كتاب التفسير من صحيح البخاري 165

كتاب التفسير من صحيح البخاري 165

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 165، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شروط النصر وأسباب الهزيمة في ضوء الوحي

يبيّن المقطع أن نصر الله مشروط بنصر المؤمنين لدينهم وطاعتهم مستشهداً بسورة النور ومواقف الصحابة، بينما الهزيمة والذل ناتجان عن المعصية والإعراض عن أمر الله كما حدث في أحد وحنين. ويؤكد أن العزة والغلبة تلازم الإقبال على الله والصبر على طاعته كما تجلى في موقف ابن تيمية مع التتار.

دروس وعبر من غزوة حنين ومؤتة في الثبات والتوكل

يسرد المقطع أحداث غزوة حنين حيث انهزم الصحابة أولاً ثم ثبتوا بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله النصر، ويذكر غزوة مؤتة واستشهاد قادتها ونجاح خالد بن الوليد في الانسحاب التكتيكي. ويؤكد أن النصر مرهون بالإيمان الصادق والتوكل على الله والموالاة الإلهية للمؤمنين الصادقين.

الإخلاص في الجهاد ورد شبهة العداوة الأرضية مع اليهود

يؤكد المقطع على وجوب صدق النية والإخلاص لله في الجهاد وأن النصر مشروط بقوة الإيمان لا بالقومية، وينتقد قول من يزعم أن العداوة مع اليهود أرضية فقط مستدلاً بآيات تثبت أنها عقدية أبدية. ويشير إلى أن حقد المنافقين وأعداء الإسلام مستور بحكمة الله البالغة.

