الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 278، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع حديث عائشة رضي الله عنها في فضل قارئ القرآن الحافظ له بأنه مع السفرة الكرام البررة، وأن القارئ المتعاهد له بصعوبة ومشقة له أجران: أجر التلاوة وأجر الاجتهاد. ويؤكد على مكانة أهل القرآن عند الله وشفاعتهم يوم القيامة، مع ضرورة العمل بالقرآن جنباً إلى جنب مع الحفظ والتلاوة.
يحذر المقطع من مجرد تلاوة القرآن دون تدبر وعمل به، مستشهداً بحال الخوارج الذين قرؤوا القرآن فلم يجاوز حناجرهم وكفّروا المسلمين بآيات نزلت في أهل الكتاب. ويؤكد أهمية التسديد والمقاربة في العمل بالكتاب والسنة، ووجوب فهم القرآن بفهم السلف الصالح لتجنب الضلال والتكبر والانحراف.
يشرح المقطع أقوال العلماء في آية ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ مبيناً أنها إما كفر دون كفر (فسق) أو كفر استحلال مخرج من الملة، مع تأكيد وجوب فهم الكتاب والسنة بفهم السلف. ويبرز فضل حفظ القرآن وتعاهده، مبشراً بأجرين لمن يتعلم قراءته بصعوبة، مستدلاً بتيسير الله للقرآن للذكر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا آدم، وهو ابن أبي إياس العسقلاني الكوفي، قال: حدثنا شعبة، وهو ابن الحجاج، أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي البصري، وهو أمير المؤمنين في الحديث، أول من فتش في الرجال في البصرة، وهو من أعرف الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في زمنه. قال: حدثنا قتادة، فهو ابن دعامة، أبو الخطاب السدوسي البصري، وُلد أكمه، أي أعمى، وكان حافظاً، أعطاه الله عز وجل حفظاً حتى سُمّي بالمصحف لكثرة حفظه ولشدة حفظه. قال: سمعت زرارة بن أوفى، وهو أيضاً بصري، يحدث عن سعد بن هشام، وهو سعد بن هشام بن الحارث القرشي، قال: عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ القرآن وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران». فهذا الحديث فيه فضل قراءة القرآن وحفظه، وتعلمون أن القرآن كلام الله جل وعلا، وهو أعظم الكلام وأعظم الذكر، ورتب الله عز وجل عليه الأجور العظيمة. قد أنزله الله عز وجل في هذا الشهر العظيم، شهر رمضان، الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. فأعطى الله عز وجل أجوراً عظيمة في القرآن، وقد ألفت المؤلفات في فضائل القرآن، ألف ابن الضريس في فضائل القرآن، وألف النسائي وغيرهم ممن ألف في هذا الباب، وألف الحافظ ابن كثير أيضاً وألف في فضل القرآن سماه التبيان، وكذلك النووي له التبيان، لكن التبيان للنووي فيه مسائل في كتاب القرآن، لكن الحافظ أكثره في فضائل القرآن. ومن هذه الأحاديث التي في الفضائل هذا الحديث، وهو في قراءته وكذلك في حفظه: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له»، وهذا صفة الحافظ أو القارئ. وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم قارئ القرآن والمؤمن أيضاً بالأترجة: طعمها طيب وريحها طيب. وهنا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الذي يحفظ القرآن ويقرأه قال: «مع السفرة الكرام البررة»، الذي يجيد قراءته وهو حافظ له، قال: «مع السفرة الكرام البررة»، أي مع الملائكة، وهذا أجر عظيم عند الله جل وعلا أنه جعله في صفة الملائكة، معناه أن صفته كصفة الملائكة، وصفة الملائكة عند الله عز وجل عظيمة. ولهذا جاء في حديث أنس عند أبي داود والنسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن لله من الناس أهلين، أهل