الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 96، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي أبو هريرة أن إبراهيم عليه السلام يلاقي أباه الكافر يوم القيامة فيسأله ربه ألا يخزيه، فيجيبه الله بأن الجنة حرمت على الكافرين. يُرى أبوه متحولاً إلى ضبع ملطخ بالدماء فيُلقى في النار، وهذا يوضح معنى الآية الكريمة.
تصف الرواية حال أبي إبراهيم يوم القيامة حيث يُمسخ ضبعاً متشحطاً بالدم، فيتبرأ منه إبراهيم عليه السلام تنفيذاً لوعده وبعد تبين عداوة أبيه لله. يعلل العلماء ذلك بحكمة إلهية لرفع الغضاضة عن إبراهيم خليل الله، ولإظهار ذل الكافر الذي أصر على الكفر.
ذكر بعض العلماء أن الله مسخ أبا إبراهيم ضبعاً لعوجه وحماقته، وروى البخاري الحديث بإسنادين معتبراً إياه صحيحاً. تبرأ إبراهيم من أبيه عند موته مشركاً أو يوم القيامة عند مجيئه بصورة ضبع، واختلف السلف في توقيت التبرؤ.
ذكر المتحدث قول الحافظ بأن الشخص قد يُتبرأ منه في الدنيا بعد موته، ويُتبرأ منه يوم القيامة حين يمسخه الله ضبعاً. ثم ختم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر من شرح الحديث والآثار المتعلقة به.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: باب: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾. وقال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن إبراهيم عليه السلام يرى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقتارة». قال: والغبرة هي القتارة. قال: حدثنا إسماعيل وهو الأويسي، قال: إسماعيل بن عبد الله بن أويس الأويسي. حدثنا أخي وهو عبد الحميد عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فيقول الله عز وجل: إني حرمت الجنة على الكافرين». موسيقى أنا أخذوا أخذوا. لديك شيء عاد زائد. بعد أن حرمت الجنة. أني حرمت الجنة على الكافرين. لا، في بعض [الروايات]: فيقول الله الله، المسخ. ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ انظر. فينظر فإذا هو ضبع متلطخ، فيأخذ بقوائمه فيلقى في النار. فهذا الحديث في قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، في قول نبي الله إبراهيم عليه السلام يوم القيامة، أو قال لربه جل وعلا: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. فيأتي يوم القيامة إبراهيم عليه السلام فيلقى أباه وهو كافر ومات على الشرك، فيقول إبراهيم لربه جل وعلا: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي من أبي؟ الأبعد أنا؟ كيف يكون أبي من البعداء من أهل النار؟ فيقول الله عز وجل له: إني حرمت الجنة على الكافرين. وجاء في الرواية الأخرى أنه يقال لإبراهيم: انظر تحتك، فيرى ضبعا متشحطا بالدم، ويرى جثة خبيثة، فيتبرأ منه في ذلك اليوم كما تبرأ منه في الدنيا. وقد قال الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قال بعض العلماء: أي أنه يوم القيامة تبرأ منه لما يراه أنه خبيث متخبث، ويراه أيضا على هذه الصورة التي جعلها الله عز وجل لأبي إبراهيم، أنه من أهل النار، فاجعله ضبعا متشحطا في ذنبه، فيأخذ بقوائمه ويلقى في النار. وجاء في رواية أنه في رواية في هذا الحديث قال: فإذا رآه كذا تبرأ منه، قال: «لست أبي، لست أبي». وجاء في رواية أنه يتمر في نتنه. وذكر بعض العلماء أن الحكمة في مسخه ضبعا حتى يكون في نفس إبراهيم حتى لا يكون في نفس إبراهيم منه، ولأن لا يبقى في النار على صورته فيكون فيه غضاضة على إبراهيم. وهذا من رحمة الله عز وجل، وكذلك أيضا ما يكون لأوليائه، لأن إبراهيم خليل الله، فهذا جعله الله عز وجل لأجل خليل إبراهيم فمسخه ضبعا. ولأن الضبع من أحمق الحيوانات، لهذا تبرأ منه إبراهيم بعد أن دعاه وبين له وألان له القول كما ذكر الله عز وجل في سورة مريم، لكنه لم يؤمن ولم ينقد، بل قال: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا إِبْرَاهِيمُ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. فإبراهيم عليه السلام بالغ في الخضوع لأبيه وخفض الجناح، لكنه أبى واستكبر وأصر على الكفر، فعومل بصفة الذل يوم القيامة حتى جعله الله عز وجل ذليلا، وجعله مثل الضبع. وقال بعض العلماء أيضا: من الحكمة، أو من الحكم التي تؤخذ منها، أن الله عز وجل جعله كالضبع لأن الضبع أعوج، وأبو نبي الله إبراهيم لم يستقم على دين بل كان أعوج، عنده حماقة، ولهذا مُسخ إلى هذا الحيوان الذي هو من أول العوج، يمشي في مشيه يعرج، وكذلك أيضا في حماقة معنا لا يكترث للكريم، ولا أيضا كذلك يلين، لهذا شبه به. فهذا ما ذكره بعض العلماء في هذا الحديث. لكن هنا ذكره البخاري على إسنادين: إسناد الأول طريق إبراهيم بن طهمان، وعلقها طريقة ثانية من طريق إسماعيل بن عبد الله الأويسي، وإن كان في ضعف إلا أن البخاري انتقى من حديثه، ولهذا فالظاهر أن الصحيح أن الحديث صحيح، قد جاء من طرق عن ابن أبي ذئب. وقول الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾، فتبرأ إبراهيم من أبيه كان ذلك، قال بعض العلماء: في الحياة الدنيا لما مات مشركا، ولما لقاه يوم القيامة تبرأ منه لما صار مثل الضبع. وجاء عن ابن عباس، ذكره ابن جرير وغيره، أن نبي الله إبراهيم لما مات أبوه فإنه لم يستغفر له، فإنه لم يستغفر له وتبرأ منه، وإنما قال ما قال لما كان حيا، استغفر له لما كان حيا، وأما لما مات فإنه أمسك عن استغفاره لأبيه. هكذا قال ابن عباس رضي الله عنه. وقال بعض السلف: إنه تبرأ منه بعد موته، بعد ما مات تبرأ منه لأنه مات مشركا. وقال بعضهم: إنه تبرأ أو كان يوم القيامة لما يأتي به يوم القيامة رب العالمين سبحانه وتعالى على شكل ضبع ثم يتبرأ منه في ذلك اليوم. وقد يكون أيضا كما قال الحافظ هنا: قال قد يكون أنه تبرأ منه في الدنيا بعد موته، وتبرأ منه يوم القيامة لما مسخه الله عز وجل ضبعا. إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرا.