الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 135، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع معنى قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ مؤكداً أن من العلم قول "الله أعلم" عند الجهل، وينهى عن التكلف في المسائل المستحيلة وكثرة الأسئلة المعجزة التي كانت سبباً في هلاك الأمم السابقة مستدلاً بآيات القرآن وأقوال السلف.
يؤكد المقطع على حرمة التكلف في الفتوى ووجوب قول الحق أو الإحالة إلى الأعلم مستشهداً بامتناع ابن المبارك عن الكلام بحضور شيخه سفيان، ثم ينتقل لتفسير آية الدخان مبيناً خلاف الصحابة فيه بين رأي ابن مسعود وابن عباس.
يفسر المقطع رأي عبد الله بن مسعود بأن الدخان المذكور في سورة الدخان ليس من أشراط الساعة بل كان جوعاً أصاب قريشاً، وأن كشف العذاب عنهم تحقق برفع القحط ثم عادوا للكفر فأخذهم الله يوم بدر الذي سماه ابن مسعود "البطشة الكبرى".
يشير المقطع إلى صحة حديث ابن مسعود في الدخان وأن هناك دخاناً آخر يظهر يوم القيامة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، مستشهداً بأحاديث صحيحة كحديث حذيفة وحديث عشر آيات تسبق قيام الساعة في صحيح مسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعالي صحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: وما أنا من المتكلفين»، أي: قول الله عز وجل: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾. والمتكلف هو الذي يأتي الأمور على غير ما تكون له، أو أنه لا يأتي الأمور على ما وضعت له، أي: يتكلف فوقها، يأتي بشيء زائد، أو يتكلف علم ما لا يعلم، يتكلف علم ما لم يعلم. قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، هو قتيبة بن سعيد بن طريف بن جميل، أبو رجاء الثقفي البغلاني المصري. قال: حدثنا جرير، جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، عن أبي الضحى، وأبو الضحى هو مسلم بن صبيح، وهو كوفي كذلك، عن مسروق، مسروق بن الأجدع الوادعي، أبو عائشة، وهو مولى عائشة كذلك. قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: «يا أيها الناس، من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم». قال الله عز وجل لنبيه: ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾. لأن الإنسان إذا سئل عن شيء وهو لا يعلم، يقول: الله أعلم، أو يشك فيه، يقول: الله أعلم. هذا ليس من العيب، بل هذا من العلم والفقه، أن الإنسان يقول لما لا يعلم: الله أعلم. أما إذا تكلم في كل مسألة فهو مجنون. كما قال السلف: الإمام مالك، جاءه رجل من الأندلس من المغرب يسأله في مسائل كثيرة، قرابة أربعين مسألة، لم يجبه إلا في مسألة أو مسألتين. فقال: يا أبا عبد الله، ماذا أقول للناس؟ قال: قل لهم: مالك لا يعلم هذه المسائل. قال: ليس هذا عيبًا، لأنه لم يحُز العلم أحدٌ أبدًا. كله ليس هناك من يعلم كل شيء. ما حوى العلم أحدٌ أبدًا، لا، ولو مارسه ألف سنة ما حوى العلم أحد. بل كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. لكن لا ينبغي للمسلم أن يسأل المسائل التي من المستحيلات، بل هي من المستحيلات، أو مسائل فيها التكلف. الله عز وجل يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ﴾. وأيضًا ما جاء في الصحيحين، في حديث أبي هريرة: «ذروني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم». أن كثرة المسائل المعجزة التي يراد بها إعجاز من يسأل، واختلافهم على أنبيائهم، أي: معارضة المعارضة، هذا الذي أهلكهم. فلهذا لا ينبغي للمسلم أن يخترع مسائل من عنده، أنه قد تكون مسائل أحيانًا لا تقع، مثل في بعض المذاهب، كمذهب الحنفية وغيره، تجد بعض المسائل ليست واقعة أصلًا، بل هي مستحيلة، مثل طواف سفينة نوح بالكعبة، وغيرها من هذه المسائل التي يذكرها هؤلاء. معناها: هي من التكلف في العلم. وأهل الكلام أيضًا يفكرون في مسائل لم تقع، ويفترضون مسائل مستحيلة، ثم يتكلمون عنها: هل الإنسان يكلف ما لا يطاق؟ فالله عز وجل يقول: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾. فلماذا لا يؤتى بهذه المسألة: هل يكلف ما يطاق أو لا؟ ثم يطولون الكلام في مثل هذه المسائل. فالتكلف في مثل هذا لا يجوز، سواء كان من السائل أو من المسؤول. «من علم شيئًا فليقل به». وقد جاء في حديث أبي هريرة: «من كتم علمًا سئل عنه ألجم بلجام من نار». إذا سئل عن علم عنده، علم به، وليس هناك من يتكلم على هذا العلم أو يعرف هذا العلم أحسن منه. فإن كان هناك من هو أفضل منه في هذا الباب، أو يتكلم، أو أعرف منه بهذا السؤال، فالأفضل أن يحيله إليه. ولهذا كان السلف رحمهم الله لا يتكلمون عند مشايخهم. سئل ابن المبارك رحمه الله في مجلس سفيان عن مسألة، فقال: والله لا أتكلم وشيخي موجود. يعني: سفيان بن عيينة. فلهذا إذا كان هناك من هو أعلم منه وأعرف بهذه المسألة، فليحيلها إليه. وإذا لم يكن هناك، فينبغي أن يتكلم بها إن كان عنده علم بها، ليس ظَنًّا أو شكًّا. بعض الناس، مثلا، تجد أنه عنده شيء في هذه المسألة، فيجيب السائل على الشك الذي عنده. فهذا ليس صحيحًا، إلا أن كان أراد أن ينبهه، مثلا، على مرجع أو على كذا، لا بأس. أما أنه يكلمه بالشك الذي عنده، فهذا ليس سؤالًا، أو ليست إجابة. ويقول: الله أعلم، أفضل. ولهذا يقول العلماء، وجاء عن بعض السلف: أن المفتي أو المسؤول عن علم لا ينظر إلى كيف يخرج السائل من هذه المسألة، لتكون مسألة فيها إشكال. بعضهم أو بعض المفتين أو بعض من يسأل، همه كيف يخرج السائل من هذه المسألة. وإنما الواجب: كيف يخرج نفسه يوم القيامة من هذا السؤال، أو من هذا الذي أجاب به؟ يعني: هل هذا الذي سيجيب به هو الذي يعتقده، وهو الذي يدين الله عز وجل به، أم أنه يريد أن يخلص السائل فقط؟ لهذا نبه كثير من أهل العلم على هذه المسألة. فإن كان، مثلا، لا يستطيع أن يجيبه، يقول: الله أعلم. كما قال عبد الله بن مسعود: «يا أيها الناس، من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم». لأنه عرف العلم وهو فقيه. قال الله عز وجل لنبيه: ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾. ثم قال: وسأحدثكم عن الدخان. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشًا إلى الإسلام، فأبطأ عليه، فقال: «اللهم أعني عليهم كسبع يوسف». فأخذتهم سنة، حتى هلك كل شيء، ما بقي معهم شيء من الزرع. قال: حتى أكلوا الميتة والجلود، حتى جعل الرجل يرى بينه وبين السماء دخانًا من الجوع. قال الله عز وجل: ﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. قد تقدم معنا أن هذا الفهم الذي فهمه هذا الصحابي الجليل، وهو من أعلم الناس بكتاب الله، قد خُولف فيه، قد خالفه جماعة من الصحابة في مسألة الدخان. وقد جاء في الحديث، حديث ابن مسعود وغيره، أن هذا الدخان يأتي يوم القيامة. والله أعلم: هل المراد به هذا الدخان الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن مسعود، حديث ابن مسعود، أم أنه الدخان هذا الذي رأوه أهل مكة؟ فابن مسعود رأى أن هذا الدخان هو الذي رأوه أهل مكة، وابن عباس وغيره يرون أنه يأتي في قرب الساعة. ﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾. وقد يكون هذا وهذا، والله أعلم. وإلا فقد جاء كما قلنا من أشراط الساعة الدخان. وقد يكون أيضًا الدخان هذا الذي رأوه هؤلاء. لكن يؤخذ من كلام عبد الله بن مسعود: أن هذا الدخان الذي رآه هؤلاء أهل قريش ليس دخانًا حقيقيًا، وإنما بسبب الجوع، سبب الجوع يرون مثل الدخان في السماء. ﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾، فالآية فيها أنه دخان واضح يرونه الناس. لكن هذا الذي حصل لأهل مكة، أنه كان من الجوع، والله أعلم. قال: ﴿ فَدَعُوا رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾. أن لهم الذكر، وقد جاءهم رسول مبين. فأنا يحمل كلام عبد الله بن مسعود: ﴿ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾، أي: إما أن أهل الإيمان الذين كانوا في مكة قالوا هذا، أو أنهم ادعوا أنهم من أهل الإيمان، وأنهم إن كشف الله عز وجل عنهم العذاب سيؤمنون. ﴿ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾. أفيكشف، يقول عبد الله بن مسعود: أفيكشف العذاب يوم القيامة؟ هذا حجة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في حمل الدخان هنا، أنه الدخان الذي رآه أهل مكة. لأن الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾. معناه: إذا كان سيكشف عنهم العذاب، هل هذا يكون يوم القيامة أو قرب القيامة؟ لا شك أنه إذا كان قرب القيامة لا يكشف عنهم العذاب، وإنما هذه علامة من علامات الساعة. فإذا حصلت هذه، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مثل السلسلة، إذا سقطت السلسلة أولها سقطت كلها، وهكذا تتتابع أشراط الساعة الواحدة بعد الأخرى، متتابعات، كلها تقوم بعد ذلك عليها القيامة. فهذه حجة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عندما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾، قال: أفيكشف العذاب يوم القيامة؟ قال: فكشف، ثم عادوا في كفرهم. إن عبد الله بن مسعود يقول: أنه كشف العذاب عنهم، وجاءت لهم الأرزاق، لكنهم عادوا في كفرهم، فأخذهم الله يوم بدر. قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ﴾. قال عبد الله بن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر. إن الله عز وجل أولًا أعطاهم سنة، وهذه السنة كانت سنة جوع وقحط، حتى أنهم جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام أن يكشف عنهم هذا العذاب. فكشف عنهم هذا العذاب، وذهب الجوع، وجاءت البضائع، وجاء الرزق عندهم. لكنهم لم يؤمنوا، بل عادوا في كفرهم، فأخذهم الله عز وجل وعاقبهم بيوم بدر، أن قتل صناديدهم الذين أغروهم بالكفر، والذين أيضًا كانوا هم السبب في عودتهم إلى الكفر. فلهذا عاقبهم الله عز وجل بيوم بدر، أن قتلهم في القليب. فقال ابن مسعود: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ﴾، قال: يوم بدر. وحملها بعض الصحابة على يوم القيامة. طيب، إن شاء الله تعالى. ومعنى وجه الشاهد في هذه الآية: قوله: ﴿ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾. ويريد الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود: أن الإنسان لا يتكلم فيما لا علم له. والظاهر جاء هذا كلامه عندما سمع، كما جاء في بعض الروايات، عندما سمع من يتكلم في الدخان، وكذلك البطشة الكبرى. وكما قلنا: أن الحديث جاءت، حتى لو صح كلام عبد الله بن مسعود في الدخان، فأيضًا هناك دخان يأتي يوم القيامة، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث، ومن أصحها حديث حذيفة، حديث ابن مسعود في صحيح مسلم: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات». طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.