الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 152، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع معنى "مقرنين" بأنه المطيقون، مبيناً نعمة الله في تسخير الإبل والخيل والبغال والحمير للركوب والحمل والأكل. ثم يرد على زعم المشركين بأن الملائكة إناث مع كراهيتهم للبنات ووأدهن، مستشهداً بآيات النحل والإسراء التي توبخ هذا التناقض وتحرم قتل الأولاد خشية الإملاق.
يبيّن المقطع أن المؤمن يجد السعادة والطمأنينة بتوكله على الله وثقته برزقه، بعكس أهل الجاهلية الذين كانوا يئدون البنات خشية الفقر وينسبون الملائكة لله بنات استهزاءً. كما يرد على حجة المشركين القائلة إن عبادتهم للأوثان بمشيئة الله، مبيناً بطلان مذهب الجبرية.
يبين المقطع بطلان قول الجبرية الذين ينفون مشيئة العبد ويجعلونه ك الريشة في مهب الريح، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ ورد الله عليهم بأنهم لا يعلمون ذلك وإنما يخرصون. كما يوضح حكمة بعثة الرسل من البشر لا من الملائكة ليعرفوا طباع قومهم ويخاطبوهم بلغتهم.
يؤكد المقطع على حكمة الله في إرسال الرسل من البشر ممن يعرفهم قومهم ويتمتعون بالشرف بينهم، مستشهداً بآيات من سورة الزخرف وغيرها. ويختتم المتحدث كلام الإمام البخاري حول سورة الزخرف مشيراً إلى ترجمة نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري في كلامه على معاني سورة الزخرف: قالوا: قوله ﴿ وَمَضَىٰ مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [الزخرف: 8]، أي: سنة الأولين، أن ما كان عليه الأوائل من تكذيبهم للرسل، وكيف كان عقوبة الله عز وجل لهم. قالوا: قولهم ﴿ مُقْرِنِينَ ﴾ [الزخرف: 12]، يعني: الإبل والخيل والبغال والحمير. وهذه الكلمة قد مرت. قال: ﴿ مُقْرِنِينَ ﴾ أي: مطيقين، في قول الله عز وجل: ﴿ وَتَقُولُونَ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ [الزخرف: 13]، أن الإنسان يعترف لربه جل وعلا أنه سخر له هذه البهائم العظيمة، وكما قال الله عز وجل في الإبل: ﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴾ [يس: 72]. إني لو الإنسان هذا الضعيف قد لا يستطيع أن يذلل له هذا البعير الضخم وهذا الخيل، لكن ربنا جل وعلا سخر له هذه الأمور وذللها له، ولهذا يقول في الدعاء: ﴿ وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾، أي: ما كنا له مطيقين، لكن نعمة من الله عز وجل أن سخر هذه البهائم للإنسان، سخر هذه البهائم العظيمة وذللها له، وإلا مثل هذا الإبل الذي هو خلقه عظيم لو استعصى على الإنسان ما يستطيع الإنسان أن يمسكه. ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن هذه الحيوانات لها أوابد كأوابد الوحش، فإن ند منها شيء فافعلوا به هكذا»، أي: يرموه بالسهم. فهذه الإبل إذا توحشت، أو هذه الحيوانات إذا توحشت، ما يطيق عليها الإنسان، لكن ربنا جل وعلا ذللها له وسخرها له، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 8]، ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [النحل: 9]. وقال قبلها: إني يذكر الله عز وجل نعمة هذه البهائم التي أنعمها ربنا جل وعلا على الإنسان: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النحل: 7]. فهذه نعمة من الله سخر له هذه الحيوانات العظيمة، كان الناس أكثر ما يستعملون الإبل في السفر، والراحلة الناقة كانت عندهم من أعظم الأموال، النوق، ولهذا تجد في الأحاديث دائماً يذكرها النبي عليه الصلاة والسلام: «خير لكم من حمر النعم»، حمر النعم هي النوق. كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن