الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 85، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع إسناد حديث عائشة في قصة الإفك مبيناً فروق الرواة بين سفيان الثوري وسفيان بن عيينة ورجال الإسناد الكوفيين. كما يورد حديث حسان بن ثابت يستأذن على عائشة وردها بقولها: "أوليس قد أصابه عذاب عظيم؟" مع تفسير الآية كموعظة للصحابة ألا يعودوا لاتهام الأبرياء بغير دليل.
يشترط في شهادة الزنا أربعة شهود يرون الفعل الحقيقي، ومن شهد بغير ذلك حده عمر رضي الله عنه حد القذف، ولا تقبل شهادة قاذف المحصنات أبداً. في قصة حسان بن ثابت أذنت له عائشة رغم كلامه في الإفك محتجةً بإصابته بالعمى كعذاب عظيم، مع أن آية العذاب العظيم نزلت في عبدالله بن أبي، ومن شارك في الإفك يشارك في الإثم.
تذكر عائشة دفاع حسان عن النبي فتسامحه على زلته في الإفك، ويثني حسان على عفتها وطهارتها بأبيات شعرية تصفها بالحصانة والاستقامة. يستخلص المقطع تحذيراً شديداً من القذف ورمي المحصنات، مؤكداً أنه من الكبائر الموجبة للحد والعقوبة الإلهية، وأن من قذف رجلاً أو امرأة بالزنا ولم يثبت ذلك أقام عليه القاضي حد القذف استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَيَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا» الآية. قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان. محمد بن يوسف هنا هو الفريابي الحمصي، كان من خيرة الناس، رجل عابد، وقد لزم -يقال أنه لزم- سفيان الثوري عشرين سنة. فإذا رأيت محمد بن يوسف الفريابي فبعده يكون سفيان، سفيان الثوري. لكن هناك محمد بن يوسف البيكندي يروي عن سفيان، وهو سفيان بن عيينة. حيان يقول: محمد بن يوسف قال: حدثنا سفيان، ويريد به سفيان بن عيينة. وهذا قد يعرفه الإنسان بالطرق الأخرى، لأنه هنا ما يتبين إذا لم يذكره الشيخ أو يذكره البخاري. فإذا قال: حدثنا محمد بن يوسف عن سفيان، فقد لا يعرف في بداية الأمر، لكن إذا تتبعت على الحديث فسيعرف من هو سفيان. هنا فإذا كان الثوري فمحمد بن يوسف هو الفريابي، وإذا كان بن عيينة فقد روى محمد بن يوسف عن بن عيينة لكن شيئا يسيرا. وغالبا إذا قال البخاري: محمد بن يوسف عن بن عيينة، فهو محمد بن يوسف البيكندي. قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي الضحى. الأعمش: أبو عبد الله سليمان بن مهران، الأعمش الحافظ الكبير، حفاظ أهل الكوفة. قال: عن أبي الضحى، وهو مسلم ابن صبيح، هو كوفي كذلك. وهذا الإسناد من سفيان الثوري إلى مسروق يعتبر كوفياً. مسروق مدني، كوفي؛ لأنه كان في المدينة ثم تحول إلى الكوفة. قال: عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق. مسروق ابن الأجدع، أبو عائشة الهمداني. قال: عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: جاء حسان بن ثابت يستأذن عليها. والذي روى الحديث هو مسروق، ولعل هنا قوله: «قالت» من بعض الرواة، وإلا فالذي روى الحديث هو مسروق، وهو مولى لها. قال: جاء حسان بن ثابت يستأذن عليها، فقلت: أتأذنين لهذا؟ قالت: أوليس قد أصابه عذاب عظيم؟ قال سفيان: تعني ذهاب بصره. فقال: أي حسان، «حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل». قالت: لكن أنت. فهذا أيضا حديث تابع لقصة الإفك، وفيه تفسير لهذه الآية: ﴿ وَيَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا ﴾. أي: لمثل هذا الاتهام الباطل. فإن هذه موعظة من الله عز وجل لمن تكلم من الصحابة رضي الله عنهم. وأما أهل النفاق فهم يحبون هذه الشائعات. لكن هذه موعظة عظيمة صارت لأهل البيت أو للصحابة الذين تكلموا، أنهم لا ينبغي لهم أن يتهموا الأبرياء، ويتهموا بدون أدلة، لأن هذا الكلام يحتاج إلى أدلة. ولهذا، لشدة هذا الأمر، فإن الله عز وجل لم يرضَ بالشاهدين، بل جعل شهادة الزنا أربعة شهداء. وأيضا هؤلاء الأربعة الشهداء عند جميع أهل العلم لا بد أن يروا حقيقة الزنا، لا بد أن يشهدوا على حقيقة الزنا. فلو شهد منهم واحد على عدم الحقيقة، يقول مثلاً: ما رأيت شيئاً، وإنما فقط رأيت كذا وكذا، لم أر زنا، فهنا تبطل شهادته. مثل ما فعل عمر رضي الله عنه لما شهد أربعة، فثلاثة شهدوا بالزنا، وواحد قال: ما رأيت زنا، لكن رأيت رجلاً فوق امرأة، فحدهم. أي: حد الثلاثة الذين تكلموا وشهدوا بالزنا، أقام عليهم حد القذف، وترك هذا الذي جاء بالحقيقة، قال: ما رأيت زنا، فتركه ولم يحد. وأما