كتاب التفسير من صحيح البخاري 231

كتاب التفسير من صحيح البخاري 231

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 231، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قصة سلمان الفارسي وسعي السلف في طلب الحق

يروي المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أن الإيمان لو كان عند الثريا لناله رجال من الفرس، مستعرضاً رحلة سلمان الفارسي من عبادة النار إلى الإسلام عبر تنقله بين قسيسين نصارى. كما يسرد قصص زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وإسحاق بن إبراهيم الذين خرجوا من أوطانهم باحثين عن الحق بإخلاص فوفقهم الله للإسلام أو للسنة.

رحلات أهل الحديث في طلب العلم وجمع السنة

يسرد المقطع جهود علماء الحديث في السفر لمسافات شاسعة وتحمل المشاق لجمع الأحاديث النبوية، مستشهدين برحلة موسى عليه السلام. ويذكر أمثلة كجابر بن عبد الله وأبي حاتم والبخاري، مبيناً أن الله رفع ذكرهم وكرمهم في الدنيا والآخرة لصبرهم على طلب العلم.

محبة الله للعلماء ورفعتهم في الأرض

يذكر الحديث أن محبة الله لعبد تؤدي إلى محبة الملائكة له ووضع القبول له في الأرض، مما يدل على رفعة أهل العلم ومحبة الله لهم. لذا يكتفي المتحدث بهذا الحديث كدليل على مكانة العلماء وفضلهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، وهو مدني ثقة، قال: حدثنا عبد العزيز بن عزيز بن محمد الدراوردي، وهو مدني، وقيل له الدراوردي لأن أصله فارسي، وكان لما جاء إلى المدينة فإذا أراد أحد أن يدخل قال: "أندرا، أندرا"، أي: أدخل، فعرف بهذه الكلمة، فقالوا: أصلها "أندراورد"، لكن لأجل التخفيف قالوا: الدراوردي، فصار هذا الاسم لقبًا له، عبد العزيز الدراوردي. قال: أخبرني ثور، وثور هو ابن زيد الديلي كما تقدم، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لنا له رجال من هؤلاء»؛ أي: نفس الحديث، لما قيل للنبي عليه الصلاة والسلام في قول الله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: 3]، قال أبو هريرة: فقلت: منهم يا رسول الله؟ قال: «وفينا سلمان الفارسي»، ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان، وقال: «لو كان الإيمان عند الثريا، أو كان الإيمان عند الثريا»؛ أي: بعيد جدًا، «لناله رجال من هؤلاء»؛ أي: من أهل فارس، وقصد به سلمان ومن كان مثله في البحث عن الحق. وهذا يدل على أن من اجتهد وجاهد نفسه في البحث عن الحق فإن الله عز وجل يوفقه، فإن ربنا جل وعلا لا يضيع أجر المحسنين، فجل وعلا وعده صدق وحق، فإذا علم من العبد الصدق فإنه يوفقه سبحانه وتعالى. فإذا اجتهد العبد في البحث عن الحق فإن الله عز وجل يوفقه إلى ذلك الحق. فهذا سلمان جاء وخرج من أذربيجان، وقيل من هرمز، وقيل من غيرها، خرج من تلك البلاد البعيدة ما وراء النهر في سيبيريا، وجاء إلى الجزيرة، أولًا جاء إلى الشام، ثم جاء إلى جزيرة العرب، يفتش عن الحق، وتنقل من قسيس إلى قسيس من قسس النصارى، لأنه كان يرى أن الحق معهم، ولا يعرف مثلًا أين الحق، لكنه باجتهاد يوفقه الله، فكان فارسيًا يعبد النار، فلما رأى النصارى أعجبته عبادتهم، وهذه الفطرة التي جعلها الله عز وجل في قلبه، أنكر عبادة النار وأعجبه هؤلاء الذين يعبدون الله، لهذا كان ابن ملك، ابن ملك من ملوك الفرس، فرام هرمز، ملك، وكان سلمان ابنه، وكان يحافظ عليه حتى أنه يحبسه ويقيده، ثم أنه رأى النصارى فأعجبته عبادتهم، فقال: إذا رأيتم أحدًا... أو قال: أين هذا الدين الذي عندكم؟ قالوا: في الشام. فقال: إذا أراد أحد يذهب فاعلموني، فلما جاءت عير تريد الشام أعلموه، فخرج معهم، لكن مكروا به وباعوه لرجل يهودي في الشام، ثم إن هذا جاء عنده ابن عمه واشترى سلمان حتى جاء إلى المدينة، وهذا من توفيق الله عز وجل أنه صار عبدًا، بدلًا أن كان ابن ملك صار عبدًا، لكنه مشى في هذا الباب واجتهد حتى وفقه الله عز وجل بالنبي عليه الصلاة والسلام، وقصته مشهورة، رواها ابن عباس رضي الله عنه عن سلمان. وأما كذلك ممن بحث عن الحق: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، فقد خرجا من مكة إلى الشام يبحثان عن الحق، وأنكرا عبادة الأصنام، فذهبا إلى الشام، فأما ورقة فقد تنصر، وأما زيد بن عمرو لم يتنصر، وإنما سأل النصارى: هل دينكم هذا ينجي من النار؟ فقالوا: نعم، لكن فيه ما يقع في النار، أنا أصدقه، فقال: إنما فررت من النار، أنا ما أفر إلا أن لا أقع في النار وفي غضب الله، ورجع بعد ذلك، فقال له رجل من النصارى أو قسيس: إنه سيأتي... أو قد جاء وقت نبي ينزل في العرب، فاذهب واتبعه. فذهب زيد بن عمرو إلى مكة، ورجع إلى مكة، ولقي النبي عليه الصلاة والسلام خارجًا من مكة وهو داخل، والتقيا وكلمه، نكلم النبي عليه الصلاة والسلام أن هناك نبيًا في هذه الأمة سيخرج، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يدري أنه هو قبل بعثته عليه الصلاة والسلام، لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده يبعث أمة وحده». فهذا هم عالية في البحث عن الحق، وهكذا تجد أن من في السلف من خرج من بلاده يريد الحق فوفقه الله، فهذا إسحاق بن إبراهيم خرج وهو متعصب للحنفية، متعصب للرأي، لكن وفقه الله عز وجل علماء الحديث، وصار إمامًا في الحديث وإمامًا في السنة، وهكذا غيره، فكل من بحث عن الحق وصدق نيته وفقه الله عز وجل، وقد وفق جماعة أو جماعات من الناس للحق بسبب نيتهم الخالصة لله عز وجل. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء»؛ أي: من مثل سلمان الفارسي رضي الله عنه، فإنهم يبحثون عن الحق حتى يجدوه، حتى لو كان هذا الحق في مكان بعيد يذهبون إلى ذلك المكان حتى يتحصل على ذلك الحق والإيمان، فيوفقهم الله عز وجل لذلك. ومن ذلك أيضًا رحلة أهل الحديث، وإن كان رحلتهم للعلم لكنها داخلة في هذا الباب، فهم يرحلون لأجل العلم، لأجل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مسائل من مسائل العلم، فيوفقهم الله عز وجل، يقطعون الفيافي والقفار، ويتحملون المشاق في أسفارهم لأجل العلم، وقدوتهم في ذلك هو نبي الله موسى عليه السلام، كما قص ذلك ربنا جل وعلا في سورة الكهف. وكذلك توالت رحلة أهل الحديث حتى صارت سنة من سنن أهل الحديث، بل صارت سنة في هذه الأمة أنهم يرحلون لأجل العلم. رحل بعض الصحابة كجابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس في الشام لأجل حديث، ورحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى مصر إلى عقبة بن عامر لأجل حديث، وهكذا رحل العلماء من مكان إلى مكان، حتى أن بعضهم كما قال أبو حاتم: رحلت إلى المشرق، قال: فمشيت خمسة آلاف فرسخ وأنا أعد، ثم مللت من العد، خمسة آلاف فرسخ، الفرسخ ثلاثة أميال، معنى خمسة عشر ألف ميل، معنى تساوي الظاهر أكثر أو قرب أربع وعشرين ألف كيلو، أربع وعشرين ألف كيلو، أن هذا مسافة كبيرة جدًا مشاها رحمه الله، مشى هذه المسافة، وتعرضوا للموت، أبو حاتم تعرض للموت مرتين، ونفذ عليهم الطعام، وأيضًا مرة انخرقت عليهم السفينة وغرقوا في البحر، ونجاهم الله عز وجل، ومشوا بعد ذلك في الساحل مسافة بعيدة حتى مات من معه، ونجاه الله عز وجل بعد ذلك بسفينة جاءت من البحر أرسلها الله عز وجل لهم، فأما صاحباه فقد ماتا، وأما هو فأدركوه في آخر رمق، فأعطوه ماء وأخذوه معه، وغيرها من القصص التي تحصل، تجد عجائب تحصل لأهل الحديث بسبب أنهم يريدون الرحلة إلى شيخ معين، فيجدون من المشاق العظيمة في تلك الرحلات، بل بعضهم يمشي لأجل أن يتحصل على حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن تجد أن الله عز وجل رفعهم بذلك، رفعهم ورفع اسمهم وثناء عليهم إلى يوم القيامة. فهذا الإمام البخاري رحمه الله رحل إلى المشرق، وأكثر وقته كان في المشرق، وحصل علمًا عظيمًا، يذكر في كل مكان من أماكن العلم، وصيته ورفعته في الدنيا قبل الآخرة، وهو ولي من أولياء الله الذين اختارهم الله عز وجل لذب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهكذا كثير من العلماء صبروا على مر أو على مر الرحلات والغربة والسفر، لكن رفعهم الله عز وجل بالعلم، وهذه رفع في الدنيا تدل على الرفع في الآخرة كذلك، فإن الله عز وجل إذا أحب عبدًا نادى جبريل: يا جبريل إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، وينادي في الملائكة: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبونه الملائكة، ثم يوضع له القبول في الأرض، ثم يوضع له القبول في الأرض، فرفعة أهل العلم في الأرض تدل على رفعتهم ومحبة الله عز وجل لهم. فهذا إن شاء الله تعالى من يذكر في هذا الحديث، فنكتفي به، والله تعالى أعلم.