كتاب التفسير من صحيح البخاري 298

كتاب التفسير من صحيح البخاري 298

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 298، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أول سورة نزلت: سورة العلق وإسناد حديث قتيبة

يوضح المقطع أن سورة العلق هي أول ما نزل من القرآن الكريم، مستعرضاً آياتها التي تتناول خلق الإنسان وطغيانه وتهديد المعاندين. ثم يسرد إسناد حديث قتيبة بن سعيد عن حماد بن زيد عن يحيى بن عتيق كما ورد في صحيح البخاري.

أحكام البسملة بين السور وتفسير ألفاظ مختارة

يناقش المقطع حكم كتابة البسملة في أول المصحف وفصل السور بها، مع اتفاق الجمهور على عدم قراءتها في سورة التوبة. كما يذكر تفسير مجاهد للفظ «ناديه» بالعشيرة، و«الزبانية» بالملائكة الغلاظ، و«الرجعى» بالمرجع.

تفسير آيات سورة العلق: الناصية وقصة أبي جهل

يشرح المقطع معنى ﴿نَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ بأنه الأخذ بناصية الرأس مقدمةً، ويروي قصة تهديد أبي جهل للنبي صلى الله عليه وسلم ومنعه من الصلاة. ويبين كيف رجع أبو جهل خائفاً عند قربه من النبي، مؤكداً أن الملائكة (الزبانية) كانت تحميه كما أخبر الله في الآيات.

خاتمة المجلس وتوكيل العلم لله

يختتم المتحدث المجلس بالاتفاق على كتابة الموضوع بالصيغة المتفق عليها، مستفتحاً بقوله «إن شاء الله». ويختتم بتفويض العلم المطلق لله تعالى بقوله «والله تعالى أعلم».

