الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 86، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الدرس منهج القرآن الكريم في تفصيل أبواب الخير وإجمال ذكر الشر حماية للأمة من الوقوع فيه، مستشهداً بترك النبي صلى الله عليه وسلم لتفصيل السحر. كما يسرد إسناد حديث مسروق الذي أخرجه البخاري عبر سلسلة رواة تربط بين البصريين والكوفيين.
يبيّن المقطع أن من تولى كبر حديث الإفك هو عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، مع توضيح أن حسان بن ثابت أثنى على عائشة ولم يتغزل بها. كما يصحح الوهم الوارد في نسبة الرد إلى سعد بن معاذ مؤكداً وفاته قبل الحادثة وأن الصواب هو أسيد بن حضير.
يؤكد الدرس أن اتهام عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه يعد تكذيباً صريحاً للقرآن الكريم، مما يوجب كفر من يعتقد ذلك من الإثني عشرية والجارودية الحوثية بإجماع المسلمين. ويستعرض عقائد كفرية أخرى لهم كعقيدة الرجعة والبداء وادعاء تحريف القرآن، محذراً من أن من لم يكفرهم فهو كافر والحجة قائمة عليهم.
يسلط المقطع الضوء على موقف الصحابي الذي دافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونافح عن عرضه، مما جعله معذوراً ومسامحاً في حقه. ويشير إلى أن هذا الدفاع القوي كان سبباً رئيسياً في قبول عذره وتوثيق ذلك في الروايات التاريخية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} أي: يوضحها سبحانه وتعالى ويفصلها لكم، والبيان بيانان: بيان بالنطق، وبيان بالقلب، بالكتابة، وكلاهما قد علم الله عز وجل الإنسان، {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}. بيان الكتابة، وبيان النطق. وربنا جل وعلا قد جعل كتابه أيضًا بيانًا شافيًا، وفصل الآيات للناس. وسواء كان تبيين الله عز وجل للخير أو للشر، فبيّن الله عز وجل الخير وفصل فيه، وبيّن كذلك الشر وأجمله. وهذه طريقة القرآن غالبًا: تفصيل في الخير، وإجمال في الشر. وهذا لأجل أن الخير يحتاجه الناس يعملون به، يعملون به. وأما التفصيل في الشر فغالبًا تكون مضرته أكثر من منفعته. ولهذا فدعوة القرآن، ودعوة النبي عليه الصلاة والسلام، من تأمل فيها يجد أنها تفصل في الخير، وأما الشر فتجمله. ويذكر الله عز وجل مثلًا بعض المعاصي إجمالًا ولا يذكرها تفصيلًا. ولهذا تجد أن أهل السنة وأهل المنهج الصحيح على هذا. وأما ما يفعله بعض الدعاة الآن في هذه العصور وقبل ذلك أيضًا من التفصيل في الشر، وتفصيل قصص الجنايات من الزنا وغيره، وكيف فعل، وكيف أخذ، وكيف قال، فهذا لم يكن عليه هدي النبي صلى الله عليه وسلم والسلف، لأن هذا فيه تعليم للشر. فالتفصيل والبيان في الشر هو مضرة للناس. ولهذا أخفى بعض العلم من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أما أنا فقد شفاني الله، ولا أريد أن أنشر، أو قال: ولا أريد أن يكون شرًا على الناس»، أي في السحر الذي أخرجه من البئر. فإنه لما أخرجه النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «أما أنا فقد شفاني الله، ولا أريد أن أجعل في الناس شرًا»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، أي: بنشر، في نشر مثل هذه الأمور، كيف فعلوا، وكيف سحروا، وكيف أخذوا الشعر. هذه التفاصيل تركها النبي عليه الصلاة والسلام لأجل أن لا يكون شرًا بين الناس، لأن بث مثل هذه الأمور وتفاصيلها تضر الناس أكثر، فيتعلم الناس الشر. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، محمد بن بشار البصري، أبو بكر البصري، الذي يُكنى ببندار، ويقال أنه قيل له بندار لأنه جمع حديث أهل بلده وحفظه، والبندار هو الحافظ الكبير، فقيل لمحمد بن بشار: بندار. وكان من حفاظ أهل البصرة، ومن المكثرين في الحديث، وقد اعتمده البخاري حتى في الكتابة. والبخاري رحمه الله عنده تحرٍّ في الرواية، فغالبًا لا يأخذ من مشايخه الكتابة، لكن أخذه من محمد بن بشار، فجاء في بعض الحديث أنه قال: كتب إلي محمد بن بشار. وهذا يدل على وثوقه به، وعلى أنه عنده ثقة مصدق. أما من تكلم فيه فلعلهم تكلموا في بعض الأوهام التي وهم فيها، وهذه لا تضره. تكلم فيه يحيى بن معين، وعمر القواريري، وكذلك عمر بن علي البصري. لكن هؤلاء تكلموا في بعض الأشياء التي وهم فيها. قال: حدثنا ابن أبي عدي، وهو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي البصري. قال: أنبأنا شعبة. وهذا شعبة بن الحجاج، أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث، وهو بصري كذلك. أنا الآن شيخ البخاري بصري، وشيخ شيخه بصري، وكذلك شعبة. ثم سيتحول الآن الإسناد إلى كوفي. وكما ذكرنا قبل أن شعبة وإن كان بصريًا لكن علمه كوفيًا، أن مشايخه الذين أخذ عنهم الحديث، أول من أخذ عنهم الحديث هم أهل الكوفة: الأعمش، وأبو إسحاق، ومن هؤلاء الذين أخذ عنهم شعبة رحمه الله. فشعبة بصري لكن علمه كوفي. وسفيان الثوري كوفي لكن علمه بصري، لأنه أخذ الحديث عن أهل البصرة أولًا، عن تعلم الحديث من عند أهل البصرة: عند أيوب، وكذلك يونس بن عبيد، وكذلك سليمان التيمي، وكذلك عبد الله بن عون، ومن أهل البصرة. قال: أنبأنا شعبة عن الأعمش عن أبي الضحى، وهو مسلم بن صبيح الكوفي، قال: عن مسروق، وهو من الأجدع الوادعي الهمداني. قال: دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب. والتشبيب هو نوع من التغزل أو الثناء على المرأة ومدحها، فيسمى تشبيبًا. وهو لم يتغزل لكن أثنى على عائشة. ويقال أن حسان إنما قال هذا البيت في بعض بناته أو أزواجه، ثم قاله في معنى من باب النقل فقط، كما ذكرنا قبل. فقال: دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب، وقال: «حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل» فقالت عائشة: «لست كذاك أنا، لأنك تكلمت معهم في الرفق». فقال مسروق: قلت: تدعين مثل هذا يدخل عليك، وقد أنزل الله: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ}؟ فقالت: «وأي عذاب أشد من العمى؟» فقالت: «وقد كان يرد عن رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم». وذكرنا وجهة هذا الكلام في درس الأمس، وأنه لعله كما قلنا يدخل في هذه الآية، وليس هو الذي تولى كبره. وإلا الذي تولى كبره كما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنه عبد الله بن أبي بن سلول. وقد دخل الزهري رحمه الله على بعض ملوك بني أمية، فكان يقول: الذي تولى كبره علي بن أبي طالب. فحمي الزهري وغضب، وقال: «والذي نفسي بيده، فقد حدثني عروة بن الزبير عن عائشة أم الصديق أنها قالت: الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي بن سلول». وهي صاحبة القصة وهي أعلم. لذلك فلهذا فالذي تولى كبر حديث الإفك هو عبد الله بن أبي بن سلول، ذلك المنافق ورأس المنافقين. ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه إلى أهلي؟» من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه إلى أهلي، فلا شك أن الصحابة كانوا يعرفونه، وهو عبد الله بن أبي. فلهذا قال سعد بن معاذ... وإن كان هذا خطأ عند كثير من السيرة، وإنما هو أسيد بن حضير. لأن سعد بن معاذ مات في الخندق، رمي بسهم في كتفه. والخندق على قول العام أو أكثر أهل السيرة أنها في السنة الخامسة، ومنهم من قال وهو موسى بن عقبة أنها في السنة الرابعة. فهي غالبًا قبل غزوة بني المصطلق. قبل غزوة بني المصطلق، وهذه الحادثة حصلت في الرجوع من بني المصطلق. فتبين من هذا أن ذكر سعد بن معاذ في الحديث الظاهر أنه خطأ، وإنما هو أسيد بن حضير. فقام، فجاء في الحديث أن سعد بن معاذ قام فقال: يا رسول الله، إن كان منا -أي الأوس- قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا به ما تأمر. فقال سعد بن عبادة... وقد قالت عائشة: «وقد كان رجلًا صالحًا». فقال: فقال: كذبت، والله لا تقتله. ولا شك أن عبد الله بن أبي من الخزرج، فعرفوا أن المراد هو عبد الله بن أبي. فقال سعد بن عبادة: والله لا تقتله. فقال وقال وقال أسيد بن حضير: والله لنقتلنه. حتى صار بين الحيين. فهذا كله يدل على أن من تولى كبر حديث الإفك هو رأس المنافقين، أخزاه الله، عبد الله بن أبي بن سلول. وأما حسان فقد تكلم، من تكلم؟ حسان بن ثابت تكلم فيمن تكلم في هذا الحديث، لكنه تراجع وتاب ورجع. ولهذا جاء إلى عائشة رضي الله عنها، وذكر لها هذا الشعر: «حصان رزان»، أي: عفيفات، و«رزان»، أي: ثقيلات، ليس لهن حركة مما يرتاب بهن، بل هن مستقيمات. «ما تزن بريبة»، أي: لا تتهم بتهمة، بل هن عفيفات، ولا يستطيع أحد أن يتهمهن لعفتهن ولشهرة عفتهن. فهذا كما قلنا في فضل عائشة رضي الله عنها، وأن هؤلاء أهل الإفك الذين تكلموا عليها قد خيب الله عز وجل... أو قد عاتبهم الله، وبيّن أن من تولى كبر هذه أو هذا الحديث وهذا الإفك توعده بعذاب أليم. قال بعض المفسرين: أي في الدنيا والآخرة. وقد فسرته عائشة رضي الله عنها أنه ممن كان في هذا حسان بن ثابت، فعذبه الله بأن أعماه. وهذا لأجل الإفك، أو أن الله عز وجل ابتلاه بذلك. وهذا فيه كما قلنا أيضًا أنه لا يجوز اتهام هذه المرأة الصالحة التي برأها الله. ومن اتهمها بعد ذلك فهو مكذب بالقرآن، هو مكذب بالقرآن. ولهذا من عقائد الشيعة التي يكفرون بها اتهامهم عائشة رضي الله عنها. والإثنا عشرية الآن صار خاصة في الأزمان المتأخرة صار عندهم عقيدة، يعني من عقائدهم الثابتة أنهم يتهمون عائشة رضي الله عنها. وهكذا الجارودية التي يمثلها عندنا في اليمن الحوثية. الحوثية هم من على عقائد الجارودية، والجارودية هي فرقة من فرق الإثنا عشرية، عقائدهم غالبًا واحدة، إلا أنهم شددوا في بعض الأمور. فهم على هذه العقيدة وهي اتهام عائشة رضي الله عنها والكلام عليها. وكذلك بل يدعون كما ذكر ذلك الكليني في كتابه الكافي، وكذلك غيره من أهل الشيعة ذكروا أن قائمهم، وأن أيضًا مهديهم إذا ظهر فإنه يخرج عائشة رضي الله عنها من قبرها ويحدها حد الزنا. هكذا تجروا على كتاب الله جل وعلا. وهذه عقيدة من عقائدهم الكفرية التي تثبت كفرهم بإجماع المسلمين. لهذا الشيخ الإسلام لما ذكر تفصيلًا في الشيعة قال: فمن اعتقد منهم أن القرآن ناقص، أو اعتقد أن لهم قرآن مثل هذا القرآن ثلاث مرات وسموه قرآن فاطمة، وهذا عقائد الإثنا عشرية، أو اعتقد أن عائشة... أو اتهم عائشة بما برأها الله عز وجل منها، فهؤلاء كفار بإجماع المسلمين. بل هؤلاء لا شك في كفرهم، بل لا شك في كفر من لم يكفرهم، لأنهم مكذبون بالقرآن. فلهذا فعقائد الرافضة كثيرة التي تكفرهم، ليست فقط الاتهام أو السب، بل هناك عقائد عظيمة. منها عقيدة الرجعة أيضًا من عقائد الشيعة التي تكفرهم، أنهم يعتقدون أن لأئمتهم ترجع أرواحهم. وكذلك أيضًا عقيدة البداء التي يعتقدها الروافض، وهي أن الله عز وجل يبدو له أشياء، معناها: كانت تخفى عليه ثم بدت له. وهذا من عقيدة القدرية الغلاة الذين كفرهم السلف. وكذلك أيضًا من عقائدهم اعتقادهم بأن هناك قرآن عندهم يسمونه قرآن فاطمة، وفيه أكثر أو أكبر بثلاث مرات من هذا القرآن الذي يقرأ المسلمون، هكذا يقولون. وكذلك أيضًا يدعون أن هناك آيات أخفاها الصحابة رضي الله عنهم، وبدلوا بعض الكلمات في القرآن. وكل هذه من عقائد الكفر التي تجعل هؤلاء ليس من أهل الإسلام. ولهذا قال وكيع وابن المبارك، وأيضًا غيرهم من السلف: أن الروافض كفار، ليسوا من ملة أهل الإسلام، وليسوا من ملة أهل الإسلام. وإنما جاءت رواية بعضهم يقول بها عن أحمد، وبعضهم ينفيها أنه كان يقول: إنهم ليسوا من الكفار. ولعله أراد الشيعة الذين لا يعتقدون هذه الاعتقادات. وأما الروافض الإثنا عشرية فصارت هذه من مذاهبهم. لهذا قال أيضًا: من العقائد التي عندهم الغلو في أئمتهم، والغلو كذلك في أوليائهم، حتى يجعلونهم كالآلهة. ولهذا قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالة له، وذكر فيهم الروافض، وقال: وهؤلاء لا شك في كفرهم، بل لا شك في كفر من لم يكفرهم، لأنهم قال: كفار بإجماع المسلمين. ثم ذكر بعض عقائدهم. وأما من لم يكفرهم كان قبل، أما الآن فصارت هذه عقائدهم، أن هذه صارت من صميم مذاهبهم، فلهذا فهم كفار بإجماع أهل العلم. وقد أقيمت عليهم الحجة، ليس هناك حجة على هؤلاء، لأن من تكلم في القرآن وكذب القرآن فكيف تكون له الحجة؟ فهذه من الأشياء الضرورية التي من أنكرها أو من قال بها فهو يكفر عند جميع المسلمين. فلهذا فالروافض كفار، والجارودية أيضًا كفار، والحوثية أيضًا كفار. أما هؤلاء المتحوثة الذين دخلوا معهم لأجل المال ولأجل كذا، فهؤلاء ليسوا أهل العقائد، لكن أصل عقيدة الحوثية هم جارودية كفار، وهذه العقائد أكثرها يقولون بها. فلهذا من عقائد هؤلاء الشيعة: اتهام الصديقة بهذا الذي برأه الله عز وجل منه. ثم قال: «وقد كان يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»، أي: عذرته وسامحته، كما جاء في بعض الروايات، لأنه كان يدافع عن رسول الله وينافح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. فكتب بهذا والله تعالى أعلم.