الذين اتهموا وشهدوا بالزنا فإنه حدهم. وهذا هو الذي عليه العلماء: لا بد أن يكون الزنا يرى الزنا حقيقياً، كما يقولون: يرى الميل في المكحلة. فلهذا شدد الله عز وجل في هذا الباب، واتهام الأبرياء، وجعل من يفعل ذلك لا تقبل له شهادة أبداً، وجعله من الكاذبين، وأولئك - لأن اتهام أعراض الناس خطر عظيم - فقال ربنا جل وعلا: ﴿ وَيَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا ﴾. أي: أنكم تتهموا الناس بدون بينة. فقال هنا: جاء حسان بن ثابت يستأذن على عائشة رضي الله عنها، وفي رواية أنه دخل عليها فأرسلت له وسادة، أي: جعلت من عندها من يلقي له وسادة، لأن الذي يدخل على عائشة رضي الله عنها لا يدخل عليها لمقابلتها، وإنما على ستر، أنها تكون تحت ستر. وكانت في مرضها، أو كانت مريضة في ذلك الوقت. فلما خرج حسان، قال مسروق لعائشة رضي الله عنها: أتأذنين لمثل هذا وقد قال ما قال؟ لأن حسان بن ثابت تكلم فيمن تكلم في حادثة الإفك. فقالت رضي الله عنها: أوليس قد أصابه عذاب عظيم؟ وهذا مشكل معنى: هل مراد أن قوله جل وعلا: ﴿ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ المراد به حسان؟ لا، ليس كذلك. وإن كان قد جاء في رواية مسروق، في رواية البخاري، أنه قال لها: أليس قد قال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾؟ فقالت: أوليس قد أصابه عذاب عظيم؟ وتريد أنه عمي. لكن صحيح أن هذه الآية كما تقدم نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول. لكن قد يكون بالمشاركة، من شاركه في هذا، الذين تكلموا وشاركوه في هذا الشيء، أو أن المراد: أن من فعل ذلك فهو له عذاب عظيم، ومن نشر مثل هذه الإشاعات. وفي رواية أن عائشة رضي الله عنها ذكرت شعره، وقالت أيضاً: أنه كان هو الذي يقول: «فإن أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء». فكانت تتمثل بشعره هذا. فقالت لما قال لها مسروق: أليس قد قال الله عز وجل فيه: ﴿ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾؟ قالت: هو الذي كان يقول: إن أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء. وكان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا لطيب قلبها رضي الله عنها أنها سامحته لأجل هذا، لقوله أو دفاعه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسامحته على ما قاله وما تكلم به. ثم قال حسان رضي الله عنه: «حصان رزان، وحصان» أي: المراد به حصين، من الحصن، وهي العفيفة. «حصان رزان ما تزن بريبة» معنى: ما تتهم بريبة أبداً، لأنها عفيفة، فلا يمكن ويستحيل أن توصف وتتهم بريبة وهي عفيفة. «حصان الرزان» والرزان: هو الشيء الثقيل الذي لا يتحرك، والمراد به أنها امرأة ما تعرف عنها شيء مما يقال فيها أبداً، بل هي عفيفة مستقيمة. قال: «حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل». و«غرثى» المراد به أنها لا تغتاب الناس ولا تأكل لحومهم، أي: تغتابهم وتتكلم في أعراضهم. مع هذا إلا أنها قد تكلم فيها رضي الله عنها. فهذا ثناء عظيم على عائشة رضي الله عنها، وأنها امرأة حصينة. ويقال أن حسان قال هذا في ابنته ثم نقله في عائشة رضي الله عنها، وهي لا شك أنها مثل ما قال رضي الله عنه. قالت: لكن أنت. هذا باب المعاتبة: أنت معنا تكلمت في هذا، ولم تكن على ذلك. وهذا من باب المعاتبة، وإلا فقد سامحته، ولم تدخله عندها إلا لأنها قد سامحته، فلذا أذنت له بالدخول. ولما قال: كما قلنا لها مسروق: أتأذنين لمثل هذا؟ قالت: هو الذي يقول: «إن أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء». فهذه موعظة من الله عز وجل، وتحذير من الله سبحانه وتعالى، أن الإنسان إذا أخطأ في شيء من هذا، فإنه لا ينبغي له أن يرجع ويعود ويتكلم في مثل هذه الأمور، خاصة في اتهام أهل العفة وأهل التحصين، وكذلك أهل الإيمان والاستقامة. فهذا خطر عظيم. بل أن الإنسان لا ينبغي له أن يتكلم في عرض رجل أو امرأة إلا إذا كان متأكداً من ذلك، متأكداً من ذلك، وإلا يكون قاذفاً، عليه حد القذف. وليس الحد فقط، بل حرم أيضاً، كذلك هو ارتكب معصية كبيرة من كبائر الذنوب. وإن كان مثلاً اشتكي عليه، أو رفعت للقاضي، فإنه يقام عليه حد قدر إذا لم يثبت ذلك، إذا لم يثبت هذا الذي ذكره في عرض رجل أو في عرض امرأة. فقال الله عز وجل: ﴿ وَيَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا ﴾. فهذا ما يذكر، والله تعالى أعلم.