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى سلم. أما بعد: قال البخاري رحمه الله تعالى: سورة «اقرأ باسم ربك الذي خلق». وهذه السورة مكية بإجماع، وهي أول ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم، بقول أكثر أهل العلم؛ لأنها أول ما جاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام في الغار، فقال له: «اقرأ». قال: «ما أنا بقارئ». قال: «اقرأ». قال: «ما أنا بقارئ». قال: «اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم». فلهذا كانت هذه أول سورة نزلت في القرآن. وكذلك في آخرها: بعدما جهر النبي عليه الصلاة والسلام بالدعوة، وذكر طغيان من طغى من كفار قريش وغيرهم: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ * إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ﴾ [العلق: 6-8]، أي: كلهم يرجعون إلى الله. ثم ذكر ما يفعله أولئك كأبي جهل وغيره من صد عن دعوة الله وعن الصلاة وغيرها. وأيضًا كذلك هدد الله عز وجل أولئك الذين يفتخرون بناديهم، والنادي المراد به المكان الذي يجتمع فيه الأفراد. فقال الله عز وجل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: 17-18]، وهي الملائكة الغلاظ الشداد. قال: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19]. لا تطع حول كفار، وأطع ربك وأعبده. قال: وقال قتيبة، وهو ابن سعيد ابن رجاء، أو قتيبة ابن سعيد ابن جميل ابن رجاء، فهو مصري ثقة، وكان من حفاظ الحديث الذين أدركهم الناس وأدركهم خمس طبقات، كما قال العلماء. قال قتيبة: حدثنا حماد، وهو حماد ابن زيد؛ لأن البخاري لم يروِ عن حماد ابن سلمة، أي لم يذكر حماد ابن سلمة في الأصول، وإنما ذكره في المتابعات والشواهد. فلهذا فإذا رأيت حمادًا في الإسناد فهو حماد ابن زيد. قال قتيبة: حدثنا حماد عن يحيى بن عتيق، ويحيى بن عتيق شيخ بصري ثقة، ليس له في البخاري إلا هذا الموضع. قال: عن الحسن، وهو ابن الحسن البصري، قال: «اكتب في المصحف في أول الإمام: بسم الله الرحمن الرحيم، واجعل بين السورتين خطًا». الظاهر يريد أنه لم يذكر «بسم الله الرحمن الرحيم» اكتفاءً بذكرها في السورة الأولى، أو أنه أراد أن يبين كما قال الحافظ: أنها لا تجب البسملة في أول كل سورة، بل من قرأ البسملة في أول القرآن كفاه في امتثال هذا الأمر. لكن الأفضل أنه يقرأ البسملة في كل سورة، في افتتاح كل سورة. وإذا كان في بداية القراءة أو في أثناء السورة فلا يقول: «بسم الله». وهذا قول جمهور العلماء، وكذلك جمهور القراء، أي أنهم لا يقولون «بسم الله» في أثناء السورة، وإنما يقولون في ابتدائها فقط، إلا سورة التوبة. فالذي مشى عليه السلف وتناقله القراء أنها لا تذكر فيها البسملة، إما لأنها قد تكون تابعة للأنفال، أو لأنها كما قال بعض العلماء: أنها فضحت المنافقين، أو غير ذلك. وما جاء في هذا عن ابن عباس في فعل عثمان فيه ضعف، لم يثبت، على أن هذا وجدوه هكذا. والمهم أن المصاحف على هذا، أي: أقصد مصحف عثمان، ومشى العلماء على ذلك على أنه لا تقرأ البسملة في التوبة. وأما بقية السور فتستفتح بـ «بسم الله الرحمن الرحيم». وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلم الفصل بين السورة والسورة بنزول البسملة، يعلم الفصل بين السورة والسورة بنزول البسملة. قال: «واجعل بين السورتين خطًا». وقال مجاهد: «ناديه عشيرته»، أي: «فليدعُ ناديه»، أي: عشيرته، أو من كان معه من أهل المجلس؛ فإن المجلس يسمى ناديًا. وهذا التفسير تفسير بالمعنى، معنى تفسير «ناديه»: أي عشيرته، أي التي يجلس معها؛ لأن النادي كما هو معروف: المجلس المتخذ للحديث، والذي يجتمع فيه الأفراد. فلهذا فهنا تفسير مجاهد بالمعنى، أي أن ناديه: أي من يجلس معه من عشيرته ومن أصحابه. «الزبانية: الملائكة». وهذا جاء عن أبي هريرة وعن غيره، على أن الزبانية هي الملائكة. وجاء أيضًا عن بعض المفسرين: أنها ملائكة غلاظ شداد. قال: وقال معمر: «الرجعى: المرجع». ومعمر هنا هو أبو عبيدة معمر ابن المثنى، ليس معمر ابن راشد أبو عروة، وإنما هنا معمر ابن المثنى، وهو أبو عبيدة صاحب كتاب المجاز. وكما ذكرنا من قبل: أن البخاري أكثر ما يأخذ الكلمات أو معاني الكلمات منه. قال: وقال: ﴿نَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: 15]. قال: «لنأخذن ولنسفعن بالنون وهي الخفيفة». سفع بيده: أخذ. «لنسفعن بالناصية» إلى «لنأخذن». وأكثر القراءة الذين قرؤوا بهذا التخفيف بتخفيف النون. وذكر أبو عمر بن العلاء أنها بتشديد النون، وأصلها الأخذ. «لنسفعن بالناصية»: أي لنأخذن بالناصية، والناصية هي مقدمة الشعر، أنه يأخذ هكذا من شعره ويلقى في النار أو يرمى به. فقال: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: 16]، هذه الناصية التي تكذب. وقيل: أن المراد أن هذه الناصية هي مكان الدماغ، ومكان أيضًا خروج الأفكار. وهذا تهديد من الله عز وجل لهؤلاء الكفرة الذين كانوا يهددون النبي عليه الصلاة والسلام. فأبو جهل كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: «سأدعو ناديَ» عن المكان الذي أصحاب المجلس، وكأنه يتقوى به. فأنزل الله عز وجل هذه: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 17-19]. فنستمر في سجودك وفي صلاتك. رأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى. معنا لما نهى أبو جهل النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة في الكعبة، فقال: «لو جئت تصلي لفعلت وفعلت». فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام، وكان أهل المجلس وأهل النادي جلوسًا، فقالوا: «يا أبا الحكم، قم ونفذ ما قلت». فقام هذا الشقي حتى قرب عند النبي عليه الصلاة والسلام. فلما قرب رجع القهقرى وجمد، ولم يستطع أن يفعل شيئًا. ثم رجع إليهم وهو خائف جدًا. فقالوا له: «قد ذهبت بوجه وجئتنا بوجه آخر». فقال: «والله لما اقتربت منه وجدت فحلا، أراد أن... لو تقدمت لأخذني، وأولى أكلني الفحل». معنى: يريد بعير، فأتح. فما أنا لو تقدم قليلا لهجم عليه. وهذا هو الملائكة الذين أخبر الله عز وجل عنهم. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تقدم لأخذته زبانية الرحمن»، كما ذكر ابن إسحاق في السيرة. طيب، إن شاء الله نكتبه بهذا، والله تعالى أعلم.