التعليق على كتاب الوصية الكبرى 12

الدرس في التعليق على كتاب الوصية الكبرى 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الشفاعة ملك لله وحده وبيان بطلان طلبها من غير الله

يشرح المقطع أن الشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله، وأن من يُدعى من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ولا شركاً في الملك ولا ظهيراً لله. ويبين أن طلب الشفاعة من القبور أو الأنبياء أو غيرهم شرك أكبر، والصحيح طلبها من الله بالأسباب الشرعية كالدعاء بعد الأذان والصيام والقرآن.

تحقيق التوحيد والتحذير من الشرك اللفظي

يؤكد المقطع أن عبادة الله وحده هي أصل الدين ودعوة جميع الرسل، محذراً من صرف أي عبادة لغيره. يستعرض أمثلة للشرك اللفظي مثل قول "ما شاء الله وشئت" و"ما لي غير الله وأنت" والحلف بغير الله، مبيناً أنها تُعد شركاً لمساواتها مشيئة المخلوق بالخالق.

خطر الحلف بغير الله وأنواع الشرك فيه

يبيّن المقطع أن الحلف بغير الله شرك، قد يكون أصغر لفظياً إن خلت القلب من التعظيم، ويصير أكبر مخرجاً من الملة إذا قام بالقلب تعظيم للمخلوق كتعظيم الخالق. وينقل أقوال العلماء والأحاديث المحذرة من الحلف بالأمانة والآباء والكعبة والأولياء، مؤكداً وجوب التوبة من الشرك صغيره وكبيره.

النهي عن السجود لغير الله واتخاذ القبور مساجد

يوضح المقطع أن السجود لغير الله كفر وشرك، وينقل نهي النبي صلى الله عليه وسلم لقيس بن سعد ومعاذ بن جبل عن السجود له. ويبين أن بناء المساجد على القبور من فعل اليهود والنصارى وسداً للذرائع المؤدية للشرك، وسيُفصل هذا الموضوع في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

رحمه الله تعالى، وكلام على الغلو. قال: وقال طائفة من السلف: كان أقوى والملائكة. وقال الله لهم: هؤلاء الذين تدعون يتقربون إليه كما تتقربون إليه، ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي. وقال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾. فأخبر سبحانه أن من يدعى من دونه ليس له مثقال ذرة من الملك، ولا شرك، وأنه ليس له من الخلق عون يستعين به، وأنه لا تنفع الشفاعة عنده إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. فهذه أربعة أمور مذكورة في الآية تدل على ضعف الشركاء الذين يدعون من دون الله عز وجل. فالله سبحانه وتعالى قال: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ ﴾، لا يملكون مثقال ذرة. أولا: ليس لهم من الملك شيء، لا في السماوات ولا في الأرض، فهم لا يملكون شيئا، بل الملك لله سبحانه وتعالى وحده. ثم قال سبحانه: ﴿ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ ﴾، أيضا ليسوا شركاء مع الله سبحانه وتعالى في الملك، بل الملك له وحده جل وعلا. ﴿ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ﴾، أي أن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى معين، لا يحتاج إلى معين، بل هو الغني وهو القادر سبحانه وتعالى. هذه ثلاثة أمور. ثم قال: ﴿ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾. فكيف تطلب من غيره سبحانه وتعالى؟ إذا كان ذلك الذي يدعى من دون الله لا يملك الشفاعة، فهو محتاج إليها، ولا تنفع الشفاعة عنده سبحانه إلا لمن أذن له. ما يستطيع أن يشفع لك إلا بإذن الله. إذا رضي الله عز وجل عنه وأذن له في الشفاعة، فإنه يقوم فيشفع، ثم رضى الله عن المشفوع. لأن هناك من لا تجوز الشفاعة له، كما قال سبحانه: ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾. ليس لهم يوم القيامة الشفعاء. الكفار لا يشفع لهم، ولا تقبل الشفاعة فيهم. لهذا ينبغي الوقوف عند الأدلة الشرعية. فمثل هذا الدليل العظيم فيه تبكيت لأولئك الذين يعبدون الأحجار والأشجار والأولياء والأنبياء والملائكة والجن والقبور ونحو ذلك. قال: ثم قال تعالى: ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ﴾. فأولئك الذين طلبوا من القبور، أو طلبوا من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الشفاعة، يطلبون ماذا منهم؟ الشفاعة. حتى ينادونهم: يا فلان، أريد شفاعة. يذهب إلى القبر ويطلب منه الشفاعة، أي أن يشفع له. ولا يعلم حال هذا الميت: أهو من الذين قد سبقت لهم الحسنى عند الله سبحانه وتعالى، وأن الله قد غفر له ذنوبه ورحمه، وسيجزيه سبحانه؟ فشفاعة كل هذا من علم الغيب الذي ما يعلمه الإنسان. فكيف يطلب من هذا صاحب القبر الذي لا يملك الشفاعة؟ أو تطلب من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ لكن الشفاعة تطلب من الله جل وعلا، وأنت تعمل بأسباب الشفاعة التي أمرك الله عز وجل بها، وأمرك الرسول عليه الصلاة والسلام بها. مثل أن تقرأ الدعاء بعد الأذان، إذا جيبت ذلك الدعاء العظيم: «اللهم آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا». هذا الدعاء إذا قلته مع الصلاة عليه الصلاة والسلام، قال الرسول: «حلت له الشفاعة». تنال الشفاعة من الله عز وجل بأسبابها. وهكذا أيضا في السجود، وفي الصيام، وفي القرآن. هذه أسباب تجعلك يوم القيامة تنال الشفاعة. فالله سبحانه وتعالى جعل لهذه الشفاعة أسبابا، فأنت تعمل لأجل نيل الشفاعة، والشفاعة لله: ﴿ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ﴾. فإذا أراد الله أن يكرمك ويرفعك ويجعلك من أهل الجنة، فإن الله عز وجل يأذن فيمن يشفع فيك، يأذن فيمن يشفع فيك من الأنبياء، أو من الأولياء والصالحين، أو من أهلك ممن رضي الله عز وجل عنهم، فتنال الشفاعة. لكن احرص على أنك تعمل بالأسباب المؤدية إلى الشفاعة العظمى يوم القيامة. كل الناس محتاجون إلى هذه الشفاعة، لكن لا تطلبها من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اطلبها من الله: «اللهم فشفعه في». هكذا علم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك الأعمى، قال: «اللهم فشفعه في، تقبل شفاعته في». فأنت كذلك تريد أن الرسول يشفع لك يوم القيامة، اطلبها من الله سبحانه وتعالى، لأن الشفاعة لا يملكها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الشفاعة ملك لله، لكن الله عز وجل يأذن للرسول صلى الله عليه وعلى وسلم فيقول: «يا محمد ارفع رأسك وسل تعطى، واشفع تشفع». إذن الشفاعة ملك لمن؟ لله سبحانه وتعالى، يعطيها ويكرم بها من يشاء من عباده. وإن مما أكرم الله عز وجل بها نبيه صلى الله عليه وسلم هو ذلك المقام المحمود: ﴿ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ﴾، وهو ذلك المقام المحمود. سيبعثه الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد. يوم يذهبون إلى آدم، يذهبون إلى نوح، يذهبون إلى إبراهيم، يذهبون إلى موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، فكل واحد يقول: نفسي نفسي، إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قط، ولا يغضب بعده مثله. كل واحد يقول: نفسي نفسي. يذهبوا إلى فلان، حتى يقولون: اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول عليه الصلاة والسلام: «أنا لها، أنا لها». قال: «فأخر ساجدا، فيعلمني ربي من محامد وحسن الثناء عليه، ويثني على الله عز وجل، ويعلمه الله عز وجل كيف يثني عليه وكيف يحمده». هذا في الموقف المشهود. ثم يقول له الله عز وجل: «ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع». يريد الله أن يكرم النبي عليه الصلاة والسلام، ويبين منزلته يوم القيامة أمام الخلائق كلها. فأنت تطلبها من الله سبحانه وتعالى: «اللهم فشفع في نبيك يوم القيامة»، لأن الذي يملك الشفاعة هو الله سبحانه وتعالى. قال: وقوله تعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ﴾. يعبدون الأحجار التي ما تنفع ولا تضر، ويقولون فيها: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾. إذن طلب الشفاعة ممن لا يملك شرك أكبر، شرك أكبر. ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾. هذه ما تنفعكم، هذه ما تقربكم إلى الله سبحانه وتعالى، بل الذي يرفعكم، والذي يزيل عنكم الضر ويجلب لكم النفع هو الله سبحانه وتعالى. فاطلبوه وحده، وادعوه وحده سبحانه وتعالى. احذروا من أن تصرفوا شيئا من العبادات لغيره، لغيره، تطلبوا شيئا من غيره في شيء لا يقدر عليه إلا هو سبحانه وتعالى، كالشفاعة، فإنه ملك له، وهو سبحانه وتعالى يؤتيها لمن يشاء ويرضى. قال: وعبادة الله وحده لا شريك له، هو أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب. قال تعالى: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾. هذه دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، الدعوة إلى التوحيد. كل رسول بعثه الله في قومه: اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره. كل هذه الآلهة باطلة التي تعبدون من دون الله عز وجل. اعبدوا الله وحده لا شريك له. فهذا أصل الدين، هذا هو الأساس الذي ينبغي أن يهتم به كل مسلم ومسلمة، في الدعوة إليه، وهو الدعوة إلى التوحيد والحرص عليه. يتعلم أمور التوحيد حتى لا يقع في الشرك بالله سبحانه وتعالى الذي هو يناقض التوحيد. فأنت لا بد أن تعمل بهذا الأمر، وهذا الأصل العظيم الذي دعت إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام. فالعقيدة لا بد لنا جميعا أن نهتم بها، لا يسعنا أن نكون جاهلين في أمور العقائد. فانظروا كم من مباع في هذه المسائل العظيمة في العقيدة يجهلها كثير من الناس. يقعون في الشرك اللفظي، بعضهم يقع في الشرك اللفظي، وبعضهم يقع في الشرك الفعلي العملي، والله المستعان. والنبي عليه الصلاة والسلام منذ أن بعثه الله إلى أن مات صلى الله عليه وسلم كان يدعو إلى التوحيد، ويحذر أمته من الشرك. لهذا قال رحمه الله: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق التوحيد ويعلمه أمته. حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت. ما شاء الله وشئت. قرن المشيئة، مشيئة الرسول بمشيئة الله. ما شاء الله وشئت. ف الواو لمطلق الجمع، الواو في اللغة لمطلق الجمع. فهذا جمع بين المشيئتين، فجعل مشيئة الرسول عليه الصلاة والسلام كمشيئة الله. ما شاء الله وشئت. فهل سكت صلى الله عليه وسلم؟ لا، النبي عليه الصلاة والسلام أنكر عليه، فقال له: «أجعلتني لله ندا؟» أجعلتني لله ندا؟ الند هو ماذا؟ هو المثيل والنظير. تجعلني نظير الله ومثيل الله سبحانه وتعالى في المشيئة؟ بل ما شاء الله وحده. هكذا قال له عليه الصلاة والسلام: «بل ما شاء الله وحده». ومشيئة كاملة التامة لله سبحانه وتعالى. وهذا الحديث قد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب، وابن ماجة، وجماعة، وصححه الألباني رحمه الله. وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده، ما شاء الله وحده». إذن من الشرك اللفظي، من الشرك اللفظي أن يقول الإنسان: ما شاء الله وشاء فلان، ما شاء الله وشاء فلان. لكن عليه أن يقول: ما شاء الله ثم شاء فلان. التي هي للتراخي والتعقيب، وتكون هذه المشيئة الثانية غير المشيئة الأولى. ثم ما شاء فلان، التي تدل على التغاير، وأن مشيئة العبد ليست كمشيئة الله سبحانه وتعالى. وهذا الحديث: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد»، جاء من حديث الطفيل بن صخر الدوسي رضي الله تعالى عنه، في رؤية رآها في المنام. أنه يأتي نفرا من اليهود وهم جلوس، فقال: «إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، تشركون. أنتم القوم، لكنكم تقولون هذا الشرك، وهو أن العزير ابن الله». قالوا له: «وأنتم، أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد». قال: ثم مر على نفر من النصارى، فقال: «إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تشركون وتقولون: المسيح ابن الله». فردوا عليه، قالوا: «وأنتم لأنكم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد». قال: فأخبر بها من أخبر، طلع الصباح، فأخبر بها من أخبر، ثم أتى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، إني رأيت رؤيا، فقص عليه. فقال: «هل أخبرت بها أحدا؟» قال: نعم. فقام النبي صلى الله عليه وعلا وسلم، جر رداءه، قام خطيبا في الناس: «أما بعد، أيها الناس، إن الطفيل قد رأى رؤيا». هنا التنبيه على أمر العقيدة. «إن الطفيل قد رأى رؤيا، وقد أخبر بها من أخبر منكم، وإنه كان يمنعني، وإنكم لتقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم من أن ننهاكم عنها». قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده». هكذا علم النبي عليه الصلاة والسلام أنهم يقولون: ما شاء الله وحده، ولا يذكروا هذا. يقول الشيخ الألباني رحمه الله تعالى بعد ما ساق هذا الحديث في السلسلة الصحيحة: «قالوا: بهذا الحديث أن قول الرجل لغيره: ما شاء الله وشئت، يعد شركا في الشريعة، وهو من شرك الألفاظ، لأنه يوهم أن مشيئة العبد في درجة مشيئة الرب سبحانه وتعالى، وسببه القرن بين المشيئتين». مثل ذلك قول بعض العامة، يدل على أن بعض العامة يأتي بألفاظ شركية، وأشباههم ممن يدعي العلم: «ما لي غير الله وأنت». بعض العامة يقول هذا: «ما لي إلا الله وأنت». إذن جاء بالواو: «ما لي غير الله وأنت». هذا شرك لفظي. «وتوكلت على الله وعليك». ومثله قول بعض المحاضرين، حول الذين يدعون الثقافة، وأنهم مثقفون، يأتي في مجلس أمام الناس ويحاضرهم، أو في لقاء ويحاضرهم، ويقول: «بسم الله والوطن»، أو «بسم الله والشعب». هذا من الشرك اللفظي. «بسم الله والشعب»، «بسم الله والوطن». هذا قول بعض المحاضرين جهلة بدين الإسلام. قال: «ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي يجب الانتهاء عنها والتوبة منها، أدبا مع الله تبارك وتعالى». انتهى كلام الألباني رحمه الله. قال: ونهى عن الحلف بغير الله، فقال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». وقال: «من حلف بغير الله فقد أشرك». أيضا مجاوزة الحد في الألفاظ، أن الشخص إذا حلف، يقول في حلفه: «بأن يحلف بغير الله عز وجل». يحلف بالمخلوق، يعظم ذلك المخلوق. فالحلف فيه تعظيم بالمقسم به. أنت لما تقول: والله، يعني أنك عظمت الله سبحانه وتعالى إذ تحلف به، يدل علىك عظيم. ولهذا صارت اليمين تقال عند المخاصمة. إذا شخص أخذ عليك حقا، أو تكلم فيه، أو كذا، وخاصمته إلى القضاة، فماذا يطلب منه؟ لا بينة، يقول: أعط اليمين، أقسم بالله عز وجل. فيرتعد ذلك الذي في قلبه خوف، يقول: لا، أنا ما سأقسم، فيفتضح. لأن اليمين عظيمة، ويخاف أنه إن كذب في يمينه أن الله عز وجل يعاقبه في الدنيا قبل الآخرة. فهي من اليمين الغموس التي توجب لصاحبها النار يوم القيامة. لهذا يحرص المسلم على أنه ما يحلف، ولا يقول الحلف إلا وهو متأكد من الشيء، أنه وقع، وأن الشخص قال ذلك فعلا، وفعل ذلك، وإلا ستكون يمين كاذبة. فالحلف يدل على تعظيم المحلوف به، أو المقسم به. ولهذا صار من حلف بغير الله عز وجل مشركا. وهذا يعده العلماء من الشرك الأصغر، إلا إن كان في قلبه تعظيم هذا المحلوف به، هذا المخلوق الذي حلف به، كتعظيمه لله عز وجل، صار شركا أكبر. فمن قال مثلا: والكعبة، هذا شرك، شرك لفظي أصغر، إلا أن عظم هذه الكعبة مثل ما يعظم الله سبحانه وتعالى، ويجعلها مع الله سبحانه وتعالى شريكا. وكذلك من يعظمون هؤلاء الأولياء، كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في غير ما موضع، أن بعضهم إذا قيل له: احلف بالله، حلف، لا يبالي. وإذا قيل له: احلف بذلك الولي الفلاني، أبى، أبى. لماذا؟ لأنه يخاف، يعظم ذلك المحلوف به، يقول: ربما إذا حلفت به فإنه يحصل لي شيء، سيصيبني شيء من هذا الولي. فهذا يكون شركا أكبر. وقد يصل الحلف بغير الله إلى الشرك الأكبر، عندما يقوم قائم التعظيم في القلوب للمحلوف به. فهذا تعلم خطر الحلف بغير الله، فهو بين أمرين: بين الشرك الأصغر، وبين الشرك الأكبر. والشرك محبط للعمل، صغيره وكبيره. أما الشرك الأصغر فإنه محبط لذلك العمل، ولا يجازى عليه صاحبه. وأما الشرك الأكبر فإنه محبط لجميع الأعمال. وتجب التوبة من الاثنين: من الشرك الأصغر، ومن الشرك الأكبر. فهما خطيران. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾. فانظر إلى خطورة الشرك، ما يغفر الله عز وجل لهذا الذي أشرك مع الله سبحانه وتعالى. لهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام. كانوا في الجاهلية يحلفون بالآباء: «وآبيك». يحلف، يقول: «وآبيك». بعضهم يقول: «ورأس بوي». الآن هذا انتشر: «ورأس بوي». كيف «ورأس بوي»؟ تحلف برأس أبيك. ولهم حلف عند الباعة، إلا من رحم الله: «أمانة». يحلف بالأمانة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من حلف بالأمانة فليس منا». حديث بريدة في السنن: «من حلف بالأمانة فليس منا». أمانة هذا بكذا، يظن نفسه أن هذا سيصدقه، وأن هذا الحلف أكيد، أن هذا الشيء بكذا وكذا. ولو قال: والله، حلف بالله سبحانه وتعالى، لسلم وبرئ، إن كان صادقا. ولهذا جاء قول ابن مسعود: «لأن أحلف بالله كاذبا، أيسر أو أهون من أن أحلف بغيره صادقا». لأن الحلف بغير الله شرك. وهذا الحلف بالله كاذبا معصية، حلف بالله كاذبا معصية، لا تصل إلى الشرك، فهو حلف بالله، عظم الله، لكنه كاذب، فهو مرتكب لكبيرة. لكن من حلف بغير الله عز وجل، حلف بالمخلوق، هذا مشرك، شرك أصغر. والشرك الأصغر هذا أرفع في الإثم والعقوبة من ماذا؟ لأنه محبط، من ذلك الذي حلف بالله كاذبا. هذا جاء من أجل التحذير من الشرك، وليس معناه استسهال الحلف بالله عز وجل كاذبا. وإنما مراد ابن مسعود التحذير من أن يحلف الإنسان بغير الله عز وجل، كالذين يحلفون بالشرف والأمانة، وأيضا الكعبة، أو الرسول، أو الآباء، أو نحو ذلك. النبي عليه وسلم نهى عمر، قال له وهو في سفر من الأسفار، كان مع النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يحلف بأبيه، فنهاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». وهذا الحديث الذي ذكره شيخ الإسلام، وهو حديث ابن عمر: «من حلف بغير الله فقد أشرك». الألباني رحمه الله تعالى صححه في مواضع من كتبه، كالإرواء والصحيحة وصحيح الجامع، ذكر له شواهد يحسن بها ويصحح بها، جزم بصحته. وأما شيخنا مقبل رحمه الله تعالى فقد ضعفه في أحاديث معلى، حديث معلى، والعلة فيه ما ذكره الإمام البيهقي رحمه الله تعالى، من أن هذا الحديث لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر، وأن هناك واسطة بينهما، وهو محمد الكندي، وهو مجهول، كما قال أبو حاتم رحمه الله تعالى، والعلم عند الله. ثم قال: وقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». هذا من حديث عمر في البخاري. هنا إذا ذكرها الألباني رحمه الله تعالى عن الإمام الطحاوي، قال الطحاوي: «لم يرد به الشرك الذي يخرج من الإسلام، حتى يكون به صاحبه خارجا من الإسلام». هذا في الحلف بغير الله: «من حلف بغير الله فقد أشرك». لم يرد به الشرك المخرج من الملة، لأنه شرك أصغر، والشرك الأصغر لا يخرج صاحبه من الملة. قال: «ولكنه أراد أنه لا ينبغي أن يحلف بغير الله تعالى، لأن من حلف بغير الله تعالى فقد جعل ما حلف به محلوفا به، كما جعل الله تعالى محلوفا به، أي ساوى بين المخلوق والخالق، وبذلك جعل من حلف به، أو ما حلف به، شريكا فيما يحلف به، وذلك أعظم، فجعله مشركا بذلك شركا غير الشرك الذي يكون به كافرا بالله تعالى، خارجا عن الإسلام». قال الألباني: «يعني والله أعلم أنه شرك لفظي، وليس شركا اعتقاديا». يعني إذا كان مجرد لفظ فهو شرك أصغر، وإذا قام بالقلب في الاعتقاد تعظيم، فإنه يصير أكبر. قال: «والأول تحريمه من باب سد الذرائع، والآخر محرم لذاته». الشرك محرم، الشرك محرم، لا يجوز، ينبغي على المسلم أن يحذر من الشرك، صغيره وكبيره. قال شيخ الإسلام: «لهذا اتفق العلماء على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق، كالكعبة ونحوها». ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السجود له أيضا، من الغلو في المخلوق أن يسجد له. الآن كل هذا في باب ماذا؟ في باب الغلو. يذكر الآن أن من الناس من غلا في الشخص حتى جعله إلها، ومن الناس من يغلو في شخص فيحلف به، يحلف بالمخلوق، ومن الناس من ماذا يفعل؟ يسجد لذلك المخلوق. قال عليه الصلاة والسلام: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن». جاء من حديث أبي هريرة، وجاء من حديث عائشة في قصة معاذ أيضا. وقال لمعاذ بن جبل: «وهنا لعل شيخ الإسلام نقله من حفظه». وإنما قوله عليه الصلاة والسلام كما سيأتي: قوله لقيس بن سعد: «أرأيت لو مررت بقبري، أكنت ساجدا لي؟» قال: لا. قال: «فلا تسجد لي». هذه الرواية في ضعيف أبي داود، وعطاها الألباني رحمه الله، وهي ضمن حديث أن قيس بن سعد أتى، ووجد، يعني أتى الشام، ووجد، أتى العراق الحيرة، ووجد هؤلاء يسجدون للمرزبان، وهو كبير القوم من الفرس، وجدهم يسجدون، فقال في نفسه: نحن أحق بالسجود لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رجع، قال: يا رسول الله، رأيت في الحيرة قوما يسجدون لملوكهم، فنحن أحق بالسجود لك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لو مررت بقبري، أكنت ساجدا لي؟» يعني وجدت قبري وأنا ميت، تسجد لي؟ قال: لك هذه الرواية ضعيفة. لكنه عليه الصلاة والسلام قال له: الرواية الصحيحة: «إنه لا يسجد، لا يسجد لأحد غير الله عز وجل». ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، من عظم حقه عليها. فإذن السجود للمخلوق كفر وشرك، لا يجوز، لا يجوز لهذا. النبي عليه الصلاة والسلام نهى قيس بن سعد، ونهى معاذ بن جبل أن يسجد له، مع أنه عليه الصلاة والسلام معظم عند الله سبحانه وتعالى، وهو نبي هذه الأمة، وسيد ولد آدم. لكن لا يجوز أن يسجد له، ويرفع هذه المنزلة التي هي لله سبحانه وتعالى، بأن يسجد له. السجود لله عز وجل وحده لا شريك له. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم لأجل هذا عن اتخاذ القبور مساجد. لماذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن اتخاذ القبور مساجد؟ الآن في قوم يفعلون على القبور مساجد، إما بأن يبنوا على هذا القبر مسجدا، ويجعلون القبر في الوسط، أو في آخر المسجد، أو يبنون عليها القباب، ويصلون عندها وفيها، هذه القبور. هذا من فعل اليهود والنصارى، كما أخبر عليه الصلاة والسلام، وليس من فعل أهل الإسلام. لماذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام؟ سدا للذرائع. لأن أولئك الذين يسجدون لهذه القبور، عظموها، عظموها. والسجود للقبور لا يجوز، بل السجود لله سبحانه وتعالى وحده. وهذا فصل عظيم سيأتي إن شاء الله ذكره في الدرس القادم، وهو مسألة السجود عند القبور، وبناء المساجد عليها. في كلام طويل لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر