كتاب التفسير من صحيح البخاري 114

كتاب التفسير من صحيح البخاري 114

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 114، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية الأحزاب وسند أنس بن مالك

يشرح الشيخ معنى آية الأحزاب المتعلقة بوفاء الصحابة بعهدهم مع الله، مبيناً أنها نزلت فيمن مات ومن بقي على العهد دون تبديل. يستعرض سند الحديث الوارد عن أنس بن مالك في نزول الآية في أنس بن النضر، مع ذكر أحوال الرواة واختلاف الأئمة في توثيق بعضهم.

قصة أنس بن النضر ونزول آية الصادقين

يروي المقطع قصة أنس بن النضر عم أنس بن مالك الذي فاته بدر فاستشهد في أحد مقاتلاً ببسالة حتى عرفته أخته ببنانه. يذكر نزول آية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ فيه وفي عبدالله بن عمرو بن حرام، وآية ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾، مع سند الرواية عبر الزهري.

الإمام الزهري وجمع زيد بن ثابت للمصحف

يتحدث المقطع عن عناية الإمام الزهري بحفظ الحديث ونشره في القرى وأخذه عن فقهاء المدينة السبعة. يسرد قصة زيد بن ثابت في جمع المصحف بأمر أبي بكر الصديق، وتفقده آية من سورة الأحزاب حتى وجدها عند خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل النبي شهادته شهادة رجلين.

ختم المجلس بآية خزيمة الأنصاري

يؤكد المقطع أن الآية المفقودة من سورة الأحزاب وُجدت مكتوبة عند خزيمة بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وأنها نزلت في حق الصحابة الكرام. يختم المتحدث مجلس العلم بالتفويض لله تعالى والعلم عنده.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً». قال: «نحبه» أي: عهدة. قال: «أقطارها» جوانبها. قال: «الفتنة لآتوها إلا أعطوها». هذه بعض الكلمات في سورة الأحزاب، ومنها هذه الكلمة: «فمنهم من قضى نحبه» أي: عهده الذي عاهد الله عز وجل به، وقضاه بتمامه، وقضاه كما أراد الله عز وجل. «ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً» أي: هؤلاء الذين انتظروا، وهم على منوال من تقدم. وهذه الآية نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أن منهم من مات وهو على الصدق والإخلاص، وأيضًا التفاني في دين الله جل وعلا، ومنهم من بقي لكنه أيضًا لم يبدل، بل هو على منوال أولئك وعلى طريقتهم. وهذا شهادة من رب العالمين سبحانه وتعالى لهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم. قال رحمه الله: حدثني محمد بن بشار. فهذا محمد بن بشار يُقال له: بندار، يعني لُقِّب ببندار، والبندار هو الجامع للعلم؛ لأنه جمع العلم فسُمِّي بندار، وهذه كلمة فارسية. وكان من حفاظ أهل البصرة، وأيضًا ممن يبث الحديث وينشره في الناس، وجاء إليه الناس من كل مكان، وعمر رحمه الله حتى لحق به خمسة قرون، خمسة قرون أي: خمس طبقات. فلذلك تجد أن أهل السنن أو أهل الكتب أكثرهم، سواء كان المسانيد: مسند أحمد، ومسند أبي يعلى، والبزار، وكذلك السنن الأربع، ومعنى الأمهات الست: البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وكذلك غيرهم قد رووا عن محمد بن بشار. فهو من التسعة الذين أخرج لهم أصحاب الأمهات الست، وكذلك المسانيد الثلاثة: أحمد، وأبو يعلى، والبزار، أخرجوا لهؤلاء، ومنهم محمد بن بشار، ومحمد بن مثنى. قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، وهو محمد بن عبد الله بن مثنى بن أبي بكر بن أنس بن مالك رضي الله عنه الأنصاري الخزرجي. فقال له محمد بن عبد الله الأنصاري، وهو أفضل من أبيه ناحية الحديث، وكان قاضيًا. كان يقول يحيى بن معين رحمه الله: كان أهلًا للقضاء، أي: محمد بن عبد الله الأنصاري. فقيل: والحديث؟ قال: الحديث له أهله، أنا لست من الحفاظ الذين هم أهل الحديث، لكن من أهل القضاء، من الفقهاء. قال: حدثني أبي، وهو عبد الله بن مثنى الأنصاري، الأنصاري، وقد تكلم فيه أكثر أهل العلم. وهنا ذكره الإمام البخاري في الشواهد؛ لأن هذا الحديث قد جاء على نسخ من عدة طرق، رواه عنه ثابت، ورواه عنه قتادة، فهذا يعتبر في الشواهد. وإلا فأبو عبد الله بن مثنى الأنصاري أكثر أهل العلم على ضعفه، قوّاه الدارقطني، قوّاه الدارقطني، لكن أكثر الأئمة كيحيى، وأبي زرعة، وأبي حاتم وغيرهم على ضعفه. قال: حدثني أبي عن ثمامة، ثمامة بن أبي بكر بن أنس، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. وأنس بن النضر هو عم أنس بن مالك. فأنس بن مالك بن النضر من الخزرج الأنصار، الخزرجي أنصاري، وأنس بن النضر عمه. وأنس بن النضر قد كان كما ذكر أنس بن مالك أنه من أصحاب هذه الآية، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. ولما لم يحضر بدر، ما حضر بدر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في بدر لم يكن أراد القتال، وإنما أراد أن يعترض القافلة، وحصل بعد ذلك الجهاد، فلذلك لم يحضره جماعة من الصحابة. فلذلك قال أنس، وتندب على أنه لم يشهد ذلك المشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «فإن أشهدني الله مشهدًا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليرين الله ما أفعل». أنا سيرى الله عز وجل مني السعي والجهاد والصدق. وفعلًا لما كان في أحد كان من أشد الناس اجتهادًا، وكذلك نصرة للإسلام، حتى رآه سعد بن معاذ، قال: «إلى أين يا أنس؟» قال: «يا سعد، فإني لأجد ريح الجنة دون أحد، أو أجد ريح الجنة دون أحد». فقاتل قتالًا مريرًا شديدًا حتى قُتل رضي الله عنه. قال أنس: فلم يعرفه إلا أخته الربيع بنت النضر، عرفته ببنانه، أن أحد بنانيه في علامة عرفته بها، وإلا فمن كثرة الضرب لم يُعرف رضي الله عنه. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، أي: كانوا صادقين في إيمانهم، وفي جهادهم في سبيل الله، وفي نصرة هذا الدين. ومن هؤلاء: أنس بن النضر، وعبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر، قد كان من الصادقين المتقين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقاتلوا قتالًا مريرًا رضي الله عنه، واستشهدوا في أحد أيضًا. استشهد عبد الله بن عمرو بن حرام أيضًا في أحد. فأولًا نزل فيهم هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، فمنهم من قضى نحبه، أي: من هؤلاء الصادقين، ومنهم من ينتظر، أي: من هؤلاء أيضًا الصادقين، من لم يمت ولم يستشهد، لكنه على ما هو عليه أصحابه، وعلى منوالهم، وعلى صدقهم، ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. وجاء أيضًا عن أنس رضي الله عنهم، وعن زيد بن ثابت كما سيأتي، أنها أيضًا نزلت فيهم، قول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وسماهم الله عز وجل أيضًا من المؤمنين، أي: هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم. قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب. أبو اليمان هو الحكم بن نافع الحمصي. قال: أخبرنا شعيب، وهو أيضًا شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وحمص من الشام، أنا في سوريا الآن وهي حمص، معناها شامية. قال: قال عن الزهري، والزهري معروف: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، مدني، يعتبر مدنيًا شاميًا، هو من أهل المدينة، وأبوه من أهل المدينة، وأخذ العلم في المدينة، ثم سافر بعد ذلك إلى الشام، وجلس فيها فترة، ثم رجع إلى مكة، وحج في سنة... في سنة مائة وثلاث وعشرين للهجرة، فحج بيت الله عز وجل، ثم رجع إلى المدينة ومات فيها، مات في المدينة رحمه الله. وكان آية في الحفظ، كان يحفظ الأحاديث الطوال دون أن يرجع فيها شيخه، حتى أنه مرة أعطى لمالك حديثًا طويلًا، حدث مالك بحديث طويل، فقال مالك رحمه الله، وهو ذاك المتقن الحافظ: «أعد علي». فقال: «يا مالك، تقول أعد علي؟ أنت مالك بن أنس الذي حفظك هذا، تقول أعد علي؟» قال: «والله ما قلت لأحد أعد علي». يقول الزهري: «ما قلت لأحد أعد علي الحديث»، أنا لكثرة حفظي، أسمع الحديث فأحفظه، ولا يحتاج ليعاد. وهذا من الله جل وعلا جعل هؤلاء الحفاظ حفاظًا لدينه، حراسًا لدينه، حفظوا هذا الدين العظيم وبثوه في الناس. وقد كان الزهري رحمه الله من أكثر الناس بثًا للحديث، حتى من حرصه أنه إذا ذهب إلى مصر أو ذهب إلى المدينة كان يبث الحديث. أما المدينة فكان الناس يأتونه من كل مكان في المسجد، لكن كان إذا ذهب إلى مصر حتى أنه يذهب إلى الكفرات وعلى القرى، يذهب ويحدث عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من حرصه على بث الحديث. قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، وخارجة يعتبر من فقهاء أهل المدينة. خارجة هو ابن زيد بن ثابت، يعتبر من فقهاء أهل الحديث وأهل المدينة. هؤلاء سبعة: سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وكذلك عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وكذلك أيضًا سالم بن عبد الله بن عمر. ومنهم من يدخل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، ومنهم من يدخل أيضًا أبو سلمة بن عبد الرحمن، وكذلك خارجة بن زيد بن ثابت. قال: أن زيد بن ثابت قال: «لما نسخنا الصحف». والزهر رحمه الله أخذ عن هؤلاء كلهم، أخذ الحديث عن هؤلاء كلهم من مشايخ المدينة، مشيخة المدينة وأئمة المدينة، أخذ عنهم الزهري رحمه الله. فقال زيد بن ثابت رضي الله عنه، وكان من الصحابة الذين يفتون الناس، كان صاحب فتوى في الصحابة، كما ذكر الإمام ابن القيم أن الصحابة رضي الله عنهم ليس كلهم يفتي، هناك فقط مجموعة، عدهم ستة نفر الذين كانوا يفتون في زمن الصحابة رضي الله عنهم، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وكذلك زيد بن ثابت. وبعد ذلك أيضًا: ابن عمر، وأبو سعيد، وابن عباس. قال: «لما نسخنا الصحف في المصاحف، فقدت آية من سورة الأحزاب». يقول زيد بن ثابت: لما كلفه أبو بكر رضي الله عنه بجمع المصحف، وجمع نسخ القرآن التي عند الناس الآيات، فقال زيد: فقدت آية من سورة الأحزاب، كنت كثيرًا أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها، لم أجدها عند أحد إلا مع خزيمة الأنصاري، الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين، لما شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين. قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. أن هذه الآية وجدها مع خزيمة الأنصاري رضي الله تعالى عنه. وهذه كما قلنا الآية نزلت في هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.