يحب أحدكم أن يذهب إلى بطحان أو العقيق فيأتي له بناقة أو ناقتين كوماوين زهرا، وين»، أي: من أفضل النوق، لأنها كانت أفضل الأموال. ولهذا الراحلة أو الناقة كانت لها أثر عظيم عند الناس، لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة»، لا تجد فيها راحلة عن الخير فيهم قليل، كما أن النوق في الإبل قليل، فلهذا كانت هذه الخير نعمة، أو الإبل والبغال والحمير نعمة عظيمة جعلها الله عز وجل للعباد يركبون فيها، وكذلك أيضاً يأكلون منها لحماً ويشربون أيضاً لبناً في الإبل. ثم قال: قال الله عز وجل: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ [الزخرف: 18]، ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾ [الزخرف: 19]. أن جعلوا عباد الرحمن إناثاً، أي: جعلوا الملائكة إناثاً، ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [النحل: 58]. انظر إلى هذه القسمة الضيزى وهذا التناقض، كان هؤلاء العرب والكفار إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، أنه يغضب ويسود وجهه لعجل أنه بشر بالأنثى. وأيضاً قال الله عز وجل: ﴿ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [النحل: 59]، فإما أن يمسك هذه البنت على هون، على عار، معنى على غضاضة وخفية، وإما أن يدسها في التراب. هكذا كان حكمهم جاهلية جهلاً، فيدفن الرجل ابنته وهي حية خشية العار. قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾ [الإسراء: 31]. من يدفن ابنته أيضاً خشية الفقر، وسبحان الله تجد هذا نعمة الإسلام تتمثل في هذه الأبواب، المسلم يعلم أن رزقه من عند الله، مهما جاءه من الولد، سواء كان بناتاً أو أولاداً، فهو يعلم أن رزقه من الله وهو الرزاق سبحانه وتعالى، فلهذا لا يفكر في مثل هذه المسائل. لكن أولئك لأنهم ابتعدوا عن الله ولا يؤمنون بالله جل وعلا، فلهذا يفعلون مثل هذا، وهذا يحصل إلى الآن، مثلاً الكفار تجدهم دائماً ينتحرون لأنهم لا يتعلقون بالله ولا يعرفون الله، لكن أهل الإسلام قل من يفعل منهم مثل هذه المسائل أنه ينتحر، إلا من امتعد قلبه وانغمس في المعاصي والذنوب الشهوات، وخاصة الشهوات العشق وغيرها، فهؤلاء تجد منهم من ينتحر أحياناً لأجل معشوقه أو معشوقته، وإلا تجد هذا بعيداً عن أهل الإسلام الذين يتمسكون بالله جل وعلا، مهما ضاقت به الأمور ومهما أيضاً رأى من الفقر والبأس فإنه يصبر، يصبر وكأنه لم يصب بشيء، بل يعيش في هذه الحياة سعيداً، وأيضاً يذهب ويأتي حتى يرزقه الله عز وجل. فلهذا فالمؤمن في نعمة عظيمة وهي أنه يعرف الله عز وجل ويؤمن بالله ويتوكل عليه، ولهذا الناس يختلفون في هذا الباب، فكل من توكل على الله وتعلق بالله كان قلبه أطمئن، معنى كان قلبه أهدى، وأيضاً فيه طمأنينة أكثر من غيره، كلما تعلق العبد بالله وتوكل عليه وزاد توكله بالله كان قلبه أهدى وأسعد. ولهذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة»، إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهي التي عناها أيضاً إبراهيم بن أدهم رحمه الله فقال: «إن في نعمة لو يعلمها الملوك وأبناء الملوك لجالدون عليها بالسيوف»، ما هذه النعمة؟ كان يأكل الخبز ويخمر هذا الخبز بالماء بالنهر، ماء النهر، أي نعمة هذا؟ لكن كانت نعمة في نفسه، طمأنينة في نفسه وسعادة يجدها، ما يجد الضيق ولو كان أكله يسيراً، فقال: «إن في نعمة لو يعلمها الملوك وأبناء الملوك لجالدون عليها بالسيوف». وهذه النعمة وهذه الراحة هي راحة القلب وطمأنينة القلب التي يجدها المؤمن إذا اتصل بالله جل وعلا، لأنه يعلم أن كل شيء من عند الله، مهما حصل له من المصائب وحصل له من هذه الأمور فهو يعلم أنها من عند الله وهو الذي يذهبها سبحانه وتعالى. فهؤلاء أنبياء أصابهم الله عز وجل ببعض هذه البلايا، ابتلاهم بها، كأيوب، وأيضاً ابتلى إبراهيم بذبح ابنه، وغيرها من البلاء الذي حصل لبعض الأنبياء، وهو بلاء عظيم، أيوب جلس ثمانية عشر سنة وهو في المرض حتى تركه القريب والبعيد، ثم عوضه الله عز وجل أضعاف ما كان معه. فلهذا فإن الله عز وجل هو المتصرف في الأمور، فإن جعلك فقيراً فهذا من الله، وإن تأخر عنك الرزق فهو من الله فسيأتي، وكذلك إن أصبت بمصائب وأوديت بأذى فهذا من الله وهو الذي يصرف عنك. فلهذا فهؤلاء أهل الكفر كانوا ينسبون إلى الله عز وجل البنات، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، ﴿ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾ [الزخرف: 19]، فكانوا ينسبون الملائكة ويقولون: بنات الله، تعالى الله عز وجل عن ذلك. معنى ارتكبوا جريمتين: أولاً جعلوا الولد لله، وأيضاً جعلوه من البنات، وهذا سخرية، وكذلك أيضاً يريدون أن هؤلاء الملائكة لا يفعلون شيئاً وإنما هم مثل البنات، وتجد أنهم لا يرتضون أن تكون الأنثى لهم، ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ [الزخرف: 18]. بعدما ذكر ربنا جل وعلا: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [النحل: 58]، فتناقض، لا يريدون نسبة الأولاد البنات إليهم وينسبونها إلى الله عز وجل، وهذا قمة الاستهزاء والسخرية، قال: ﴿ فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ [الزخرف: 18]. وقال: ﴿ لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ [الزخرف: 20]، يعنون الأوثان، يقول الله تعالى: ﴿ مَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ﴾ [الزخرف: 20]، وهذه حجة واهية عن المشركين أنهم يقولون: لو شاء الله ما عبدناهم، معنا: نحن عبدناهم لكن لو شاء الله لما عبدناهم، لكن هذا عبدناهم لأن الله عز وجل جعلنا نعبدهم، وهذا كلام باطل، وهو يدل أيضاً على بطلان مذهب الجبرية، على بطلان مذهب الجبرية، لأن الله عز وجل هنا ذكر كلام هؤلاء المشركين ذكر كلامهم على الإنكار عليهم، وهذا الذي تقوله هؤلاء الجبرية أن الإنسان ليس له دخل في الفعل وإنما هو فعل الله جل وعلا، وفعل الله جل وعلا، وإنما الإنسان كالريشة في مهب الريح، الريشة تحركها الريح هنا وهنا، وهذا كلام باطل. ولهذا لم يعذر الله عز وجل أهل الشرك بشركهم، وذكر حجتهم هذه: ﴿ لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾، قال الله عز وجل: ﴿ مَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ﴾، أي أنهم لا يعلمون هذا، ولهذا فهم على جهل بهذا الأمر، فما قالوه إلا جهل، كما أن الجبرية ما قالوا هذا الكلام إلا جهل، وأرادوا أن يخرجوا أنفسهم مما يفعلونه، فلهذا فربنا جل وعلا أعطى العبد مشيئة، يعرف الخير ويعرف الشر، يعرف أن هذا خير فيذهب إلى المسجد ويذهب إلى كذا، ويعرف أن هذا شر، فالله عز وجل خير الإنسان. ولهذا كان يقول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله رداً على هؤلاء، وكذلك قبله لأمه يقول: «لو ضرب هذا الجبري»، معنى: أعطيه كفاً في رأسه أو في وجهه، معنى: لطي ما في وجهه، فقيل له: هذا كتبه الله علينا، هل سيقبل؟ ما سيقبل، لكن هنا يحتج بهذه المعاصي لنفسه أنه لم يفعل ذلك وإنما الله فعل، وهذا كلام حجة واهية. فالله عز وجل معنى يبين حجة هؤلاء أنها باطلة، قالوا: ﴿ لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾، ﴿ مَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾ [الزخرف: 20]. ثم قال رحمه الله: إنهم لا يعلمون في عقبه، قال: ﴿ وَلَدَهُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ [الزخرف: 55]، يمشون، معنى: قال سلفاً قوم فرعون، سلفاً لكفار أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أن الله عز وجل جعلهم عبرة لهذه الأمة ومثلاً. ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ [الزخرف: 57]، ﴿ وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ [الزخرف: 58]. قال: ﴿ يَصِدُّونَ ﴾ أي: يضجون، ﴿ وَمُبْرَمُونَ ﴾ [الزخرف: 79] أي: مجمعون، ﴿ أَوَّلَ الْعَابِدِينَ ﴾ [الزخرف: 81]، أول المؤمنين. هذه كلمات من سورة الزخرف. قال: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ [الزخرف: 26]، أي: العرب تقول: نحن منك البراء والخلاء، والواحد والاثنان والجميع من المذكر والمؤنث، إني أتبرأ منها، ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾، عن قول إبراهيم: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ﴾ [الزخرف: 28]، أي: في ولده، هذه الكلمة هي كلمة التوحيد، وجعلها كلمة باقية في عقبه، ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الزخرف: 28]. قال: وقال: بريء، قيل في الاثنين: بريئان، وفي الجميع: بريئون، ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ ﴾، معنى: يقول أنها مصدر، مصدر براء، معنى: مصدر براء، براءة، فهي مصدر براء، ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾، إني تقال في الجميع، أو أقصد في الواحد والاثنين. قال: والزخرف: الذهب، إني الزخرف المراد به الذهب. ﴿ مَلَائِكَةً يَخْلُفُونَ ﴾ [الزخرف: 60]، أن يخلفوا بعضهم بعضاً، ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً يَخْلُفُونَ ﴾ [الزخرف: 60]، معنى: يخلفوا بعضهم بعضاً، كأنهم رسل، لكن الله عز وجل جعل الرسل من الناس ولم يجعلهم من الملائكة، وإنما جعلهم من الناس، وتعجب هؤلاء الكفار وأرادوا أن يكون الرسل من الملائكة، واحتقروا أو ازدروا هؤلاء الأنبياء الذين جاءوهم، لكن الله عز وجل يقول: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ﴾ [الأنعام: 9]، لأنه لا يكون الرسول إلا في الناس، ما يكون بعيداً عنه، فلو جعل الله عز وجل الرسل ملائكة لجعلهم أيضاً رجالاً يمشون مثل ما يمشي الناس، وهذا حجة على هؤلاء الكفار. الكفار الذين قالوا: ﴿ وَمَا لِهَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ [الفرقان: 7]، إني كيف يكون الرسول وهو يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ معنا: إني يريدون أن يكون ملك، وهذا لتفاهتهم، وأيضاً يريدون أن يتحججوا بما هم عليه من المواقف، فبين الله عز وجل أنه لا بد أن يكون الرسول منهم، ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ [آل عمران: 164]، هذه نعمة عظيمة، يكون الرسول منهم، يعرف كلامهم ويعرف طباعهم، ويعرف كذلك ما هم عليه فيدعوهم إلى الخير، أما إذا كان ملك فالملك لا يعرف طباع البشر، وأيضاً كذلك ما سيكون معهم ولا يجامعهم، معناه: أقصد في الأكل والشرب وغيرها من الأمور، فلهذا ما سيكون هذا الرسول للناس، لكن الله عز وجل من نعمته وحكمته سبحانه وتعالى جعل الرسل من البشر، جعل الرسل من البشر ومن من يعرفونه وله أيضاً شرف عندهم. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر أو ما ذكر من الكلمات التي ذكرها الإمام البخاري في سورة الزخرف، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر