الدرس في القواعد والأصول الجامعة 74، الدرس الرابع والسبعون : من : ( القاعدة التاسعة والثلاثون ... فلو فعلت هذه قبل دخول وقتها لم تصح ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
القاعدة الشرعية تنص على عدم جواز تقديم العبادة على سبب وجوبها، مع جواز تقديمها بعد السبب وقبل الشرط. يُشرح ذلك من خلال أمثلة مثل الصلاة ودخول وقتها وبلوغ الإنسان.
يتم توضيح الفرق بين شرط وجوب العبادة وشرط صحة العبادة، حيث يأتي شرط الوجوب قبل العبادة مثل البلوغ، وشرط الصحة مع العبادة مثل الطهارة. كما تُحدد أوقات العبادات.
أداء العبادة قبل السبب باطل، بينما أداؤها بعد السبب وقبل الشرط محل خلاف، والراجح صحتها مع عدم إجزائها عن الواجب إلا بعد البلوغ. يُستدل على ذلك بأحاديث نبوية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله تعالى: قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة التاسعة والثلاثون: «لا يجوز تقديم العبادة على سبب الوجوب، ويجوز تقديمها بعد وجود السبب وقبل شرط الوجوب وتحققه». هذه القاعدة ذكرها رحمه الله تعالى في هذا الموضع مناسبة لذكره إلى الشرط والذات، حين قال في القاعدة التي قبلها: «أن النهي أو التحريم إذا تعلق بذات العبادة أو شرطها فسدت»، فناسب أن يذكر شيئًا آخر من القواعد المتعلقة بالشروط والأسباب. وبعضهم يذكر هذه القاعدة قاعدة فرعية أو ضابطًا. ومعنى هذه القاعدة: «لا يجوز تقديم العبادة على سبب الوجوب، ويجوز تقديمها بعد وجود السبب وقبل شرط الوجوب وتحققه»، هو إشارة إلى مسألة خلافية بين أهل العلم. وقبل الانتقال إلى هذه المسألة التي بها يتضح السبب الذي لأجله أوردت هذه القاعدة، ينبغي أن نعرف ما هو سبب الوجوب أولًا وما هو شرط الوجوب. وبالمثال يتضح الإشكال كما يقال. فسبب الوجوب هو السبب الذي به يكون الشيء واجبًا، فمثلًا دخول وقت الصلاة سبب لوجوبها، كما أن بلوغ الإنسان شرط في وجوب هذه الصلاة عليه. بلوغ الإنسان شرط في وجوب هذه الصلاة عليه، ولا ينافيه أمر الصبي بالصلاة وضربه لعشر، فإن هذا الأمر للولي، ليس لنفس الصبي. أما الصبي فإنما يجب في حقه من حين بلوغ، جريان القلم وبلوغه، وذلك يكون ببلوغه. فإذا علمنا ذلك، فلنعلم بعد هذا أنه هناك ثلاثة أحوال بالنسبة للشرط والسبب. الحالة الأولى: أن تكون العبادة بعد الشرط والسبب، يعني بعد البلوغ، مثلًا الصلاة بعد البلوغ وبعد دخول الوقت، فهذه الصلاة جائزة باتفاق أهل العلم. الصلاة جائزة باتفاق أهل العلم. والمثال الثاني: قبل الشرط والسبب، أو الحالة الثانية: قبل الشرط والسبب. قلنا: المراد بالشرط في هذا المثال البلوغ، ومثال السبب دخول الوقت. فقبل الشرط يعني قبل البلوغ، وقبل السبب يعني قبل دخول الوقت. هذا كذلك باتفاق، لا يجوز. هل يجوز أن يصلي الإنسان قبل دخول الوقت؟ الجواب: لا يجوز. فإذا أتينا مع هذا كذلك عدم بلوغه، فهو كذلك لا يجوز. فلا نلتفت لكونه بلغ أو غير بلغ؛ لأن الصلاة لا تجوز سواء بلغ أو غير سواء كان بالغًا أو لم يكن بالغًا. أما الثالث، وهو المراد أو الذي لأجله أوردت هذه القاعدة: أن يكون أداء هذه العبادة قبل الشرط وبعد السبب. وهذا هو الذي فيه خلاف. بعد السبب يعني بعد دخول الوقت، بالنسبة للمثال الذي معنا. وبعد دخول الوقت وقبل الشرط، يعني قبل حصول البلوغ بالنسبة للمثال الذي معنا. وستأتي معنا أمثلة أخرى. فما حكم هذه الصلاة؟ هل هي جائزة أم ليست جائزة؟ في خلاف بين أهل العلم. والصحيح أنها جائزة وصحيحة إذا أديت على الوجه الشرعي. ومعنى أن صلاة غير البالغ صلاة صحيحة وجائزة ومقبولة ومجزئة. وبه نعرف كذلك هل تجوز إمامته؟ الجواب: نعم تجوز إمامته. والدليل ما جاء في الصحيح في قصة عمر بن سلمة رضي الله تعالى عنه، فإنه صلى بهم وهو صغير، ابن ست أو ابن سبع سنين، وهذا قبل البلوغ لا شك، ومع ذلك جعل إمامًا لقومه؛ لأنه كان أحفظهم رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. فإذن هذا هو قوله: «لا يجوز تقديم العبادة على سبب الوجوب». ففي المثال المذكور: ما هو السبب الوجوب؟ دخول الوقت. فلا يجوز تقديم العبادة قبل دخول الوقت. ما تصح العبادة لو صليت الظهر قبل الزوال؟ هل تصح صلاة الظهر؟ ما تصح. صليت المغرب قبل أن تغرب الشمس؟ هل تصح الصلاة؟ ما تصح الصلاة. قال: «ويجوز تقديمها بعد وجود السبب»، يعني يجوز تأدية هذه الصلاة بعد وجود السبب. ما هو وجود السبب؟ دخول الوقت. وقبل شرط الوجوب وتحققه. هذه المسألة الخلافية. وقبل شرط الوجوب وتحققه بالنسبة للشرط ها هنا شرط الوجوب، قلنا: البلوغ مثلًا. فتجوز الصلاة قبل وجود شرط الوجوب، يعني بالنسبة للصبي المميز. شرط الصبي المميز هو الذي تصح منه الصلاة إذا كان مميزًا ويحسن الاتيان بالشروط والواجبات لهذه الصلاة. طيب إذا فهمنا هذا، فننبه بتنبيه: لا يختلط علينا شرط الوجوب وشرط العبادة. شرط وجوب العبادة هو ما يكون قبل العبادة، وشرط العبادة نفسها هو الذي يكون مع العبادة. فمثال شرط العبادة الطهارة، الطهارة شرط للصلاة، لكن شرط الوجوب البلوغ. إذا لا يلتبس هذا شرط وهذا شرط، لكن ليس هذا الشرط مثل هذا الشرط. قال رحمه الله تعالى: وذلك أن الله جعل للعبادات أوقاتًا، تبيّن بوجودها. فالصلاة مثلًا جعل لها أوقات، وقت لأولها ووقت لآخرها. فصلاة الفجر من حين ظهور الفجر الصادق إلى طلوع الشمس، صلاة الظهر من حين زوال الشمس إلى ظهور وقت العصر، صلاة العصر من وقته الذي هو أن يصير ظل الشيء مثليه مع زيادة في الزوال، إن كان للزوال في... إلى غروب الشمس. والمغرب من غروب الشمس إلى غياب الشفق، والعشاء من غياب الشفق إلى منتصف الليل. فهذه أوقات. قال: وتتكرر بتكررها. وتكرر بتكرارها، يعني تتكرر هذه الأحكام بتكرار هذه الأسباب. صلاة الظهر اليوم واجبة من الساعة الثانية عشر إلى الساعة الثالثة والربع، يبتدأ وينتهي. الزوال وقت الثاني عشر مثلًا، والانتهاء وقت العصر الثالثة والربع. طيب وهل في الغد يتكرر؟ نعم يتكرر؛ لأن السبب يتكرر. الزوال يتكرر غدًا وبعد غد وبعد غد وهكذا. قال: ورمضان كذلك، رمضان له ابتداء هو سبب الوجوب. فمن حين يغيب شهر شعبان ويدخل شهر رمضان ويظهر هلاله، أو يتم شهر شعبان بثلاثين يوم، فإنه يدخل شهر رمضان. فابتداؤه بأحد أمرين: إما برؤية هلال رمضان، وإما بماذا؟ بإكمال العدة ثلاثين لشعبان. وانتهاؤه كذلك إما برؤية هلال شوال، وإما بإتمام العدة ثلاثين في رمضان. قال: أوقات الحج كذلك، أوقات الحج بماذا؟ بمعرفة أيامه. فأول أوقات الحج شهر شوال، بدخول شهر شوال، إما برؤية هلاله، وإما بماذا؟ بإكمال العدة ثلاثين لشهر رمضان. قال: فلو فعلت هذه قبل دخول وقتها لم تصح. فلو صلى الظهر قبل زوال الشمس، ما صحة الصلاة؟ ولو صام رمضان أول يوم من رمضان في آخر يوم من شعبان، ما صح صيامه. ولو كذلك أدى عمرة الحج في آخر يوم من رمضان، ما صحت عمرة حجه؛ لأن هذه العبادة أديت قبل وجود ماذا؟ قبل وجود سبب الوجود. قال رحمه الله: «فلو وعلت هذه قبل دخول وقتها لم تصح»، يعني هذه العبادات على هذه الأمثلة الثلاثة التي ذكرت. قال: «ومن حلف جاز له أن يقدم الكفارة قبل الحنث، ولا يجوز تقديمها قبل الحلف». طيب انتقل الآن إلى باب المعاملات، ولم يمثل للشطر الثاني من القاعدة، وهو الذي هو محل الخلاف الآن. مثل فقط لقسم الأول. القاعدة كما قلنا لها قسمان، وهي في الحقيقة لها ثلاثة أحوال. الحالة الأولى: قلنا بعد الشرط والسبب، فهذا جائز باتفاق. الحالة الثانية: قبل الشرط والسبب، وهذا لا يجوز باتفاق. والحالة الثالثة: قبل الشرط وبعد السبب، وهذا هو محل الخلاف، وهو الذي كان يحتاج أن يذكره. فإذن قبل الانتقال إلى القسم الثاني من التمثيل، وهو باب المعاملات، يحتاج أن نكمل النوع الثاني من المسألة الأولى في قسم العبادات. فالآن علمنا أن أداء العبادة قبل وجود السبب باطلة، لا تصح ولا يجوز. طيب بعد وجود السبب، بعد وجود السبب وقبل شرط الوجوب وتحققه. إذا كان بعد وجود السبب وبعد كذلك وجود الشرط، شرط الوجوب فهذا جائز باتفاق. مثاله: مثاله من يمثل لنا مثال. هيا. أداء العبادة بعد وجود السبب وبعد وجود الشرط، شرط الوجوب موجود وسبب الوجوب موجود. مثاله: رجل يصلي وهو بالغ بعد دخول الوقت. فإذا صلى الرجل البالغ صلاة الظهر بعد زوال الشمس، فهذا بعد وجود السبب، السبب الوجوب وهو دخول الوقت، وبعد وجود شرط الوجوب وهو البلوغ. فصلاته صحيحة باتفاق، واضح. لكن إذا كان ذلك بعد وجود السبب وقبل شرط الوجوب وتحققه، وهذا هو الذي ذكره رحمه الله في القاعدة، فهذا هو محل الخلاف. والصحيح الذي دلت عليه الأدلة أن صلاته صحيحة. والدليل حديث من؟ حديث عمر رضي الله عنه أرضاه، فإن صلاته صحيحة وصحت إمامته، صحت إمامته للصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. وهكذا كذلك في رمضان، وهكذا كذلك في الحج. قالت المرأة ورفعت صبيًا لها يا رسول الله لهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجره». فدل على أن العبادة صحيحة، ليست بباطلة. صحيحة. لكن هنا ننتبه أن الواجب الذي يجب على الإنسان مثل الحج، هذا يكتب له به الجزاء، ولا يكون به الإجزاء. فهذا تنبيه ننتبه له في الشطر الثاني من القاعدة. أن الشطر الثاني من القاعدة يثبت صحة العبادة، ولكن مسألة الإجزاء إنما يكون بعد البلوغ. إجزاء الواجب يكون بعد البلوغ. فالذي حج قبل بلوغه لم يسقط عنه وجوب الحج، لم يسقط عنه وجوب الحج. وإنما ذاك نفل يكتب له. وإنما الوجوب يكون متى؟ بعد البلوغ. الوجوب يكون بعد البلوغ. كما أنه، وهذا من العدل، كما أنه لا يؤاخذ على عدم أدائه للحج قبل البلوغ البلوغ، فكذلك لا يكتب له أنه أدى الواجب الذي عليه قبل البلوغ. فإن قيل: هل من تعليل لهذا الجواب؟ نعم. التعليل لهذا: أن الإنسان قبل البلوغ لا يؤدي الواجب على الوجه الأكمل الذي يرتضيه لنفسه، الذي يرتضيه لنفسه بما يكون بعد البلوغ. فمن رحمة الله به أنه جعل إجزاء العبادة في حق الواجب عليه إنما يكون بعد البلوغ. فإذن بعد البلوغ الإنسان يكون كما يقال مكلفًا بنفسه. قال رحمه الله تعالى: «ومن حلف جاز له أن يقدم الكفارة...». طيب نترك هذا لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم.