كتاب التفسير من صحيح البخاري 287

كتاب التفسير من صحيح البخاري 287

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 287، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير القسم بالطارق ومعنى النجم الثاقب

يستهل المفسر بشرح معنى "الطارق" بأنه النجم الثاقب الذي يظهر ليلاً، مبيناً الفرق بين "ما أدراك" و"ما يدريك" في السياق القرآني. كما يتناول النهي النبوي عن طروق الأهل ليلاً بغتة، ويشير إلى أن المقسم عليه هو حفظ الله لكل نفس مع ذكر تفسير مجاهد لـ "ذات الرجع".

بيان القسم بالسماء والأرض ووصف خلق الإنسان

يوضح المقطع دلالة القسم بالسماء ذات الرجع (المطر) والأرض ذات الصدع (النبات)، مؤكداً أن القرآن قول فصل وحق لا هزل فيه. ثم يستعرض خلق الإنسان من ماء دافق بين الصلب والترائب، مختتماً بإثبات القدرة الإلهية على البعث يوم تُبلى السرائر.

آيات البعث والتهديد واختلاف القراءات في "لما"

يعرض المفسر آيات البعث والنشور وتهديد الكفار، ثم يفصل في اختلاف القراء في ضبط كلمة "لما" (تشديداً وتخفيفاً) وما يترتب عليه من معاني الحصر أو الإثبات. ويذكر أقوال ابن عباس وأهل اللغة، مختتماً بقراءة النبي ﷺ للسورتين في صلاة العشاء.

حديث معاذ في تخفيف الصلاة وقراءة السورتين

يروي المقطع حديث جابر عن النبي ﷺ في نهي معاذ عن الإطالة في الصلاة وأمره بالقراءة بسورتي الطارق والشمس. ويؤكد وجود الحديث في الصحيحين وسنن النسائي، داعياً في الختام للاشتراك في القناة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال البخاري رحمه الله تعالى: "سورة الطارق: أي تفسير بعض ما جاء في سورة الطارق". قال: "هو النجم". وسميت هذه سورة بسورة الطارق، وكذلك بالطارق. وسميت أيضًا كما جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بهريرا قرأ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، فيقال: سورة الطارق، ويقال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ أيضًا. وهي مكية باتفاق أهل العلم على أنها مكية، ويقال أنها نزلت بعد السنة التاسعة والنبي عليه الصلاة والسلام في ثقيف، ولهذا بعض كلماتها نزلت على لغة ثقيف. لكن كما قلنا جاء في بعض الروايات أنه قرأها في ذلك المكان. قال: "هو النجم"، أي: الطارق هو النجم. ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، الطارق هو النجم الذي يفرق بليل ويختفي بالنهار، فيسمى طارقًا. وكل من جاءك ليلًا فهو طارق. قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾، أي: الذي يأتي في الليل هو طارق. كما جاء في الحديث، حديث عبد الرحمن بن حبش: «إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن، إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن». والمراد بالطارق هو من يأتي في الليل. فقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «لا يطرق أحدكم أهله ليلة، لا يطرق أحدكم أهله ليلة، حتى تمتشط الشعثة وتستحد الحادة». أي: لا يطرق الإنسان زوجته ليلًا، يأتيها ليلًا بدون أن تعرف، أي: لا يأتيها فجأة؛ لأن هذا قد يسبب لها الفزع، حتى تتهيأ له. ولهذا الآن وسائل التواصل ممكن للإنسان وهو جاء وهو آتٍ يخبر أهله أنه آتٍ حتى يتهيأ له. لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا، يطرقهم ليلًا، يأتيهم ليلًا بدون أن يعرف. وإنما كان يأتيهم فيأتيهم في النهار. فلذلك الطارق هو الذي يأتي في الليل. وهنا قصد الله عز وجل به النجم، قد فسره سبحانه وتعالى: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. وقلنا: أن قوله جل وعلا: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ ليس مثل ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾. فما أدراك يفسره الله عز وجل. إذا جاء ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فسره الله عز وجل، إما فسر اللفظ نفسه أي معنى اللفظ، أو المعنى العام. وأما إذا قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فغالبًا لا يفسره. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾. قال: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، أي: المضيء. هذا الذي يضيء في الليل، فالنجوم تضيء في الليل. ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. فأقسم الله عز وجل بالسماء والطارق، أي: بالسماء وكذلك بالنجم الذي يضيء فيها. أقسم، والمقسوم عليه هو قوله جل وعلا: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. وقال: وقال مجاهد: ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾، أي: سحاب يرجع بالمطر. ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال: هنا سحاب يرجع بالمطر، أي: السماء ذات السحاب التي تنطر ثم ترجع بالمطر. ولهذا جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في قوله جل وعلا: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: "مطر بعد مطر"، أو قال: "المطر بعد المطر". على أنها ترجع فتمطر ثم تقشع ثم تمطر مرة أخرى. أي: تجد غالبًا المطر تأتي بسرعة، أو تأتي مطرًا أحيانًا شديدة وأحيانًا متوسطة وأحيانًا خفيفة، ثم تهدأ ثم ترجع بعد ذلك. قال: ﴿السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾، أي: أراد السحب التي تمطر ثم ترجع فتمطر. و﴿ذَاتِ الصَّدْعِ﴾: الأرض تتصدع بالنبات. الأرض ذات الصدع، أي: ذات النبات الذي يتصدع منها ويخرج. فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ﴾، معنى هذا قسم آخر، أي: أقسم الله عز وجل في أول السورة وفي آخرها. قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾. قال: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾، أي: حق. القول الفصل هو الحق الذي يفصل بين الأقوال وبين النزاع، المتنازعين فيفصل بينهم بالقول الفصل، وهو الحق الذي لا مرية فيه، والذي أيضًا ينبغي أن يرجع إليه. فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾. أي: هذا الأمر العظيم وهو البعث بعد الموت أمر فصل وحق، ليس هازلًا. فلذلك الله عز وجل لما ذكر إعادة الخلق في هذه الآية ذكر أنه قول حق، وأنه ليس مزحًا، وليس لهوًا، بل هو حق. لهذا قال: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. فلينظر الإنسان مما خلق. أي: يبين الله عز وجل أنه خلق الإنسان من هذه النطفة. ﴿مِمَّا خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. الترائب للمرأة، والصلب للرجل. وقيل: أنه صلب المرأة وترائب المرأة؛ لأن النطفة تخرج من الترائب، من تحت الترائب. والترائب المرأة: بثدي المرأة، فيخرج أو صدرها، فتخرج النطفة من ذلك المكان، أو البويضة التي تتلقح، البويضة التي تتلقح تخرج من ذلك المكان حتى تستقر في الرحم. وذلك المكان الذي هو مكان استقرار النطفة هو أقرب إلى الصلب، والصلب المرأة به آخر فقرات الظهر. فقال: ﴿مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. فقيل: أن الرجل، أن الصلب هنا المرأة، به صلب الرجل؛ لأنها تخرج من ذلك المكان فتستقر في رحم المرأة، وتخرج هذه البويضة التي تتلقح مع هذا الحيوان، تخرج من بين الترائب، من بين الصلب والترائب. ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، أي: على رجع هذا الإنسان. مادام أنه قد خلقه أول مرة، فإنه يستطيع أن يرجعه مرة أخرى. ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. في ذلك الوقت الذي تبلى فيه الأجساد، وتبلى فيه العظام، فيرجعه الله عز وجل كما كانت. فلذلك قال: أقسم الله عز وجل بعد ذلك: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾. أي: أن هذا الذي ذكره الله عز وجل وهو الرجوع، الرجوع الروح بعد أن ماتت، وهو البعث والنشور، إنه قول حق، وما هو بالهزل. ثم ذكر ربنا جل وعلا كيد الكفار: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. أي: سيأتي عذابهم إن بقوا على هذا الكفر، فأمهلهم قليلًا في هذه الحياة حتى يأتي يوم القيامة، سيرون عيانًا عندهم. ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. أن يرونها بأعينهم، يرون هذا العذاب الذي أنكروه. ثم قال المؤلف: ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. وهذا المقسوم به، الله عز وجل قال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. أنا قرأ أكثر قراء أهل الكوفة بتشديد الميم: ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. وقرأ بتخفيف: ﴿أَنْ﴾، ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. أي: في بداية الآية ﴿إِنْ﴾ أكثرهم قرؤوها مخففة: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾، بمعنى: بسكون النون. وقرؤوها بعضهم بالتشديد: ﴿إِنَّ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. معنى: بتخفيف الميم. لكن القراءة المشهورة وهي قراءة أكثرهم: الكوفة، قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف وأبو جعفر، وكذلك قراءة أهل الشام: اليحصبي، قرؤوا بتشديد الميم. وأما قراءة أهل مكة وأهل المدينة فقرؤوا بتخفيف الميم: ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، وشددوا ﴿أَنْ﴾: ﴿إِنَّ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. والمعنى يختلف. وعلى المعنى الذي قرأه الذين قرؤوا بالكوف، على أن ﴿لَمَّا﴾ هنا بمعنى ﴿إِلَّا﴾، على لغة ثقيف: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، إلا عليها حافظ. أي: ما من نفس، ما من نفس إلا وهي عليها حافظ. ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. فهذا الذي أقسم الله عز وجل به، وأنه ملك هذه الأنفس كلها. فقال ابن عباس هنا في قوله: ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾: "إلا عليها حافظ". وهذا على تشديد الميم. وأنكره بعضهم، أنكر بعض أهل اللغة أن ﴿لَمَّا﴾ لا تأتي بمعنى ﴿إِلَّا﴾. لكن كما ذكر العلماء: أنه في لغة ثقيف أن ﴿لَمَّا﴾ تأتي بمعنى ﴿إِلَّا﴾. وقد ذكر أيضًا أهل اللغة كالفراء وغيره أنها موجودة. وكان بعض السلف ينكر قراءة التشديد. طيب، فهذا ما ذكره المؤلف رحمه الله، ولم يذكر هنا حديثًا. لكن قد ذكر رحمه الله أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ، أو حديث بهريرة، لا، ذكره مسلم: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في العشاء: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ و﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾. وأيضًا جاء في الصحيحين قراءة، أو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفتان أنت يا معاذ؟ اقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و﴿وَالنَّهَارِ﴾ و﴿وَالسَّمَاءِ﴾»، أو قال: «اقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾». وجاء في رواية حديث جابر نفسه، وهي أصلها في الصحيحين، جاء في رواية النسائي: قال له: «أفتان يا معاذ؟ يكفيك أن تقرأ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ و﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾». طيب، نكتفي بهذا. الله تعالى، اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة.