الدرس في كتاب المواريث والوصايا والعتق 6، ألقاها
يتحدث عن جواز الاشتراك في ملك العبد وأحكام عتق أحدهم لنصيبه. يلزم العبد تحرير باقي الشركاء إذا كان المالك موسراً.
يشرح التدبير والمكاتبة، حيث التدبير هو عتق العبد عند وفاة سيده، والمكاتبة هي عتق العبد مقابل دفع مال لسيده.
يتناول تفاصيل المكاتبة واستحبابها إذا كان العبد قادراً على الدفع، ويشرح قضية ولاء العتق عند شراء عائشة لبريرة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فوقفنا بترس الماضي في باب العتق، وأخذنا تعريفه وفضله، وبعض الأركان والشروط المتعلقة به. قال المؤلف: وقف الله بعد ذلك المسألة الثالثة من أحكام العتق. أولا، يجوز الاشتراك في العبد والأمات في الملك، بأن يملكه أكثر من شخص، يعني يملك عبدا واحدا اثنان فأكثر، هذا جائز، فيشتركان في امتلاك هذا العبد. قال: ثانيا، إذا أعتق شخص نصيبه في عبد مشترك، فقد عتق نصيبه من هذا العبد، يعني مثلا عندنا اثنان اشتركا في عبد، العبد لهما، فأعتق أحدهما نصيبه، قال: أنا أملك نصف هذا العبد، فأنا أعتقت نصيبي منه، اعتقت نصيبي منه، فصار نصفه حر ونصفه عبد، وهذا يسمى العبد المبعض. قال: وَأَمَّا نَصِيب شَرِيكه الآن، أعتق نصيبه منه، طيب ما حكم نصيب الشريك؟ قال: فإن كان المعتق موسرا، عتق نصيب شريكه من العبد، وقومت عليه حصة شريكه، ودفع له القيمة. أما إن كان الشريك المعتق معسرا، غير موسر، فلا يعتق نصيب شريكه، ويسعى العبد في تحصيل قيمة نصيب هذا الشريك، فيعتق بعد تسليم ما عليه، ويكون في ذلك المكاتب. قال: ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق شركا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه العبد قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما أعتق». ومعنى «وإلا» يعني إن لم يكن عنده ما يعطي به شركاءه من نصيبه من هذا العبد، فإنما يعتق نصيبه فقط. قال: ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق نصيبا أو شقصا في عين مشتركة، فخلاصه عليه في ماله، إن كان له مال، فخلاصه، أي خلاص هذا العبد من الرق، في ماله، أي في مال هذا المعتق، إن كان له مال، وإلا قوم عليه، فاستسعى به غير مشقوق عليه». يعني قوم نصيب الشريك، ثم يقال للعبد: استسعى، إذا فاسعى واطلب واكتسب، وإدفع للشريك الثاني ما يملك منك حتى تصبح حرا. قال: والظاهر أن ذلك يكون باختيار العبد، يعني إذا شاء أن يذهب فيسعى فعل، وإن شاء يبقى رقيقا عند الشريك الآخر، بقيا فيصبح نصفه عبد ونصفه حر. قال: ثالثا: وهذا العتق، يعني استراية العتق، هذه إحدى الأمور التي بها يحصل العتق للعبد، إذا أعتق الشريك نصيبه، فيجري هذا العتق بعتق ما يبقى عليه من نصيب الشركاء الآخرين، إذا كان موسرا، كما في هذه الأحاديث. قال: وأيضا مما يحصل به عتق العبد إذا ملك الإنسان ذا رحم محرم، إذا ملك الإنسان ذا رحم محرم، كان يملك مثلا عمته أو خالته أو أخا له، إذا صار هذا الأخ عبدا مملوكا له، فبمجرد أن يملكه يصبح حرا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من ملك ذا رحم محرم فهو حر». والحديث رواه أحمد وأبو داود. قال: ثالثا: يرث المعتق جميع مال من أعتقه دون العكس، يرث المعتق، يعني السيد الذي أعتق هذا العبد المملوك، يرث جميع مال من أعتقه دون العكس، يعني لا يرث المعتق المعتق، لا يرث المعتق وهو العبد المملوك سيده، وإنما يرث السيد عبده إذا أعتقه، وذلك عند عدم وجود أحد من العصبة بالنفس، ولا يكن لهذا العبد وارث، فهنا