كتاب التفسير من صحيح البخاري 154

كتاب التفسير من صحيح البخاري 154

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 154، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير مفردات سورة الزخرف عند البخاري

يشرح الإمام البخاري معاني ألفاظ مثل {مَثَلًا لِلْآخِرِينَ} و{مُقْرِنِينَ} و{الْأَكْوَاب} مستنداً إلى أقوال المفسرين كأبي عبيدة والطبري. ويبين أن المثل عظة للأجيال، والمقرين هم المطيقون، والأكواب أباريق بلا خراطيم.

معنى أم الكتاب والرد على نسبة الولد للرحمن

يفسر المقطع "أم الكتاب" بأنها اللوح المحفوظ أصل القرآن مستشهداً بقول قتادة. ثم يوضح أن آية نفي الولد عن الرحمن جاءت على سبيل المحاورة لإثبات العبودية المطلقة لله تعالى.

يأس النبي من المعاندين وحتمية العمل في الدنيا

يستعرض المقطع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على قوم معاندين لا يؤمنون إلا عند العذاب كما في سورة الأنعام. ويؤكد أن الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء مستدلاً بوصية الحسن البصري.

خاتمة المجلس وتفويض العلم لله

يختتم المتحدث المجلس بالاكتفاء بما تم ذكره من تفسير وآيات. ويفوض العلم المطلق والحكم النهائي لله تعالى وحده.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله أيضًا في كلامه على بعض مفردات سورة الزخرف: قال: "قوله: {مَثَلًا لِلْآخِرِينَ} [الزخرف: 56]، أي: عظة لمن بعده. {جَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِلْآخِرِينَ}، أي: عظة يتعظون به. {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} [الزخرف: 56]، أي: إلى النار، ومثلًا أي: العظة للآخرين. أي: هذا فرعون مثل ما قال الله عز وجل: {وَجَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ آيَةً} [مريم: 21]، فهي عبرة لمن أراد أن يتجبر ويتكبر في الأرض، وعبرة أيضًا كذلك لمن أراد أو لمن رد الحق وازدراه، وأراد أن يفرد قوله على الحق. وأيضًا عظة وعبرة لكل كافر عنيد، وغيرها من العبر العظيمة التي جعلها الله عز وجل في هذا. {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} [الزخرف: 55-56]، أن يضربهم مثل حتى لا يردوا قول الله عز وجل أو دين الله سبحانه وتعالى. ثم قال: وقال غيرهم: "مُقْرِنِينَ" ضابطين. يقال: فلان مُقْرِنٌ لفلان، أي: ضابط له. أنا ضابط. "مُقْرِنِينَ" بين ذلك، أي: يقول هنا أنهم على قول بعبيد أو قول بعبيدة، القاسم بن سلام، أن معنى "مُقْرِنِينَ" أو "مُقَرَّنِينَ" -أقصد "مُقْرِنِينَ"- أي: ضابطين. يتقدم معنى أنه ذكر أيضًا معناها بأن "مُقْرِنِينَ" أي: مطيقين. في قوله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ فَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13]، أي: وما كنا له مطيقين. وهنا: وما كنا له ضابطين، أي: أننا إذا كنا نتصرف لأنفسنا ما نستطيع أن نضبط هذه البهيئة، ما نستطيع أن نضبط هذه البهيئة. والمعنى: ومعنى... ثم قال: "والأكواب: الأباريق". الأباريق التي لا خراطيم لها. {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ} [الزخرف: 71]. الصحاف هي المفتوحة، والأكواب هنا جمع كوب، وهي الإناء أو العبريق الذي لا خرطوم له. هكذا فسره أبو عبيدة. وجاء عند الطبري عن السدي أنه قال: لا، الأكواب: الأباريق التي لا آذان لها. وهو بمعنى واحد: لا خراطيم ولا آذان. فالأباريق التي لا خرطوم لها تسمى أكوابًا، لها مسكة لكنها ليست لها خرطوم، فيسمى إبريقًا. ثم قال: وقال قتادة في "أم الكتاب": "جملة الكتاب". {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: 4]. وقال: "أم الكتاب: جملة الكتاب وأصل الكتاب". وجاء في رواية عن قتادة: "أصل الكتاب وجملته". {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ}، أي: مكتوب في أصل الكتاب، وأيضًا كذلك منصوص عليه، لكن ليس بعينه، لكنه في جملته. قال: معنى المراد به ما ذكره الله عز وجل من بيان أن هذا القرآن العظيم مكتوب عنده في أم الكتاب. أم الكتاب: هي اللوحة المحفوظة. قال: في قوله: {أَوَلَ الْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81]، أي: ما كان، فإنا أول العابدين. أو قال: {أَوَلَ الْعَابِدِينَ}، أي: ما كان، فإنا أول العابدين. وهما لغتان: رجل عابد وعبد. فنفى: {أَوَلَ الْعَابِدِينَ}، أي: أول المنقادين، وأول من يكون يطبق هذا الأمر. وهذا استسلام عظيم لله جل وعلا. وهذا من باب رد الباطل، معنى من باب الجدل. قال: معنى الله عز وجل تنزه عن الولد، لكن على قولكم: إن كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين. وإن كان هذا لم يكن أبدًا، لكن إن كان الله عز وجل ذكر ذلك، فأنا أول المنقادين والعابدين لله سبحانه وتعالى ومطيعين له. لأن العبد المسلم استسلم لأمر الله، فكل ما جاء من أمر الله ومن أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فالعبد المسلم مقاد له. وهذا وهذا من باب معنى المحاورة والمجادلة. معنى مثل ما يقال: جدلًا، إن كان كذا. وكما قال زيد بن أسلم: وهذا معروف من قول العرب: "إن كان هذا الأمر قط"، أي: ما كان، لكنه إن كان فأنا كذا وكذا. كأنهم معنى إثبات إنكار. فإن كان لله عز وجل ولد، فأنا... أنا عبد له وأعبده، لكن لا ولد له أصلًا، لا ولد له أصلًا. والمهم: أن المراد به الإنكار على هؤلاء، وإن كان جاء على صيغة الإثبات، أي: أنه عبد لله ومطيع لله. فإن كان هذا حاصِبًا كما تزعمون، فإننا عبيد لله جل وعلا. فهذا شدة الاستسلام لله جل وعلا. وهكذا يكون المؤمن. إنما كان قول المؤمنين إذا دُعُوا إلى الله ورسوله أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. ثم قال: وقرأ عبد الله: "وقال الرسول: يا رب". وهنا: "وقال الرسول"، أي: في قوله: {وَقِيلَ يَا رَبِّ} [الزخرف: 77]، فجاء عن قتادة أنه قال: "وقيل: يا رب"، أي: هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي قراءة عبد الله: "وقال الرسول: يا رب". {وَقِيلَ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ} [الزخرف: 88]. كأن نبي الله عز وجل يقول لله سبحانه وتعالى: أن هؤلاء... من يؤسر منهم، ولأنهم جاحدون ومنكرون ومعاندون. {وَقِيلَ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ} [الزخرف: 88-89]. فقال: في قراءة عبد الله: "وقال الرسول: يا رب، إن هؤلاء قوم لا يؤمنون". وهذا فيه أن يأس النبي من إيمان هؤلاء لمعاندتهم، لأن غالبًا المعاند لا يؤمن. ولهذا قال الله عز وجل: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33]. فغالبًا هؤلاء لا يؤمنون، كما قال الله عز وجل: {وَإِنْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [الأنعام: 158]. فهؤلاء لا يصدقون ولا يؤمنون إلا إذا رأوا العذاب أمامهم وذاقوا العذاب، فحينئذ يتندمون، وحينئذ يصطرخون، وغيرها، حتى يرجعوا إلى الدنيا. وفي ذلك الوقت لا ينفعهم الندم، وليس أيضًا ساعة مندم، بل ذلك الوقت يكون وقت الجزاء. وأما الآن فهم وقت العمل، كما قال الحسن رحمه الله: قال للرجل: "فإن الله عز وجل... أو أن العبد يقول يوم القيامة: رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت". فقال: "فقال: كن ذلك الرجل، واعمل الآن". أنا كن... كأنك أنك وردت إلى الآخرة، فكنت من أهل النار، فتندمت، وقلت: لعلي... معنى طلبت من الله عز وجل أن ترجع إلى الدنيا وتعمل الصالحات. فكن ذلك العبد الآن. كن الآن... ليش؟ إذا وردت الآخرة ستندم، مع أنه ما ينفع الندم في ذلك الزمان وفي ذلك الوقت. فإن كنت تريد أن تعمل لله عز وجل، فاعمل الآن. فهذا وقت العمل. هذه الحياة، حياة الدنيا، هي وقت العمل. وأما الآخرة فلا عمل فيها، وإنما هي للجزاء. فهذا ما يذكر، أو ما ذكره المؤلف رحمه الله من بعض الآيات. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.