كتاب التفسير من صحيح البخاري 94

كتاب التفسير من صحيح البخاري 94

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 94، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية التوبة وحكم قتل المؤمن عمداً

يشرح المقطع حديث البخاري في آية {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا} مبيناً أن التوبة الصادقة تبدل السيئات حسنات. ثم ينتقل لبيان حكم قتل المؤمن عمداً في سورة النساء مؤكداً أنها آية محكمة غير منسوخة، وأن حق الله يسقط بالتوبة بينما حق المقتول يبقى للقصاص أو الدية أو العفو.

حقوق الأولياء والمقتول وعدم سقوطها بالتوبة

يؤكد المقطع أن توبة القاتل لا تسقط حقوق الأولياء في القصاص أو الدية أو العفو، ولا يسقطها هروب الجاني، كما يبقى حق المقتول يوم القيامة حيث يُقتص للمظلوم وقد تفنى حسنات القاتل في رد الحقوق كما في حديث المفلس. ويستشهد بقصة المغيرة بن شعبة حيث قبل النبي صلى الله عليه وسلم إسلامه لكن لم يسقط حقوق من قتلهم في الجاهلية، ويذكر حبس أهل الجنة في القنطرة لتصفية الحقوق الباطنة.

تبديل سيئات المشرك حسنات عند الإسلام وختام الدرس

يتناول المقطع تفسير آية {فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} موضحاً أن الله يحول سيئات المشرك الذي أسلم وتاب إلى حسنات، مستشهداً بقول ابن عباس رضي الله عنهما. ويشير الشيخ إلى أن هذه المسألة سبق ذكرها في مواضع سابقة، ليختتم بذلك هذا الدرس العلمي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورا رحيما». قال رحمه الله: حدثنا عبدان، وهو عبد الله بن عسبان بن جبلة المروزي، أبوه أيضا محدث، ويقال إنه سمي عبدان لأنه كان اسمه عبد الله ويكنى بأبي عبد الرحمن، فقيل له: عبدان. قال: أخبرنا أبي، وأبوه كان من أصحاب شعبة، عثمان بن جبلة المروزي، قال: عن شعبة بن الحجاج، أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث، قال: عن منصور بن المعتمر، عن سعيد بن جبير، قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزة أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين. وعبد الرحمن بن أبزة ذكر في الحديث الذي قبل أنه سئل ابن عباس، والذي سأله هنا تبين أنه سعيد بن جبير، وهو من أخص تلاميذ ابن عباس. قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزة أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا}، فسألته، فقال: «لم ينسخها شيء». وعنوا الذين لا يدعون مع الله إلها آخر، قال: نزلت في أهل الشرك، معنى: إذا تابوا تاب الله عز وجل عليهم. وأما قوله: {مَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا} في سورة النساء، قال: «لم ينسخها شيء»، أي أنها محكمة. وقد ذكرنا قبل أنها أراد ابن عباس أن يبين أن القاتل ليس له توبة وأنه يعذب يوم القيامة، لكن التوجيه مثل ما وجهنا. وابن عباس رضي الله عنه له أيضا قول آخر أنها نسخت، ويجمع بين هذه الأقوال أنه كما قلنا: أراد النسل - هو القصاص - فإنه إذا اقتص منه فهو كفارة له، أو أخذوا الدية، أو عفوا عنه. والحق الثاني الذي عليه هو حق الله، أنه انتهك حرمات الله عز وجل بالقتل، وهذا يكون بالتوبة، أن حق الله عز وجل أن يتوب إلى الله، فإذا تاب إلى الله غفر الله عز وجل له ذنوبه. لكن كما قلنا: لو تاب العبد إلى الله، لكنه لم يقم عليه القصاص، ولم تأخذ منه الدية، أو كذلك لم يعفُ عنه أهل الميت، فقام وهرب، هرب حتى لا يُقتل، فهذا يبقى عليه حق الأولياء مهما تاب، ولو صار عالما عاملا ناسكا من الناس، فإنه متى ما ظفر به أهل الميت فله أن يقتص منه، فلذلك فهو لا ينفعه الهرب، لا بد إما القصاص، وإما الدية، وإما كذلك يعفون عنه، فلا بد هذا، هذا حقهم، حق الأولياء. وهذا في قتل العمد، أما قتل الخطأ ففيه الدية تدفعها العاقلة، عاقلة القاتل. طيب، والحق الثالث كما قلنا هو حق الميت أو المقتول، وهذا الذي يبقى عليه، لأنه أين سيتحلل منه إلا في الآخرة؟ فيبقى عليه حق المقتول، والنبي عليه الصلاة والسلام، بل الآيات دلت على أنه يأتي الناس يوم القيامة لأجل أن الله عز وجل يفصل بينهم في القضاء، فيقتص للمظلوم مما ظلم، فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين. لا ظلم اليوم، كما قال الله عز وجل: {لَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}. فلذلك فكل واحد يأخذ حقه، فهذا المقتول يريد حقه، فإن كان هذا قد تاب إلى الله عز وجل، لعل الله عز وجل يجعل ذلك المقتول يعفو عنه، أو يأخذ من حسناته، لأنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم، حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار، قال: «إن المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال، لكن يأتي قد شتم هذا، وأخذ مال هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، فيؤخذ من حسناته فتُرد إلى حسنات غيرهم، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئات غيرهم فطُرحت في سيئاته، ثم أُلقي في النار». فالأمر خطير، القتل. فهذا يوجه كلام ابن عباس رضي الله عنه على أنه لا توبة له، لأن التوبة تمحو الذنوب وتذهب كل ما كان فعله قبل، لكن معلوم أن حقوق الناس لا زالت عليه، فالتوبة التي تقبل ما بينه وبين الله، وأما حقوق الناس فهي عليه. ولهذا المغيرة بن شعبة في الحديبية، لما قال عمه عروة بن مسعود الثقفي، لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأراد أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يمس لحيته، فضربه المغيرة بن أخيه بذباب السيف، فقال: من هذا؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا ابن أخيك المغيرة». فقال: أما إني أغسل سوأتك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما الإسلام فنقبل منه، وأما ما كان للناس فإننا لا نقبله». معه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: أنا المغيرة صحبت ناسا في الجاهلية فقتلتهم وأخذت أموالهم، فكان عروة يقول له: إني الآن أغسل سوأتك هذا الذي فعلته. فبين النبي عليه الصلاة والسلام أننا نقبل منه الإسلام، وأما غير الإسلام من أخذ حقوق الناس وكذا، فإننا لا نقبله. فتَبين من هذا أن حقوق الناس خاصة إذا لم تكن حلالا، أما إذا أحل مال الشخص يكون كافرا حربيا فهذا ماله جائز وحلال، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فمن فعل ذلك فقد عصم مني دمه وماله، وحسابه على الله عز وجل». فلذلك كما قلنا يبقى عليه حق المقتول، فيأتي به يوم القيامة، ويوم القيامة فإن الله عز وجل إذا حاسب الناس، وذهب أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، أيضا حُبس أهل الجنة في قنطرة، كما روى أبو سعيد الخدري: حُبسوا في قنطرة بين الجنة والنار، حتى إذا هذبوا وأُخرج ما في قلوبهم من الحسد والحق، وأيضا كذلك الغوائل التي تكون في القلب، من الحساب، حقوق الناس، الحقوق الظاهرة، وأما في القنطرة فهذه الحقوق الداخلية التي هي تصفية القلوب، قال: حتى إذا هذبوا أدخلوا بعد ذلك الجنة. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب. وهنا مسألة: قول الله عز وجل: {فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}، أن يجعل السيئات التي كانت في الشرك يجعلها حسنات لهم، وهذا كما قال ابن عباس في المشرك الذي كان مشركا ثم أسلم. وهذه المسألة قد ذكرناها قبل، فإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. طيب، هذا درس ترجمة نانسي قنقر