شرح حديث الماء في تفسير البخاري لسورة محمد

يوضح المقطع أن الماء المذكور في الحديث ليس متغيراً بل على أصله وطبيعته، مستعرضاً كلمات الإمام البخاري في تفسير سورة محمد أو سورة الذين كفروا. ويبين المراد بوصف الماء في سياق الآيات القرآنية المتعلقة بصفات الجنة أو النعيم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: سورة محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي ما جاء في تفسير بعض آياتها من حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكما قلنا من طريقة الإمام البخاري أنه يذكر بعض كلمات السورة ويأتي بمعانيها، فقال رحمه الله: «أوزارها أي آثامها». قوله هنا: «أوزارها أي آثامها»، هذا جاء عن قتادة بن دعام رحمه الله، أخرجه عبد الرزاق عن المعمر عن قتادة أنه قال في قول الله جل وعلا: ﴿ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾، قال: حتى لا يكون شرك. وقال أيضاً البخاري: «أوزارها آثامها حتى لا يبقى إلا مسلم». وقول البخاري هنا: «آثامها أي مخلفاتها، مخلفات هذه الحرب حتى تضع الحرب أوزارها». والله عز وجل أيد أهل الإسلام إذا كانوا على ما رضيه الله عز وجل لهم، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾. فإذا نصر عباد الله ربهم جل وعلا، نصروا دينه وتمسكوا بدينه، فإن الله عز وجل ناصرهم لا شك. ولهذا قال أبو بكر الصديق لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لما رآه يدعو حتى سقط رداؤه، كان يقول في بدر عليه الصلاة والسلام: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها أبداً». فقال أبو بكر: يا رسول الله، كفا كفاك مناشدة لربه، فإنه ناجز لك ما وعدك. وهذا الذي وعده هو قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، أو قال الله عز وجل: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْكُمْ ﴾. قال الله عز وجل: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْكُمْ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾. فهذا الوعد وهذا الشرط، الشرط وهذا الجزاء. فلذلك إذا أقبل الناس على الله عز وجل وأقبل أهل الإسلام على الله، فإن الله عز وجل ناصيرهم. ولهذا كلما كان الجيش المسلم على خير وعلى صلاح، كان النصر يكون غالباً حليفه. ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما وطّن الناس ووعظهم عندما أراد التتار أن يدخلوا، ووعظ أمير البلاد، وأيضاً كذلك شدد عزمه، فلما اشتد عزمه وفرح الناس أو نشط الناس في قتال التتار، وكذلك استعدوا لملاقاتهم ودعوا الله ودعوا الله عز وجل في المساجد، فقال شيخ الإسلام: «قد مُصِرْنا». فقال له: «قل: إن شاء الله». فقال: «إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، على أن النصر لا بد منه لأن الله عز وجل وعد بذلك». فلذلك ربنا سبحانه وتعالى لا يجعل الكفار فوق أهل الإسلام إلا إذا هم الذين ذلوا. وإلا ربنا جل وعلا يجعل أهل التقوى وأهل الصلاح فوق الذين كفروا غيرهم. وإذا كان الإذلال من أنفسهم، وكذلك ترك ما أمر الله عز وجل به، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾. وعلى حصلت هذه الخصومات بينهم بسبب تركهم لدينهم. فلذلك من هذه العقوبات التي يعاقب الله عز وجل بها عباده أن يجعل بأسهم بينهم، أن يجعل بأسهم بينهم. ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾. فالنبي عليه الصلاة والسلام كما في مسلم، لما قرأ هذه الآية: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهه». قالوا: ﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾، قال: «أعوذ بوجهه». قال: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾، قال: «هاتان أهون، هاتان أهون». وهذا الذي يحصل في بلاد المسلمين، فإنهم كلما تركوا أمر الله عز وجل حصلت الخصومات بينهم، وتقوى عليهم أعداؤهم. وكلما اتجهوا إلى الله، وكذلك أقبلوا على الله عز وجل وأقبلوا على دينه، كلما رفعهم الله عز وجل وأعزهم. فلذلك تجد أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يهزم في حياته، ولم أيضاً كذلك يتقهقر في الحرب، بل كانت الغلبة له، إلا ما حصل في أحد، فإن الله عز وجل أراد أن يريهم أن كلما تركوا أمر الله كلما كان الوبال عليهم. فلذلك ولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها، قلتم: أنى هذا؟ قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾. معنى الله عز وجل أراد أن يبين لهم أن ابتعادهم عن الأمر ومعصية الأمر قد يؤثر عليهم، وهي حكمة من الله. ثم بعد ذلك لم يهزموا في شيء من الحروب، حتى في حنين. حتى في حنين، عندما كانت هوازن وغطفان ومن جاء معهم من ثقيف قد استعدوا للصحابة، عنها كان في أوساق، في أوطاس، فيما يقال له أوطاس عند حنين، فاستعدوا للصحابة. فلما دخلوا الصحابة الوادي، رموهم بالنبل من كل مكان، عنها كانت مكيدة عظيمة دبروها، فرموهم بالنبل من كل مكان، حتى أن الصحابة رجعوا، رجع كثير منهم من الصحابة، فما بقي إلا النبي عليه الصلاة والسلام ومعه اثنا عشر رجلاً، وهو يتقدم بناقته، وفر الناس، أي تفرقوا، لأن هؤلاء ركزوا بالنبال عليهم، فتفرقوا في الوادي. فأمر النبي عليه الصلاة والسلام العباس أن ينادي: يا أهل البيعة، بيعة الرضوان. ثم ناداهم فعطفوا كأنهم يحنون إلى ذلك الصوت. فبعد ذلك هزم الله عز وجل غطفان وهوازن ومن معهم، وسبى أهل الإسلام أموالاً كثيرة في تلك الغزوة. لكن انظر إلى نصر الله عز وجل أهل الإيمان. وبعد ذلك أيضاً لم يهزموا الصحابة رضي الله عنهم في شيء من الغزوات، حتى موتة. كانت غير مكافئة في الجيوش، عن جيش المسلمين قليل جداً مقابل ذلك الجيش. العرب رب أهل الروم قرابة مئتي ألف، فليست الكثرة متعادلة. لكن الله عز وجل أدخل الرعب في قلوب هؤلاء الروم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة. لكن قتل قادة المسلمين: قتل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة أو زيد بن حارثة، ثم أخذها عبد الله بن رواحة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثم أخذها سيف من سيوف الله، فخالد رضي الله عنه». لما رأى أن أهل الإسلام قد يُقتلوا في هذه الغزوة الكبيرة التي ليس فيها تكافؤ، خرج بهم، خرج بالذي يريد أن ينحرف إلى طائفة أخرى، فانحرف بهم، فظن أولئك الروم أنه سيذهب إلى طائفة أخرى جاءت معهم سنداً له، فخرج بذلك الجيش. وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك نصراً. فلذلك فلم يهزموا بعد ذلك في حروب الردة، ولا أيضاً كذلك بعدها. وكلما دخلوا غزوة نصرهم الله، لأنهم يدخلون على الإيمان بالله جل وعلا والإقبال عليه. فلذلك قال: ﴿ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾، أي حتى لا يكون شرك. أي هذه الحرب التي يخوضها هؤلاء لأجل أن يميتوا الشرك، وأن تكون البلاد كلها لله، وأن يكون الدين كله لله. طيب، قال رحمه الله تعالى: وقال مجاهد: ﴿ أَوْ قَالَ عَرَّفَهَا ﴾، أي بينها، عرفها لهم، أي بينها لهم، وعرفهم منازلهم، أي في الجنة، وأنهم لهم منازل عظيمة عند الله عز وجل، وغرفهم كالكوكب الدري الذي يضيء، على أن ينظر من تحت إلى أعلى، يجد من كان أعلى مثل الكوكب الدري، أي مثل النجم المضيء، فينظر إلى ما أعد الله عز وجل لمن فوقه. إن كانت المنازل مثل الغرف، لكنها غرف واسعة، بحسب عمل ذلك المؤمن، فإن كان عمله أعظم كان أعظم درجة، وكان في الفردوس الأعلى. فلذلك فالجنة درجات كما أن النار دركات. ﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾، أي أخبارهم بها، أبين لهم النعيم العظيم الذي سيعطيهم الله عز وجل في هذه الجنان. وإن كان كما قال ربنا جل وعلا في الحديث القدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». قوله: ﴿ وَقَالَ مُجَاهِدٌ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، أو وليهم، أي وليهم. وهذه الآية أيضاً المراد أن الله عز وجل ولي الذين آمن، وهو يتولاه وينصرهم جل وعلا. ولهذا لما قال أبو سفيان في أحد: «العزة لنا ولا عزة لكم»، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تجيبوهم». قال: وماذا نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم». هم اعتزوا بالأصنام والآلهة، وظنوا أنها تفيدهم. فقال أبو سفيان: العزة لنا ولا عزة لكم، أي هذا العزة المراد به الصنم، أي نحن معنا العزة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم». ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾. وفي هذه الآية: ﴿ اللَّهُ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾. فأهل الإيمان الله عز وجل يتولاهم وناصرهم جل وعلا. قال: وقوله: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾. قال: أي جد الأمر. إذا عزم الأمر، أي جد الأمر. إن إذا دخل في هذا الأمر ولم تشكوا بعد ذلك في أموركم، فإذا جد أمركم فتوكلوا على الله. ﴿ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾. فإذا كانوا هم جادون في دخول هذه الحرب ضد هؤلاء الكفار، فيبقى ما معهم إلا صدق. فإن كانوا صادقين فسينصرهم الله عز وجل، وأيضاً يعلي أمرهم. فلذلك فالصدق في هذه الأمور من أعظم الأشياء. أما إذا كانت نية المقاتل أو غيره نيته ليست لله، وإنما لغرض من أغراض الدنيا، فإن الله عز وجل قد يخذله ولا ينصره. لكن إذا كانت الهمة لله عز وجل، والأمر أيضاً والعزم لله سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل ناصر دينه وناصر عباده. فلذلك قال: ﴿ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾. أن إذا صدقوا الله سبحانه وتعالى في قتالهم له، وفي أيضاً كذلك حروبهم، وفي كل شيء، فإنه ناصرهم ربنا ومولاهم سبحانه وتعالى. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، قال الله عز وجل: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾. أمر الله عز وجل أن يكون الإنسان مع أهل الصدق وأهل الإخلاص، لا يكون مع أناس لهم أغراض دنيوية، سوى كان في حرب أو في غيرها، سوى كان في حرب أو في غيرها، يكون الإنسان مع أهل الصدق وأهل الإخلاص والطاعة. قال رحمه الله: ﴿ فَلَا تَهِنُوا ﴾، أي لا تضعفوا. ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾. أي لن يترككم الله عز وجل وأنتم تخلصون له، تصدقون معه وتعملون له. وهذه الآية أو هذه السورة أكثرها في هذا الباب، يبين الله عز وجل أنه مع أهل الإيمان، إن صدقوه جل وعلا فهو ناصرهم ومولاهم سبحانه وتعالى، وأيضاً كذلك مظهرهم على هؤلاء الكفار، والغلبة لهم، والعلو لهم. ولهذا قال: ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ ﴾. الله عز وجل معكم، ولن يترككم أعمالكم شيئاً. أي لن يترككم الرب سبحانه وتعالى ما دمتم معه، سينصركم الله جل وعلا. وكما قلنا: الله عز وجل لا يجعل أهل الكفر فوق أهل الإيمان إلا إذا كان الضعف منهم، إذا كان الضعف منهم، أي الخور، وكذلك النيات، النيات تريد الدنيا. وأما كانوا أرادوا الآخرة، فإن الله عز وجل ناصرهم. قال الله عز وجل: ﴿ فَلَا تَهِنُوا ﴾، أي لا تضعفوا. أنا تجد الآن في هذا الزمان قد يكون معنى الغلبة للكفار، عندك اليهود استولوا على أكثر العالم، وكذلك أذنابهم من النصارى والروافض أيضاً استولوا على كثير من بلاد المسلمين. عندك الآن الروافض يتمددون في بلاد المسلمين. وهذا قد يكون حكمة من الله عز وجل لأن أهل الإسلام وهنوا وضعفوا. لكن إن رجعوا إلى الله وعلموا أنهم الأعلون، وصدقوا مع الله عز وجل، لم تدخل فيهم هذه القومية التي خربت عليهم أشياء كثيرة. الآن تجد غالب من يقاتل يقاتل لأجل القومية، لأجل أن هذه أرضه، وأن هذه كذا، وهذا ليس هو المهم. المهم أنك تقاتل الكفار، تقاتل أهل الكفر الفساد الذين يريدون أن يستولوا على أهل الإسلام. صحيح أن المقاتل على الأرض، أي أرض الإسلام، يدخل في هذا، لكن لا يجعل الإنسان همه هذا، همه أنه يطرد فقط هذا العدو من أرضه، وليس المراد أنه يقاتلهم، وأيضاً كذلك لأنهم كفار. فهذا المفهوم استولى على قلوب كثير من الناس. والأدهى والأمر أن الإخوان المسلمين يقررون هذا الأمر، يقررون هذا الأمر للناس. فهذا حسن البناء، والقرضاوي، وكذلك حسن الهضيبي، وهو أيضاً من قادة الإخوان المسلمين، كلهم يقولون: أن العداوة التي بيننا وبين اليهود ليست عداوة دين، ليست عداوة دين، وإنما عداوة أرض. انظر إلى هذا الكلام المتهافت. إذا كان ليس بيننا وبين اليهود عداوة دين، فتكون بيننا وبين من؟ الله عز وجل بين كفر هؤلاء، وأننا لا نتخذهم أولياء، بل نتخذهم أعداء. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾. فلذلك الله عز وجل فصل بين الكفار وأهل الإسلام، وأن بينهم عداوة. ﴿ قَدْ بَدَتِ الْعَدَاوَةُ مِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾، أو قال الله عز وجل: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾. فلذلك فالعداوة والبغضاء لا بد أن تكون. وهؤلاء يقاتلون لأنهم كفروا، ليس لأنهم أخذوا الأرض، وإنما يقاتلون لأنهم كفروا. أما الأرض فهي لله، يرثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. حتى الأرض التي يعيشون فيها، أنا حتى الأرض التي يعيشون فيها ليست أرضهم، فالأرض لله، وليست لهم. فليس ألهم أن يكون عند أهل الإسلام أن العداوة بينهم وبين هؤلاء هي الأرض، وأنهم يقاتلونهم لأجل الأرض. فليس كذلك، بل لأجل دين الله عز وجل. الله عز وجل لما ذكر القتال وأمر به، قالوا: ﴿ قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾. لأجل الدين، وليس لأجل الأرض، ليس لأجل الأرض. وأما هذه القومية التي حصلت، وكانت لها دعاة، رصخوا مثل هذه المبادئ، فتجد الشخص يقاتل لأجل أن هذا أرضه، أو أن هذا مثلاً مما ينتمي إليه، ولا دخل له في بقية الأراضي المسلمين. وهذا خطأ. وإنما يقاتل العبد لله عز وجل، ويقاتل هؤلاء لأجل الدين. طيب، قال: وقوله جل وعلا: ﴿ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ﴾. وقال ابن عباس: «أضغانهم». لن يخرج الله أضغانهم، أضغانهم أي حسدهم، أي حسدهم. وقال هنا عن ابن عباس: «أعمالهم وخبثهم والحسد». عن الحسد الذي في قلوب هؤلاء الأعداء من اليهود والنصارى، وكذلك المنافقين. حتى قال الله عز وجل: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾. هؤلا أهل النفاق وأعداء الله عز وجل. الله عز وجل علم بقلوبهم وما هم عليه من الحسد والحقد ضد أهل الإسلام. ولو شاء الله عز وجل لجعلهم لهم سيماء، ولهم علامات يعرفهم بها أهل الإسلام، لكن اقتضت حكمة الله عز وجل أن لا يكون ذلك. قالوا: قوله: ﴿ آسِنٍ ﴾، متغير. لما إن غير، آسن وآسن أي متغير. هذا الماء ليس متغيراً، بل ما على أصله، وأيضاً ما عدم. فهذه بعض الكلمات التي ذكرها الإمام البخاري في سورة محمد، أو سورة الذين كفروا.