يرثه السيد. قال: لأن المعتق ولاؤه لمن أعتقه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «الولاء لمن أعتق». والحديث في الصحيحين. ولاء المعتق للمعتق، إذا أعتق الإنسان عبدا مملوكا، فحرره من الرق، صار ولاؤه له، صار ولاؤه له. قال: وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الولاء كالنسب، فقال: «الولاء لحمة كلحمة النسب». والحكم رواه الشافعي في الأم، والحاكم في المستدرك، والبيهقي، وصححه الألباني رحمه الله. ومعنى «لحمة» يعني ارتباط ومخالطة، تجري مجرى النسب، تجري مجرى النسب. قال: رابعا: من ضرب عبده ظلما أو ضربا مبرحا، يعني ضرب شديد، أو مثل به، قطع شيء من أطرافه، قال: أو أفسده أو قطع له عضوا أو نحو ذلك، فإنه يعتق عليه، يعني يصبح حرا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من ضرب غلاما له حدا لم يأته أو لطمه، فإن كفارته أن يعتقه». والحديث في مسلم. قال: مسألة الرابعة: التدبير. قال: أولا: تعريفه، التدبير هو تعليق عتق الرقيق بموت سيده، تعليق عتق الرقيق بموت سيده، يقول السيد لعبده: إذا مت فأنت حر، إذا مت فأنت حر، هذا يسمى العبد المدبر، الذي علق عتقه بموت سيده، أو دبر موت سيده. قال: يقال: دبر الرجل عبده تدبيرا إذا أعتقه بعد موته. وكذا أعتقه عن دبر. قال: والمدبر هو العبد الذي حصل له التدبير، سمي بذلك لأن عتقه جعل دبر حياة سيده، فالموت يكون دبر الحياة. قال: ثانيا: حكمه ودليل ذلك، التدبير جائز، وهو صحيح باتفاق العلماء، والأصل فيه حديث جابر رضي الله عنه، أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر، لم يكن له مال غيره، يعني قال لهذا العبد: إذا مت فأنت حر، وليس له مال إلا هذا العبد، فبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «من يشتريه مني؟» فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه، يعني باعه النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ثالثا: من أحكام المدبر، يجوز بيع المدبر مطلقا للحاجة، وأجاز بعض أهل العلم بيعه مطلقا، للحاجة وغيرها، لما تقدم في حديث جابر، النبي صلى الله عليه وسلم باعه، فيجوز بيع المدبر، يعني لو قال لعبده: أنت إذا مت فأنت حر، ثم أراد أن يبيعه، له أن يبيعه، كالوصية كما مر معنا في الوصية، أنه يجوز أن يوصي بالشيء ثم يرجع في الوصية، فيبيع ما أوصى به أو يهديه لأحد، لأنه لا تنفذ إلا بعد الموت. قال: المدبر يعتق من الثلث لا من رأس المال، لأن حكمه حكم الوصية، فكلاهما لا ينفذ إلا بعد الموت، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم، كما مر معنا في حديث جابر، باع هذا العبد المدبر الذي لم يكن له غيره، لم يكن له غيره، فهو لا يعتق إلا من الثلث، إلا من الثلث لا من رأس المال. قال: مسألة الخامس: المكاتب. تعريفه: الكتابة والمكاتبة لغة مأخوذة من كتب، بمعنى أوجب وألزم، كما في قول الله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ يعني ألزم وفرض ووجب. قال: وشرعا هي اعتاق العبد نفسه من سيده بمال يكون في ذمته يؤدى مؤجلا، يعتق العبد نفسه من سيده، هذا العبد المملوك يقول للسيد: أنا سأكاتبك على مبلغ معين، يتفق يتفق مع سيده على مبلغ معين، فيقول: سأدفعها لك، وإذا كمل هذا المبلغ صار العبد حرا. قال: فالمكاتب بفتح التاء هو العبد الذي علق عتقه بمال يدفعه لسيده، العبد المكاتب يسمى مكاتب، يقال له مكاتب بفتح التاء. قال: وبكسرها من تقع منه، يعني المكاتبة مكاتب، أي من تقع منه المكاتبة. قال: ثانيا: حكم المكاتبة ودليل ذلك، قال: الكتابة جائزة مستحبة، إذا طلبها العبد الصدوق المكتسب القادر على أداء المال الذي اشترطه عليه سيده، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قال: فهذه الآية يخبر الله سبحانه وتعالى أن من ابتغى الكتابة، يعني أراد أن يكاتب مما ملكت أيمانكم، أي من العبيد والرقيق، فكاتبوهم، أمر الله عز وجل بمكاتب، والأصل في الأمر أنه للوجوب، الأصل في الأمر أنه للوجوب، لكن قال جمهور أهل العلم: أن هذا الأمر للاستحباب، أن هذا الأمر للاستحباب. قال: ووجه ذلك أن العبد هو ملك للسيد، أن هذا العبد ملك للسيد، ولا يجبر الإنسان على إزالة ملكه، لا يجبر الإنسان على إزالة ملكه، فهو إن شاء أبقاه وإن شاء باعه وتصرف فيه، فيكون هذا الأمر للاستحباب، يعني يستحب لك أن تكاتبهم إذا كانوا على هذا الوصف وعلى هذا الشرط. قال: إن علمتم فيهم خيرا، يعني بهذا القيد يستحب للسيد أن يكاتب عبده إذا علم فيه خيرا، وفسر أهل العلم هذا الخير بالصلاح في الدين، وكذلك أيضا أن يكون مستطيعا للكسب، أن يكون مستطيعا للكسب. قال: ثالثا: من أحكام المكاتبة، يعتق العبد أو الأمة ويصيران حرين، متى أدى ما اتفق عليه مع سيدهما، لقوله صلى الله عليه وسلم: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم». والحديث أخرجه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني رحمه الله. قال: لا يعتق العبد إلا إذا أدى جميع كتابته، للحديث الماضي، يعني العنصل، قال: ولو بقي درهم، هو ما زال عبد، إذا لا يعتق إلا إذا أدى جميع ما عليه من الكتابة. قال: ولاء المكاتب يكون لسيده إذا أدى ما عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الولاء لمن أعتق». وهذا عام، وهذا عام، سواء كان عتقه، يعني بكتابة أو بغيرها. قال: على السيد أن يضع عن المكاتب شيئا من المال الذي كاتبه عليه، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال ابن عباس رضي الله عنه: ما في هذه الآية «وَآتُوهُمْ» قال: ضعوا عنهم من مكاتبتهم، ضعوا عنهم من مكاتبتهم، يعني تنازل عن شيء من الكتابة، من أموال الكتابة. قال: ويخير السيد بين وضعه عنه وأخذه منه ودفعه إليه، يعني مثلا إذا بقي من الكتابة مئة، يقول: خلاص تنازلت عن هذه المئة، وضعتها عنك، أو يأخذها منه، ثم يقول: خذها، يردها له. قال: يجعل المال على المكاتب منجما، نجمين فصاعدا، يعني مقسما في الفترة الفنية، مثلا يدفع كذا، والفترة التي بعدها يدفع كذا، وهكذا، يقسم عليه دفع هذا المال على حسن ما يتفقان عليه. قال: على أن تكون النجوم معلومة، ويعلم في كل نجم قدر المال المؤدى، يعني كم عليه أن يدفع في المرة الأولى، في النجم الأول، في النجم الثاني، في النجم الثالث. قال: ليس للمكاتب أن يتزوج إلا بإذن سيده، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر». يعني زاني، والحديث أخرجه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني رحمه الله. قال: ولا يتسرى كذلك إلا بإذنه، يعني إذا أراد أن يتسرى أو كذا، فيكون بإذن السيد، لأنه ما زال عبدا. قال: يجوز بيع المكاتب، وتبقى الكتابة عليه في يد مشتريه، فإن أدى ما عليه عتق، ويكون ولاؤه لمشتريه، لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة في قصة بريرة: «اشتريها وأعتقيها، فإن الولاء لمن أعتق». نعم، فعائشة اشترت بريرة، ودفعت لها ثمن أو قيمة المكاتبة، وصار ولاؤها لعائشة. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.