الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 110، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع أقوال المفسرين في خلق الإنسان من نطفة مهينة ورد الله على المنكرين للبعث بعد التحلل في الأرض. كما يوضح معنى الأرض الجرز بأنها اليابسة القاحلة القليلة المطر مستشهداً بأقوال السلف في صفاتها.
يشرح المقطع معنى الأرض الجرز بأنها اليابسة الغليظة التي لم يصبها مطر، ويبين أن الهداية هنا بمعنى البيان والعبرة بهلاك الأمم السابقة. ثم ينتقل إلى ذكر باب حديث قرة الأعين ويسرد سلسلة رواته بدءاً من علي بن المديني وسفيان بن عيينة.
يتناول المقطع حديثاً نبوياً يروي أن الله أعد للصالحين في الجنة نعماً تفوق إدراك العيون والأسماع وتخيل القلوب مع بيان أسانيد الرواية. ويفسر قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ بأن المراد النعيم الذي لا يخطر على بال بشر.
يختتم المتحدث شرحه للحديث مؤكداً أن ما ذُكر هو ما يتذكره من الرواية والتفسير. ويختم بالتفويض بأن العلم الكامل عند الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "سورة السجدة: أي تفسير أو ما ذكر من الحديث في سورة السجدة". قال: وقال مجاهد: "مهين: ضعيف"، أي نطفة الرجل من ماء مهين، أي ماء ضعيف وهزيل. وهذا الماء نطفة، قدرة خلقها الله عز وجل، أو خلق الله عز وجل منها هذا الإنسان، خلقه من نطفة فإذا هو خصيم مبين، يخاصم ربه ويجادل ربه جل وعز. وقيل: أن المراد: خلقه من نطفة فإذا هو خصيم مبين، أي فإذا هو رجل، أي فإذا هو رجل يخاصم ويجادل ويفعل ويتكبر، وإنما هو من هذه النطفة. قال: وقوله: "من" أو قال هنا: "مهين: نطفة الرجل". "ضللنا: أي هلكنا". "ضللنا: أي هلكنا". هذا جاء مجاهد. وقالوا: "أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد". "أئذا ضللنا في الأرض": أي هلكنا في هذه الأرض، "أئنا لفي خلق جديد". قال الله عز وجل: ﴿بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يَكْفُرُونَ﴾ [السجدة: 10]، فالله عز وجل ذكر عن هؤلاء أنهم قالوا: أننا إذا هلكنا في هذه الأرض سيخلق خلق جديد. وقال ابن عباس: "الجرز: التي لا مطر، أو لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيء". قال ابن عباس: "الأرض الجرز: التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيء". معنى "تمطر": لكنها تمطر شيئا يسيرا، هي الأرض اليابسة القاسية التي ليست فيها خصوبة، والمطر فيها قليل، فهذا غالبا يكون في الصحاري والسواحل وغيرها. ولهذا ما جاء عن مجاهد أنه قال: "هذه الأرض هي أبين". لكن قال أبو عبيد، أبو عبيد رحمه الله: "أبين: أرض معروفة في اليمن وهي يزرع فيها". ولعله كان قبل كذلك، معنى يقول أبو عبيد: لعل في ذلك الوقت كانت أبين لا تزرع، أو أراد بعضها؛ لأن الجهة الجنوبية من أبين أرض قاحلة لا نبت فيها ولا زرع، أنا تجدها لا يزرع فيها شيء، أنا أرض مساحات كبيرة وليست فيها زراعة. وليس المقصود من كلام مجاهد أنه أرض معينة، وإنما لعله أراد أن يمثل، أراد أن يمثل في الآية فذكر الأرض الجرز. قال: "أبين: هي أرض باليمن". وقال أبو عبيد، أبو عبيد: "الأرض الجرز: اليابسة الغليظة التي لم يصبها مطر". فالمراد من أبو عبيد: الأرض الجرز هي هي العرض اليابسة. "ألم يروا أن الله" أو "الأرض الجرز"، فقال: "الأرض اليابسة الغليظة التي لم يصبها مطر". ثم قال: "ولم يهدي لهم كم أهلكنا وهذه قبل". لكن كما ذكرنا أن الإمام البخاري لا يرتب في الكلمات، لا يرتب في كلمات الآيات، وإنما يأتي بهذه أولا، وقد يأتي بآية في آخر السورة يأتي بها في أولها. فهنا قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾ [السجدة: 27]، أي أرض ميتة ليس فيها زراعة، تأتي المطر وتحييها. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [فصلت: 39]. وقول هنا: "يهدي: أن يبين". ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ [السجدة: 26]، أي أراد الله عز وجل، أي ألم يروا أو لم يبين لهم الله عز وجل كيف أهلك سبحانه وتعالى الأمم السابقة التي عصت وخالفت وعارضت الأنبياء، أن يرون أن في ذلك عبرة، ألم يروا هذه العبرة حتى لما سمعوا ذلك الكلام يتعظ ويعتبر. قال: "باب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17]". قال: حدثنا علي بن عبد الله، علي بن عبد الله بن المديني، أبو الحسن، إمام من أئمة المسلمين، إمام في العلل، وإمام في الحديث، كان يلقب بحية الوادي، كان يلقب بحية الوادي، ومعنى حية الوادي: هي الحية التي تعرف ثقوب الوادي، أن كل ثقوب في الوادي تعرفه الحية، وهكذا علي بن عبد الله بالنسبة للحديث فهو كان يعرف العلل، وهو إمام في العلل، وكان سفيان بن عيينة شيخه يقول: كنت أستفيد من علي أكثر مما يستفيد مني. وقال: يلومونني على علي، وأنا أستفيد منه أكثر مما أستفيد، أم ما يستفيد مني. وكان أيضا يحيى بن سعيد يحبه لذكائه وحفظه. قال: حدثنا سفيان، سفيان هو ابن عيينة. سفيان بن عيينة: أن علي بن عبد الله لم يسمع من الثوري. قال: حدثنا سفيان عن أبي الزناد، أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان، أبو عبد الرحمن، عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه. وهذا إسناد، معنى من أبي الزناد: إسناد مدني، وسفيان يعتبر في المكيين، وعلي بن عبد الله يعتبر من أهل العراق، عن بغدادي. قال: رضي الله عنه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: قال الله تبارك وتعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. قال: حدثنا علي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، قال: قال الله، مثله. معنى: جاء في رواية أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "قال الله"، وفي رواية أن أبا هريرة قال، وكله صحيح. قال: قيل لسفيان: رواية؟ قال: فأي شيء، هل هو رواية عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: فأي شيء؟ معنى: يقول: نعم، أي عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فأي شيء؟ قال: أبو معاوية، يعني الأعمش، عن أبي صالح، قال: أبو هريرة: "قرات أعين، قرات أعين، أنا قرأها هكذا"، وإنما هي معنى: "الفقرات الجمهور: قرة أعين". المراد: قرة أعين، أي راحة. ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، أي من النعيم والراحة. وهذا الحديث أيضا يفسر هذه الآية: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت"، أي من الراحة والنعيم، "ولا أذن سمعت"، أي من الراحة والنعيم، "ولا خطر على قلب بشر"، أي من الراحة والنعيم. أنا هذا في الجنة، أعدى الله عز وجل، كما قال ابن عباس: ما في الدنيا من الجنة إلا الأسماء، وأما الحقائق فهي أخرى، حقائق الجنة أخرى: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قد يكون الإنسان لم يرى هذا النعيم ولم يسمع به، لكن الأمر الأعظم: قال: "ولا خطر على قلب بشر"، أنا حتى أنه لم يخطر على بال، لم يخطر هذا النعيم على بال. فقد يكون الإنسان في هذه الدنيا يفكر في نعيم، يفكر أن يكون له قصور، يفكر أن يكون له شيء من أمور الدنيا وراحتها، لكن ما في الجنة لا يخطر على قلب هذا الشخص، لا يخطر على قلب هذا الشخص، وهذا نعيم عظيم لا يوصف. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر بهذا الحديث، فالله تعالى أعلم أجل.