الله، أهل القرآن هم أهل الله وخاصته». وأهل القرآن هم الذين يحفظون القرآن ويتلونه آناء الليل وأطراف النهار، ويعملون بما فيه، ويتدبرون آياته، ويكون القرآن مصاحبا لهم. فلهذا يسمى صاحب القرآن، يأتي صاحب القرآن يوم القيامة يشفع له، قال في الصحيحين: «يأتي صاحب القرآن يوم القيامة، تقدمه سورة البقرة وآل عمران، كأنهما غيايتان أو غمامتان أو طير صاف، يحاجان عن صاحبهما». فلهذا فحفظ القرآن عظيم، وتلاوته، والتدبر، وكذلك العمل بما فيه، لأن الحفظ والتلاوة بدون عمل قد تضر الشخص، لا بد أنه يعقد في نفسه العمل. وإن كان لا يستطيع الإنسان أن يعمل بكل ما في كتاب الله وما في سنة رسول الله، لكن يسدد ويقارب، فسددوا وقاربوا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، اعلموا أنكم لن تطيقوا كل ما أمرتكم به، فسددوا وقاربوا». لا بد من التسديد، فالمسدد الإنسان يجتهد، وأيضاً يعقد نيته على ذلك. أما أنه يتلو فقط كتاب الله ولا يعمل به، ولا أيضاً يتدبر آياته، أو لا يفهمه فهم النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، فهذا يضره. ولهذا الخوارج، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم»، لا يجاوز حناجرهم ولا يجاوز تراقيهم، «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمي». وقال النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً فيهم: «تحقرون صلاتكم عند صلاتهم وصيامكم عند صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمي». فهم أهل القرآن يقرؤون القرآن، لكنهم يفهمونه بأفهامهم، لا يعملون لما عمل به النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فأضلهم الله. ولهذا جاء عند أحمد أن رجلاً جاء إلى عمر رضي الله عنه، وكان عنده عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال: هذا الرجل يا أمير المؤمنين قد حفظ القرآن عندنا كذا وكذا. فقال ابن عباس: وما عساه من يحفظ؟ قال: فنظر إلي عمر، يقول ابن عباس: فنظر إلي عمر فاستحييت، ثم ذهبت ولم أستطع أن آتيه، فأرسل إلي، أي أرسل إليه عمر، قال: فجئت، فقال: يا ابن عباس، ما حملك على قولك هذا، ما حملك على تقول هذا الكلام؟ فقال ابن عباس: إنهم إذا قرأوا القرآن خفروا، وإذا خفروا بطروا، أو قال طغوا. خفروا: معنى تكبروا. معنى: إذا قرأوا القرآن ولم يفهموه ولم يعرفوا معانيه فإنهم يتكبرون، وكذلك بعد ذلك يبطروا ويخرجوا على الفهم الصحيح. وهذا الذي حصل للخوارج، يقرؤون القرآن ويحفظونه، لكن ظنوا أنهم يعرفون معانيه ويعرفون فقهه، فأخذوا آيات من كتاب الله وحملوها على ما فهموه هم، مثل قول الله عز وجل: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. وما جاء في حديث عبد الله بن عمر عن نافع في البخاري، قال: أنهم جاءوا إلى آيات نزلت في أهل الكتاب، لأن هذه الآية نزلت على الصحيح في اليهود، نزلت في أهل الكتاب، فحملوها على المسلمين: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. والله عز وجل عن اليهود، كما في أحد التفاسير، هذه الآية كما ذكر شيخ الإسلام، فالسلف عندهم هذه الآية حملوها على معنيين، لم يحملها أحد على ظاهرها أبداً إلا الخوارج، وكذلك أيضاً السرورية الآن وهم أتباع الخوارج، يحملون هذه الآيات على ظاهرها، فكل من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، ومن عموم معنى «من» أداة العموم، ولم كذلك، فمن لم يحكم بما أنزل الله فهذا يعم كل من جاء، من كان له الحكم فلم يحكم، حتى رب الأسرة لو أنه لم يحكم أو لم يحكم أبناءه بكتاب الله وهو داخل في هذه الآية. فلما فهم العلماء والصحابة رضي الله عنهم هذا الفهم، عرفوا أن الآية ليس المقصود منها ظاهرها، فقال ابن عباس: ليس الكفر الذي تذهبون إليه. وإن ضعف بعض السرورية مثلاً قول ابن عباس: كفر دون كفر، لكن لم يستطيع أن يضعف هذا الأثر، لما قال ابن عباس: ليس الكفر الذي تذهبون إليه. وكذلك قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إجماع العلماء على أن هذه الآية فسرت بمعنيين: إما أن يقال أنه كفر ليس مخرجاً من الملة، أو يقال أن هذا الكفر المعنى به هو كفر الاستحلال، وأن هذه الآية نزلت في الكفار، فمن استحل كاستحلال الكفار فهو كافر مثلهم. ولهذا وقد جاءت الأدلة أيضاً في صحيح مسلم على حديث البراء وغيره أنها نزلت في أهل الكتاب، فالمراد بهم اليهود. هؤلاء معنى يصفهم الله عز وجل أنهم ما يحكمون كتاب الله بل يحرفونه، وأيضاً يتخذونه على أهوائهم، فلذلك قال الله عز وجل: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، أي هؤلاء الكفار واليهود والنصارى. أما إذا فعل المسلم هذا الفعل، فينظر في فعله: إن كان يريد أن حكم غير الله عز وجل أفضل من حكم الله، أو أنه يجوز حكم غير الله عز وجل، أو غير ذلك من هذه الأمور، فهو يدخل في الاستحلال، فيحكم عليه بالكفر. أما إذا كان يعرف أن حكم الله واجب عليه، سواء كان إماماً من أئمة المسلمين، أو ممن راعي أسرة، أو مسؤول في شيء من الدوائر الحكومية أو شركات، كل ذلك، كل هؤلاء يدخلون في هذه الآية، كل من له رعية وحكم يدخل في هذه الآية، فإن حكم بهواه فإنه لا يكفر لكنه يفسق، إن حكم بهواه وترك حكم الله جل وعلا. فلما عرف أولئك كتاب الله وأنه لا بد أن يفهم بما فهمه النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، فسروه بما فسره أولئك، وأما هؤلاء الخوارج وغيرهم خرجوا عن ذلك، بل أهل البدع جميعاً تجد أنهم خرجوا عن فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعليه وسلم، عن فهم السلف، فهموا بأفهامهم، فلذلك ضلوا. وفي هذا الحديث كما قلنا فيه أيضاً أن من حفظ القرآن وقرأه فهو مع سفر الكرام البررة، وهي منزلة عظيمة كما قلنا، والذي يقرأ القرآن وهو يتعاهده، تعاهده معناه: دائماً يقرأه ويراجع، ويحاول أنه يستطيع أن يقرأ، ولو لم يقرأ، أو لم، مثلاً عنده القراءة صعبة وشديد، يتعلم القراءة ويتدرب على القراءة حتى يعرف يقرأ. وسبحان الله، إن الله عز وجل يسر القرآن، تجد الرجل ما يعرف يقرأ، أي ما تعلم ولا يستطيع أن يكتب، لكن يستطيع أن يقرأ القرآن، يستطيع أن يقرأ القرآن بالتعلم أو بالسماع، وكثير من الإخوة تجد أنه ما تعلم، لكن بسماعهم القرآن قرأوا القرآن، وأحياناً تجد أنهم يقرأون قراءة متقنة قد لا يخطئ فيها، وتجد أنه إذا قيل له: اكتب اسمك، ما يستطيع، أو بعضهم العجب أنه يقال له: اقرأ المكتوب، ما يستطيع يقرأ، لكن القرآن يقرأه بقراءة سلسة، وهذا من تيسير الله عز وجل لكتابه العظيم. فلذلك مثل هذا الذي يريد أن يتعلم القرآن يقرأ، ويأتي إلى من يقرأه القرآن، ويستعين بالمدرسين وغيره، حتى بعد أشهر، بعد سنة، بعد سنتين، بعد أكثر، تجده أنه يضبط كتاب الله جل وعلا ويضبط قراءته، وهذا فضل عظيم، فربنا جل وعلا أعطاه أجرين، هذا الذي يقرأ القرآن وهو يتعتع فيه، كما جاء في بعض الروايات: وهو شديد عليه، أو وهو شاق عليه، فهذا يعطيه الله عز وجل أجرين: أجر القراءة، وأجر الاجتهاد والمشقة، وأجر الاجتهاد والمشقة حتى يصبح مثل الأول مع السفرة الكرام البررة. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.