الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 95، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع باب "فسوف يكون لزامًا" في صحيح البخاري وينقل عن ابن مسعود أن خمس آيات قد مضين منها الدخان والقمر والروم والبطشة واللزام. ويبين أن الدخان تحقق في قحط شديد أصاب مكة حين دعا النبي على قريش، وأن "اللزام" يعني الهلاك والعذاب اللازم للمكذبين.
يبيّن المقطع أن الدخان المذكور في حديث حذيفة هو آية مستقبلية قرب الساعة مغايراً لدخان مكة، ويؤكد وقوع انشقاق القمر مشاهداً من قريش. ويستعرض تحقق نبوءة القرآن بنصر الروم على الفرس بعد مراهنة أبي بكر وتحديد النبي للمدة بين ثلاث إلى تسع سنوات، فانتصروا في السنة السادسة.
يتناول المقطع مصير الفرس واليهود بعد انتصار الروم، حيث تفرق اليهود في الجزيرة العربية. ثم ينتقل لتفسير ابن مسعود وابن عباس لآيات سورة الدخان والقمر المتعلقة بالبطشة واللزام والدخان، وهل وقعت أم هي آتية.
يختتم المتحدث شرحه للأثر الوارد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بتلخيص ما يؤخذ منه من فوائد. ويختم بقوله: والله تعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب «فسوف يكون لزامًا» أي هلك. قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، وهو عمر بن حفص القاضي الكوفي، قال: حدثنا أبي حفص بن غياث القوفي قاضيها. قال أبو يوسف لبعض تلاميذه: اذهبوا بنا لنرى قضاء القاضي. وكان أبو يوسف هو قاضي القضاء لهارون، فقال: اذهبوا بنا لننظر قضاء القاضي، أي حفص بن غياث، وكان قاضيًا على الكوفة. وكان يظن أبو يوسف أن أهل الحديث ليس عندهم فقه، أو أنهم يجدون أنهم عندهم أخطاء في المسائل، وكذا قال. فلما رأينا قضاياه قال أبو يوسف: فقلت إن هذا رجل موفق. قال أبو يوسف: قلت هذا رجل موفق، وأنه أصاب في قضاياه. قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، وحفص من أصحاب الأعمش إلا أنه أخطأ في بعض الأحاديث عن الأعمش. قال: حدثنا مسلم، وهو ابن صبيح أبو الضحى، عن مسروق، وهو ابن الأجدع الواسعي الهمداني مولى عائشة رضي الله عنها، قال: قال عبد الله - يعني مسعود -: خمس قد مضين: الدخان، والقمر، والروم، والبطشة، واللزام. «فسوف يكون لزامًا» فهذا قول الله عز وجل: ﴿فَانتَظِرْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لَزَامًا﴾، أي: الهلاك عليكم، وجزى كل عامل بعمله فإنه سيتحصل على جزاء. ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لَزَامًا﴾، لزم عليكم العذاب. فابن مسعود رضي الله عنه يقول هنا: خمس قد مضين، أي قد مضت منها الدخان. قد ذكر عبد الله بن مسعود أن هذه الآية حصلت لما دعا النبي عليه الصلاة والسلام على قريش، وقال: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف»، فأصابهم القحط حتى أن الرجل لينظر إلى السماء فيرى مثل الدخان من كثرة الجوع. فهذا حاصل، قد حصل كما ذكر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. لكن هل هو المراد به قول الله عز وجل: ﴿فَانتَظِرْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؟ فهل هو نفسه؟ فالظاهر من كلام ابن مسعود يريد أنه نفسه هذا الدخان الذي حصل، أو الذي رآه أهل مكة، وهو من شدة الجوع. وهل هو نفسه الدخان الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان قبل قيام الساعة، كما جاء في حديث حذيفة بن أسيد أبي سريحة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات»، وذكر منها الدخان؟ فأكثر قول أهل العلم أن الدخان هذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم آخر، وهو آية من آيات الله عز وجل التي تكون قرب قيام الساعة، آية من الآيات التي تكون قرب قيام الساعة. وأما الدخان الذي رآه أهل مكة، فمن الممكن أن يكون هو الذي ذكره الله في كتابه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾، ومن الممكن أنه أراد هذا الدخان الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. وقوله: القمر، أي انشقاق القمر. وقد انشق القمر كما جاء في الصحيحين: انشق القمر إلى فلقتين، فلقة في المغرب وفلقة في المشرق، ورآه أهل قريش والناس. رأوا هذا القمر، والفلق هو انشقاق القمر، فهذا حصل كما قال عبد الله بن مسعود. والروم: أي أن الله عز وجل أخبر بأن الروم ستنتصر على الفرس. ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. وقد أخرج الإمام الترمذي من حديث أبي بكر الصديق أنه راهن قريش على هذا الأمر، لكنه حددها بخمس سنوات. فمرت الخمس سنوات ولم تنتصر، ولم ينتصر الروم على الفرس، بل لازال الفرس هم المنتصرون. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر: «لو جعلتها بين الثلاث والتسع؛ لأن بضع سنين ما بين الثلاث والتسع». ثم أن الله عز وجل نصرهم في السنة السادسة، أي من كلام أبي بكر رضي الله عنه مراهنة، فنصرهم الله عز وجل في السنة السادسة من ذلك الموعد. فانتصرت الروم بعجوبة، وكانت حيلة عظيمة فعلها قيصر: أن جعل كسر في الشام، وهو ذهب إلى الفرس، وإلى إيران كما تسمى الآن إيران، وذهب إلى بلاد فارس، وقتل أصحابه هناك وأسر أهله. فجاء الخبر إلى كسر فلم يستطع، فلم يدر ما يفعل، فرجع بأهله. فبعد ذلك كانت الروم لها الانتصار، فنصرهم الله، وهرب الفرس، وهربت اليهود معهم، حتى اليهود هربوا مع الفرس لأنهم كانوا يناوئونهم ويعاونونهم على النصارى. فهربوا جميعًا. فأما فارس أو كسر فرجع إلى مكانه، لكنه بعدما خسر أكثر أهله وأكثر جنوده. وأما اليهود فقد خرجوا من الشام، كان اليهود في الشام في ذلك الوقت، فلما كان النبي عليه الصلاة والسلام أو مع بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كان اليهود في الشام. فلما انتصر قيصر فإنه طرد اليهود من الشام، وخرجوا خاربين، فجاءوا إلى اليمن، وبعضهم دخل المدينة، جلس في المدينة وحالف قبائل المدينة الأوس والخزرج، هذه القبائل التي كانت في المدينة: بنو قريظة، وبنو قينقاع، وبنو النضير. وبعض اليهود إنما هربوا من الشام، ومنهم من جلس في خيبر، فتفرقوا في هذه البلاد، أي في الجزيرة، بعدما كانوا في الشام. طردتهم النصارى، ولهذا كانوا يكنون الحقد للنصارى، وإن كانوا من كثرة حقدهم على الإسلام فهم يتفقون معهم، لكن ما زال النصارى يتسلطون عليهم حتى احتال بعض اليهود فجعلوا هناك فرقة أدخلوها بين النصارى، وهي البروتستانت. هذه الفرقة فرقة البروتستانت، هذه فرقة أصلها يهودية لكن دخلوا مندسين بالنصارى، وفرقوا بين النصارى. ثم أن بعض فرقة النصارى وهي الكاثوليك اعترفوا بالبروتستانت، ثم أنهم ترأسوا النصارى. فلهذا تجد أن دول النصارى الآن كأمريكا، وكذلك غيرها من هذه الفرقة التي تحكمها البروتستانت، تجد أن اليهود هم أعلى ناس، وأيضًا لهم السيادة الأكثر، خاصة مثلًا في أمريكا. أما بريطانيا فهي لازالت النصارى تحكمها، وأمريكا كذلك فرنسا، وكذلك بعض الدول، فتجد أنها تحكمت فيها اليهود. المهم أن الروم أخبر الله عز وجل عنهم أنهم سينتصرون، وقد مضى ذلك. وقال: والبطشة، قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾. فسرها ابن مسعود رضي الله عنه بيوم بدر، البطشة يوم بدر، عن أن انتقم الله عز وجل من الكفار. وقال: واللزام، واللزام هذا كما قلنا الهلاك. ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لَزَامًا﴾. فعبد الله بن مسعود رضي الله عنه رأى أن هذه الخمس كلها قد مضين معنا، قد وقعت. وبعض العلماء من السلف كابن عباس وغيره يرى أن بعض هذه لم تأتِ، مثل البطشة، ومثل الدخان، ومثل أيضًا كذلك اللزام: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لَزَامًا﴾. فبعض العلماء يرى أن اللزام يتكرر مع المكذبين، أي أنه أوجب هلاكهم، وأوجب معنى جزائهم على كفرهم وتكذيبهم، أن يلزم جزاء، يلزم كل عامل بما عمل. طيب، هذا ما يؤخذ من هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود، والله تعالى أعلم.