كتاب التفسير من صحيح البخاري 285

كتاب التفسير من صحيح البخاري 285

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 285، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية «لتركبن طبقا عن طبق» في صحيح البخاري

يورد البخاري باب «لتركبن طبقا عن طبق» وينقل إسناداً إلى مجاهد عن ابن عباس مفسراً الآية بأنها «حالا بعد حال»، مع ذكر اختلاف القراءات في فتح أو ضم الباء. كما ينقل تفسير ابن مسعود بأن المراد بها أحوال السماء من التغير والتشقق والاحمرار والانفطار.

مراحل خلق الإنسان وتدرج أعماره في تفسير «لتركبن طبقا عن طبق»

يفسر المقطع الآية بأنها تشير إلى أطوار خلق الإنسان من نطفة إلى الشيخوخة، مستعرضاً المصطلحات العمرية الدقيقة لكل مرحلة. ويؤكد أن القسم الإلهي يدل على انتقال الإنسان التدريجي من حال إلى حال طوال حياته.

دلالة أطوار الخلق وأهوال القيامة على البعث

يستدل المقطع بتدرج الإنسان في أطوار الخلق (طابقا عن طبق) على قدرة الله على إعادته بعد الموت، ويذكر تفسيرين: الأول يتعلق بمراحل النشأة البشرية، والثاني بأهوال يوم القيامة ومراحله من الحشر والحساب والصراط والحوض كما رتبه ابن تيمية. بذلك يجمع بين دلالة الخلق ودلالة البعث في آية واحدة.

أهوال يوم القيامة وطبقات أحوال الإنسان

يتحدث المقطع عن الأهوال العظيمة التي ذكرها الله يوم القيامة، وكيف يمر الإنسان بحالات متتالية في الدنيا. وينقل عن ابن عباس قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم هو من يذكر الله تعالى علمه، مما يدل على فضل الذكر والعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب لتركبن طبقا عن طبق». قال: حدثنا سعيد بن النضر، قال: أخبرنا هشيم، وهو بشير الواسطي، قال: أخبرنا أبو بشر جعفر بن إياس، وابن أبي وحشية الكوفي، عن مجاهد، وهو ابن جبر، إمام أهل مكة في التفسير، قال: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾: حالا بعد حال. قال: هذا نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد جاء هذا التفسير عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم: حالا بعد حال. بعضهم فسرها على قراءة فتح الباء: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾، وهي قراءة ابن كثير، وأما أكثر القراء فقد قرؤوا بضم الباء، وأيضا كذلك قرأها كثير بالضم: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾. معنى خطاب للأمة، خطاب لهذه الأمة: تركبن طبقا عن طبق، يعني حالا بعد حال. وفسرها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن المراد بها السماء، تصير مرة كالمهل، ومرة تتشقق، ثم تحمر، ثم تنفطر. وفسرها ابن عباس وغيره على طبقات الخلق، معنى طبقات الخلق: معنى يصير أولا نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم خلقا، ثم جنينا، ثم بعد ذلك يخرج من بطن أمه طفلا، ثم يصير شابا، ثم أيضا بعد الشباب الهرم أو الكهولة، أقصد بعد الشباب. واختلفوا في الكهولة، والصحيح أن كما قال ابن الجوزي: من أربعين إلى خمسين، ثم بعد ذلك الشيخوخة، أو بعد ذلك الهرم، أي بعد الستين. فهذه الطبقات فهي تكون اختلاف أحوال الإنسان وتدرجاته في هذه الحياة. وبعضهم زاد أيضا أنه إذا بلغ، إذا فطم يقال له غلام، وإذا ولد يقال له صبي، وإذا فطم يقال له غلام، وإذا بلغ سبعا يقال له يافع، وإذا بلغ عشرا يقال له تزور، فإذا بلغ خمس عشرة كمد أو قمد، وهو بلوغه الشباب، وإذا بلغ خمسا وعشرين يقال له عط نط، فإذا بلغ ثلاثين صملا، فإذا بلغ أربعين كهلا، فإذا بلغ خمسين شيخا، فإذا بلغ ثمانين هرم، فإذا بلغ تسعين فهو فعان، أنا شيخ، فيقال شيخ، فان معناه قد بلغ فوق التسعين، أي قارظ على الذهاب. فقوله جل وعلا أقسم سبحانه وتعالى: ﴿فلا أقسم بالشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا اتسق * لتركبن طبقا عن طبق﴾، معناه: تتدرجون في هذه الحالات، حالة بعد حال. وهذا أيضا مما يدل على البعث بعد الموت، وأنكم مبعوثون، فهذه الحالات أيضا تدل على أن الله عز وجل ينشئ العبد على حالات، فلذلك فهو قادر عز وجل أن يعيده وهو قد مات، أو قد أرم، فيعيده سبحانه وتعالى. فقال: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾، ﴿فما لهم لا يؤمنون * وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾. فما لهم لا يؤمنون، أي: كيف يكفرون بالبعث وهم يرون أنفسهم يتدرجون هذا التدرج في الطبقات، طبقة بعد طبقة، ألا يدلهم هذا على بعث الله عز وجل لأجسادهم يوم القيامة؟ وهذه كما قلنا السورة سورة مكية كلها، وتدل آياتها على إثبات بعث الناس، نشورهم، ورجوعهم إلى ربهم جل وعلا. فهذا معنى قوله جل وعلا: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾. وهناك قول آخر ذكره أيضا الإمام الطبري: أن المراد هو ما يقع من الشدائد يوم القيامة، ما يقع من الشدائد يوم القيامة، يتحولون من حالة إلى حالة، أو من موقف إلى موقف: أولا يأتون إلى مكان الحشر، ثم الحساب في ذلك المكان، ثم تتطاير الصحف، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، ثم بعد ذلك يمرون على الصراط، وهذا على ترتيب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ثم يمرون بعد ذلك على الجسر الذي هو موضوع على متن جهنم، وعلى جوف جهنم، فمن كان فيها سقط، ثم بعد ذلك يأتي الحوض، ويأتي بعد ذلك القصاص والتهذيب الأنفس قبل دخول الجنة، وغيرها من الأشياء التي ذكرها ربنا جل وعلا يوم القيامة، فهي أهوال عظيمة، وحالات بعد حالات، وهو ينطبق عليها. لكن الذي يتبادر للذهن في هذا هو أن الإنسان على طبقات في هذه الحياة، حالا بعد حال، حالا بعد حال. قال ابن عباس: قال هذا نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا خلاص من يذكر الله تعالى علمه.