كتاب التفسير من صحيح البخاري 182

كتاب التفسير من صحيح البخاري 182

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 182، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آيات سورة قاف: البعث والقرب الإلهي وكتابة الأعمال

يشرح المقطع آية ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ مؤكداً قدرة الله على البعث بعد الخلق الأول، مستدلاً بآية سورة يس. ثم يبين قرب الله من الإنسان بأقرب من حبل الوريد، ووظيفة الملكين الرقيب والعتيد في كتابة كل قول وعمل مستشهداً بتفسير ابن عباس وآية سورة الكهف.

مراقبة اللسان وحفظ الكلام في ضوء الوحي

يؤكد المقطع وجوب مراقبة المسلم لألفاظه ومحاسبة النفس قبل النطق، مستشهداً بهدي السلف والنبي صلى الله عليه وسلم في التثبت والصمت عن السوء. ويذكر قصة النبي مع أسيد بن حضير وعباد بن بشر في التحلل من الزلات، مختتماً بتوجيه القرآن لقوله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

أنواع القرين والفرق بين قرين الإنسان وقرين المعرضين

يشرح المقطع نوعين من القرين: قرين ملازم لكل إنسان منذ الولادة ابتلاءً، وقرين يُقيّض لمن أعرض عن ذكر الرحمن ليصدّه عن السبيل. ويستعرض حديث عائشة في قرين النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف الرواة في قوله «فأسلم» أو «فأسلموا»، مبيناً دلالة ذلك على عجز الشيطان عن إضلال النبي لكثرة طاعته.

استشهاد ابن حجر ببيت امرئ القيس وتفسير "نقبت"

يُشير المتحدث إلى قول ابن حجر مستشهداً ببيت امرئ القيس: "وقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب". ويوضح أن كلمة "نقبت" تعني الطواف والتباعد والسير إلى أماكن بعيدة، ثم ينهي المقطع بالاكتفاء بهذا القدر من الشرح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم وقال به بعض معاني سورة قاف، فقال: «أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد». هو مراد كما ذكر المفسرون أن قول الله عز وجل: ﴿ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ معناه أنه ما يعين بذل الخلق، فكيف يعين ما كان خلقا؟ وهذا مثل قول الله جل وعلا، كما ذكرنا في سورة يس: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٍ ﴾. فما دام أنه أنشأها من العدم فهو قادر أن ينشئها وقد كانت شيئا، فلذلك قال الله عز وجل هنا: ﴿ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾، فلم يعين بالخلق الأول، فمن باب أولى أنه لا يعين أيضا الخلق الجديد أو الخلق الذي قد كان شيئا. وهذا رد على هؤلاء الذين كانوا ينكرون البعث من كفار قريش وغيرهم. ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾. وحبل الوريد كما ذكر الإمام البخاري: هو الحبل الذي يكون في الحلق أو في العاتق، وهو إما الحبل الذي يتصل بالدماغ والذي إذا قطع مات منه الإنسان. وربنا جل وعلا يخبر الناس أنه أقرب إلى الإنسان من هذا الحبل الذي يميته. ثم قال جل وعلا: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾. معنى رقيب وعتيد: يرصد. قال: رقيب عتيد، رصد. والعتيد هو الذي يرصد. وقال ابن عباس: رقيب وعتيد، أي: يكتب كل ما تكلم به من خير وشر. وهذه الآية دلت على أن هناك -كما جاء، كما ذكر هنا أيضا- سائق وشهيد، أي: الملكان، كاتب. أقصد في المسألة الأولى، في مسألة كتابة ما يخرج من الإنسان وما تكلم به، سواء كان من خير أو شر. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾. قال ابن عباس: حتى الضحكة. قال ابن عباس: حتى الضحكة التي يكون فيها معنى، يضحك على إنسان استهزاء به، يضحك لأجل كلام مثلا لا يحل، وهو يضحك، وغيرها. فهذه الضحكة: لا يغادر صغيرة ولا كبيرة. قال ابن عباس: حتى الضحكة. فكل ما تكلم به الإنسان فهو مكتوب عليه، إما له أو عليه، فهو مكتوب إما له وإما عليه. فلذلك ينبغي للمسلم أن يراقب الفاضة، كما كان السلف رحمهم الله، رحمهم الله، مثل ما قال ذاك الصحابي: «هذه كلمة، أو منذ كذا وكذا لم أخرج كلمة إلا وأنا أراقبها، إلا هذه الكلمة فلتت مني». فلذلك تجد السلف رحمهم الله، حتى بعضهم يحاسب نفسه إذا تكلم فيما لا يعنيه، وبعضهم يحصر الألفاظ التي يخرجها. وهذا لعملهم بالكتاب والسنة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يؤمن أحدكم، أو من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت». فإن كان سيقول، يقول خيرا، وإلا فالصمت له أفضل. وهذا من مراقبة العبد، وأيضا كذلك تقوى العبد. فإذا أراد أن يخرج كلمة، تفكر فيها: هل هذه الكلمة فيها خير، أم أنها ستزيد مثلا في البغضاء بينك وبين أخيك، أو سيتحسس منها هذا الذي تكلمه؟ لهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يستشعر هذه الأمور، ويتحسس أيضا في أصحابه. فلذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا فعل شيئا يرى أنه فيه شيء على من فعل معه، أو قاله، أو قال كلمة، فإنه يرجع عليه الصلاة والسلام، بل يتحلل منه، وحلل منه. ولما قال أسيد بن حضير وعباد بن بشر، لما نزلت قول الله عز وجل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «افعلوا كل شيء إلا النكاح». فقال أسيد بن حضير وعباد بن بشر: «ألا نأتيهما يا رسول الله، فإن اليهود لا يأتونهما، لا يأتون النساء، فلا نخالفهم»؟ مع أنها نزلت الآية، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، ووجد ذلك في وجهه. فخرج عباد بن بشر وأسيد بن حضير، فأرسل إليهما بلبن، أرسل إليهما بلبن حتى لا يظنان أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه. وإنما كان صلى الله عليه وسلم يغضب إذا انتهكت حرومات الله جل وعلا. فلذلك المسلم الواجب عليه أن يزن ألفاظه التي يخرجها. وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا ﴾. فلذلك الإنسان، يجعل ابن آدم يستعجل في الكلام، يخرج كلمات لا يبالي بها، وهذا لا ينبغي. والله عز وجل قد أرشد عباده: ﴿ قُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾، بهذا التلطف العظيم من ربنا سبحانه وتعالى. قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن. أنا إذا أراد أن يتكلم، لا يتكلم بالسوء، يحسن في كلامه، يقول التي هي أحسن. ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾. قالوا: قوله أيضا: «سائق وشهيد»، أي: الملكان، كاتب وشهيد. وهذا جاء عن الحسن، وعن قتادة، وغيرهما. فسائق وشهيد: أي كاتب وشهيد. ﴿ يَسُوقُنِي هَذَا الرَّجُلُ أَوْ هَذَا مِنْ بَنِي آدَمَ ﴾. وقال قرينه: أي الشيطان الذي قيض له. قرينه: أي الشيطان الذي جعله الله عز وجل له، لكل إنسان قرين يلازمه ويؤزه. فهذا الشيطان جعله الله عز وجل فتنة للعبد، وامتحان للعبد أيضا: هل يطيعه، أي يطيع الله جل وعلا، أم يطيع هذا الشيطان؟ ولهذا جعل له قرينا لا يفارقه. وهذا غير القرين الذي يكون في -يعشش على الناس في الضلال-: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾. فهذا القرين الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية، غير القرين الذي ذكره في الآية التي ذكرناها. لأن هذه الآية: قرين ملازم من أول ما يولد بني آدم، وهو يلازمه. وأما هذا القرين الآخر فهو قرين أيضا يساعد هذا القرين في الضلال، معنى: إذا ابتعد العبد عن ربه جل وعلا، عشعشت عليه الشياطين وأمرته بالباطل. وقال قرينه: أي الشيطان الذي قيض له. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح مسلم في حديث عائشة: «أجاءك، أجاءك يا عائشة شيطانك؟» قالت: «أولي يا رسول الله، ولك شيطان؟» قال: «نعم، ولكل بني آدم». قالت: «أفأنت يا رسول الله؟» قال: «نعم، إلا أن الله عز وجل أعانني عليه فأسلم». وذكرها ابن عيينة بالضم: «فأسلموا». وذكرها أكثر رواة الذين رووا عن الزهري بالفتح: «فأسلم». والفرق كما هو معروف: أن قوله «فأسلم» أي: أسلم الشيطان، صار مسلما. وإذا كانت بالضم «فأسلموا» أي: أسلموا منه، لأن الله عز وجل أعان نبيه صلى الله عليه وسلم على الطاعة، فلذلك ضعف شيطانه، أو بل كاد أن يموت، أنا لا يستطيع أن يؤدي النبي عليه الصلاة والسلام، أو أن يغويه، لأن الطاعة قد تشعبت في جسمه وروحه، فلم يستطع الشيطان أن يضله صلى الله عليه وسلم، أو أن يغويه. وبالتفسير الأول: «فأسلم» أي: صار مسلما، صار مسلما. وعلى كل معنى، كلا القولين المراد: أن الشيطان لا يستطيع أن يغوي نبي الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان أسلم، أو سواء كان قيده الله عز وجل ولم يجعله يستطع شيئا مع رسول الله، لكثرة طاعة النبي عليه الصلاة والسلام لربه. قالوا: قوله ﴿ فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ ﴾، أي: ضربوا. نقبوا في البلاد: أي ضربوا، والمراد به: سافروا، دخلوا وخرجوا، ذهبوا إلى هنا وذهبوا إلى تلك البلاد. معنى: تباعدت الناس، هذا ذهب هنا وهذا ذهب هنا. فهذا ﴿ فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ﴾. وأذكر هنا لابن حجر قول امرئ القيس: «وقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب». فنقب: أي طوفت، وتباعدت، وسارت إلى أماكن بعيدة. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا.