كتاب التفسير من صحيح البخاري 116

كتاب التفسير من صحيح البخاري 116

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 116، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تخيير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم واختيارهن الله والدار الآخرة

يروي المقطع حديث عائشة رضي الله عنها عن تخيير النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه بين الدنيا والآخرة، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة دون تردد. ويبين المقطع أن المراد بالحكمة في القرآن هو السنة النبوية مع التنبيه على مصطلح الحديث المعلق في صحيح البخاري.

خلاف العلماء في طبيعة التخيير وجمع الحافظ ابن حجر بين القولين

يناقش المقطع خلاف العلماء في كون التخيير بين الطلاق والإقامة أو بين الدنيا والآخرة، مع ذكر سبب التخيير وهو قلة النفقة. ويرجح الحافظ ابن حجر قولاً يجمع بين القولين بأن اختيار الدنيا يستلزم الطلاق واختيار الآخرة يستلزم الإقامة والصبر.

سياق التخيير مع شظف العيش وقصة العسل وسورة التحريم

خير النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه بين الصبر على شظف العيش مع الأجر العظيم أو مفارقتهن، فاخترن جميعاً الله ورسوله والدار الآخرة. وترتبط هذه القصة بقصة تحريم العسل ونزول سورة التحريم وهجر النبي لأزواجه شهراً كاملاً.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب: وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً». وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: 34]، قال: القرآن والسنة. أي: قال قتادة عند قوله ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾: قال: القرآن والسنة. أي: الحكمة هنا السنة. وهذا قول جمهور أهل العلم: على أن الحكمة المراد بها السنة. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: 164]، فالحكمة هي السنة التي أنزلها الله عز وجل على نبيه عليه الصلاة والسلام. وقال: «وقال الليث حدثني يونس...» قال الليث: هذا كما هو معلوم يسميه أهل الحديث المعلق. الحديث المعلق: إذا قال البخاري ومسلم أو أحد أصحاب الكتب الستة: قال فلان، وهو ليس من مشايخه، فهو معلق. واختلفوا: إذا كان من مشايخه، هل يكون من المعلق أو لا؟ فأكثر أهل العلم على أنه إذا لم يصرح بالتحديث جعلوه من المعلق، وبعضهم جعله من الموصول، وهو صحيح أنه يعتبر من الموصول، لكن قد يكون مثلاً البخاري -كما قال سعد الزنجاني وغيره- قد يكون أخذه مذاكرة، ولم يأخذه تحديثاً ولا قراءة. وقال: «وقال الليث حدثني يونس». يونس هو ابن يزيد الأيلي المصري، عن ابن شهاب، هو الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن عائشة زوج النبي عليه الصلاة والسلام قالت: «لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتخيير أزواجه، بدأ بي، فقال: إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك». قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمران بفراقه. قال: «ثم قال: إن الله جل ثناؤه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28] إلى آخر الآية». قالت: فقلت: «ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة». قال: «ثم فعل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت». قال: «تابعه موسى بن عقبة عن معمر، ويتابع الزهري تابعه معمر من طريق موسى بن عقبة، قال: أخبرني أبو سلمة». وقال عبد الرزاق وأبو سفيان المعمري عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة. معنى ذكر الواسطة: عروة. والصحيح أن الواسطة هو أبو سلمة، بين الزهري وعائشة، وقد يكون أخذه من كليهما لأن الزهري واسع الرواية. فهذا الحديث كما ذكرنا قبل: أن هذه مسألة التخيير للزوجات، هل يكون طلاقاً أم أن الطلاق بعد إذا اختارت المرأة؟ فصحيح كما قلنا، وقول جمهور أنه إذا اختارت المرأة الطلاق تكون طالقاً. إذا خيرها زوجها: هل معناه: هل إن كنت تريدين الطلاق فهذا شأنك، وإن كنت تريدين أن تصبري معي على قلة العيش أو على كذا وكذا فاصبري؟ فإن اختارت أنها تطلق، فيعتبر طلاقاً، وجعل الخيار لها. وهنا أيضاً مسألة أخرى في هذا الباب، اختلف أيضاً العلماء فيها: هل كان التخيير بين الدنيا والآخرة، أو بين الطلاق والإقامة عنده؟ هل هذا التخيير بين الدنيا والآخرة، أو بين الطلاق والإقامة عنده صلى الله عليه وسلم؟ لأنه قد جاءت في بعض الروايات أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعمر، أو قال لأبي بكر: «انظروا إليهن يسألنني النفقة». فكان السبب الذي جعل النبي عليه الصلاة والسلام، أو أمر الله عز وجل نبيه بأن يخيرهن، هي النفقة؛ ما كانت عنده نفقة ينفق على أزواجه، فلذلك أمره الله عز وجل بتخييرهن. وفي الصحيح: هو قول الشافعي أن التخير هو تخير بين الطلاق والإقامة. والحافظ رحمه الله اختار قولاً يجمع بين القولين، وهو أن يقال: إن أحد الأمرين ملزوم للآخر، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم خيرهن بين الدنيا فيطلقهن، وبين الآخرة فيمسكهن. يعني: إن كنتن أردتن الأجر والثواب من الله، وأن تكونوا زوجات النبي عليه الصلاة والسلام في الآخرة، فاصبرن على ذلك. وأما إن كنتن لا تستطيعن الصبر على هذا العيش، فلكن ذلك. ولكن ليس معنى ذلك أنه لا تريدون الآخرة، وإنما لا تريدون الأجر الذي تجدونه في الآخرة؛ لأن من صبرت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا شك أن المرأة إذا كانت عند النبي عليه الصلاة والسلام تتمنى أن يكون عندها طعام، وعندها كذا، وعندها كذا، لكن تلقى العكس، لا تجد الطعام. حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام لما ضاف ضيف، ذهب إلى أزواجه التسع زوجات، فلم يجد عندهن شيء يضيف به ضيف، فضيفه عند بعض الأنصار رضي الله عنهم. فلذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعفف على هذا الأمر، فخيرهن بين ذلك: أي خيرهن أن يصبرن على ما هن عليه من العيش، مع ما وجدنه من الأجر العظيم عند الله جل وعلا، وكذلك أيضاً يكون أزواج النبي عليه الصلاة والسلام في الدنيا والآخرة، أو لا يصبرن فيطلقهن النبي عليه الصلاة والسلام، وتكون المرأة بعملها: إن كانت من أهل الخير فهي من أهل الخير، وإن كانت غير ذلك فهي على عملها. فهذا كما يقول الحافظ: جمع بين القولين. وهنا النبي عليه الصلاة والسلام أول ما جاء جاء إلى عائشة فخيرها، وهو يعلم أن عائشة لا تختار غيره. وقال لها عليه الصلاة والسلام -وهذا لشدة حيائه- وكذلك أيضاً كيف يكون الشخص عندما يخاطب غيره في أمر هو له فيه حق، فيجعل له مقدمة حتى يتسع له المقال. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة: «إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك». هذا الأمر سأذكره لك، وهو يعلم النبي عليه الصلاة والسلام أن أبوي عائشة رضي الله عنها ما سيختاران إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن من باب تنفيذ الأمر: أي أن النبي عليه الصلاة والسلام يطبق ما قاله الله عز وجل له. فقال: «إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك ألا تعجلي، لا تستعجلي بالإجابة حتى تستأمري أبويك». قالت عائشة: «وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمران بفراقه». فقالت عائشة رضي الله عنها: «ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة». وكنا أزواج النبي عليه الصلاة والسلام كلهن قلن مثل ما قالت عائشة. وإنما كما قلنا: هذا الأمر لأجل النفقة، كما جاء في بعض الروايات. ولعل النبي عليه الصلاة والسلام وجد منهن شيئاً من الحرج، فأراد أن يرفع هذا الحرج عنهن، وحتى يكون هذا تطهيراً لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام، أي لصفاء قلوبهن من أن يضغنا شيئاً يكون حرجاً عليهن. وقصة العسل أيضاً معروفة: تنزل الله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]، ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: 5]، والقصة نفسها هي متواصلة مع هذه القصة. ولما هجر النبي عليه الصلاة والسلام أزواجه شهراً كاملاً، شهراً كاملاً، وهذه القصة في الصحيح، أو في الصحيحين، عن عمر رضي الله عنه. فهذا خلاص ما يذكر، والله تعالى أعلم.