه يقول: «عليّ»، يعني يلعن نفسه. ولهذا جاء في بعض الروايات: أن النبي عليه الصلاة والسلام يعظهم في الخامسة، خاصة المرأة، ويعظها، قال لها: «إن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، أنك الآن تحلفين لأجل عذاب الدنيا، فعذاب الآخرة أشد». وجاء في لفظ: أنه يقول: «والله إني لصادق فيما رميتها به». لكن ظاهر الآية ما تقدم: يقول: «أشهد بالله أني صادق في اتهامها»، أو في أنها زنت، أو يقول بنفي الولد أربع مرات، والخامسة فيها اللعنة. ثم قال الله عز وجل: ﴿ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾. سيأتي الكلام على هذه القضية. فالآن يشهد هذه الأربع شهادات أنه لمن الصادقين، ليس فقط يقول: شهدت أربع شهادات، لا، يشهدها كلها، معناه: يقول: «أشهد بالله» أربع مرات، ثم الخامسة تكون فيها اللعنة، الخامسة تكون فيها اللعنة، كما جاء في نص الكتاب. فإذا فعل ذلك فهو يعتبر مفارقا، يعتبر مفارقا، معناه أنه قد فارقها بذلك، كما ذكر هنا في هذا الحديث، وقال هنا: «ففارقها، فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنين». والظاهر هذا أنه من كلام الزهري، لكن قد جاء عن ابن عمر رضي الله عنه في حديثه فيما رواه عن المتلاعنين. لكن هذه العبارة: «فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنين» هي من كلام الزهري، وليست من كلام سهل، لكن جاء كما قلنا عن ابن عمر صراحة، فلذا اختلف العلماء: هل اللعان يكون طلاقا، أم لابد أن يطلق؟ هل اللعان يكون طلاقا، أم لابد أن يطلق بعد اللعان؟ فالذين اعتبروه طلاقا مفارقة، قالوا: لا يحتاج إلى أن يطلق، لا يحتاج إلى أن يطلق، فاللعان يعتبر طلاق مفارقة، وعنها يعتبر فسخا، فسخا للعقد. ولهذا جاء أيضا: أنهم لا يجتمعان أبدا، أن يكون هذا طلاقا للعبد، فلذا قالوا: لو كان طلاقا لكان له الرجوع، لو كان طلاقا لكان له الرجوع. فالقول الصحيح: أن اللعان يعتبر فسخا، يعتبر فسخ مفارقة، ولا يحتاج إلى أن يطلق، لأنه لو احتيج إلى الطلاق لرجع إليها. طيب، ثم قال: «ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها». فالآن إذا لاعنها، فإن الولد لا ينسب إليه، إن كان بنفي الولد، فإن الولد لا ينسب إليه. وأما الأولاد الذين قبل ذلك، قبل اتهامها، فهم أولاده. لكن لو نفى مثلا، قال مثلا: هذا الصغير، أو هذا الذي بعده، أو ابن ثلاث سنوات، والذي بعده ليس بأولادي، أنا أبرأ منهم، فليسوا مني، فهنا يكون ملاعنا، لاعنا في اثنين، فلذا لا ينسب إليه هذا الولد. معنى لا ينسب إليه: كليهما لا، ذاك الولد ولا هذا الولد الذي هو الصغير مثلا، إن كان حملا أو كان قد خرج، فلا ينسبون إليه، لا ينسبون إلى الأب، ينسبون إلى أمهم، أو ينسبون إلى جدهم، معنى جدهم: أبا الأب، لأمه، لأمه. وأما الأب فلا ينسب إليه، لأنه تبرأ منه. كذلك أيضا الميراث: لا يرث، لا يرث أباه، أو هذا زوجها الذي تبرأ من هذا الولد، لا يرث، وإنما يرث أمه، مثل ولد الزنى، على ولد الزنى الصريح، فإنه لا يرث هذا الزاني، وإنما يرث أمه، وليس له علاقة بهذا الزاني. قال: «ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها». فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، إن شاء الله نكمل بقية المسائل في الحديث الذي بعده، فنختم بهذا، والله تعالى أعلم. شكرا، شكرا، شكرا، شكرا.