الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 311، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الدرس بتفسير سورة الفيل وبيان أسمائها وألفاظها الغريبة، ثم يسرد بالتفصيل قصة أبرهة الأشرم وجيشه مع الفيل وكيف خذلهم الله بحبس الفيل عن التقدم. ويوضح كيف أرسل الله طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعل كيدهم في تضليل وضياق وهلك أبرهة وجيشه دون الوصول للكعبة.
يتناول المحور مراحل بناء الكعبة منذ إبراهيم عليه السلام مروراً ببناء قريش، ثم عبدالله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان، مبيناً سبب وجود الحجر وتغير معالم البناء عبر التاريخ. وينقل نصيحة الإمام مالك بعدم تغيير بناء الكعبة لئلا تكون ألعوبة بأيدي الملوك والسلاطين.
يركز هذا المحور على معجزة إرسال الطير الأبابيل وحجارة السجيل التي أهلكت جيش أبرهة وجعلتهم كعصف مأكول، مؤكداً حفظ الله لبيته الحرام. ويبين أن العرب كانوا يؤرخون بوقعة الفيل، وأن ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم وقع بعد هذه الحادثة العظيمة.
يسرد المحور أحداث فتح مكة ودخول النبي صلى الله عليه وسلم منتصراً، وقتل خزاعة في الحرم، ثم ينتقل إلى النبوءة الواردة في هدم الكعبة على يد رجل من الحبشة يسمى ذو السويقتين. ويختم ببيان أن هذا الهدم سيكون في آخر الزمان عند اندراس الدين.
يختص هذا المحور بتفصيل وصف الحجارة التي رمت بها الطير، مبيناً أنها كانت ملبسة بالطين ومعدة خصيصاً لهذا الغرض الإلهي. ويؤكد أن هذه الحجارة كانت سبباً مباشراً في قتل أصحاب الفيل وتدميرهم تدميراً كاملاً، والله أعلم بتفاصيل الغيب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله: سورة «ألم ترَ». قال مجاهد: «ألم ترَ» أي: ألم تعلم. وقال مجاهد: «أبابيل» متتابعة مجتمعة. وقال ابن عباس: «بِسِجِّيلٍ» أي: سنك وكل. وهذه السورة - أعني: سنك وكل - هذه بالعجمية. وهذه السورة لا شك أنها سورة مكية، وتسمى «ألم ترَ»، وتسمى أيضا في المصاحف: «الفيل». وهذه السورة فيها قصة أصحاب الفيل، والذي عليه جمهور أهل النسب والتاريخ أن النبي عليه الصلاة والسلام ولد في نفس العام الذي حصلت فيه هذه الحادثة. وقصة أصحاب الفيل معروفة، يُقال: إن سببها أن أبرهة الأشرم الحبشي عمل كنيسة في صنعاء، وكان يحكم صنعاء - أي: الحبشة - وكان لهم الحكم، استولوا عليها، فعمل فيها كنيسة لأنهم كانوا على دين النصارى. فذكر بعضهم - وإن كان هذا ليس بإسناد صحيح لكن ذكروه في السير - أن بعض اليمنيين من المشركين جاء وتغوط فيها، فغضب أبرهة وتعهد أنه سيهدم كعبة المسلمين، وحرك جيشه وفيه الفيلة إلى مكة، وسار إلى مكة حتى بلغ ذلك الوادي المسمى قرب الأبطح، فوقف الفيل الكبير الذي كان معه، فإذا وجه إلى الكعبة جلس، وإذا وجه إلى اليمن أسرع، فحبسه الله عز وجل عن مكة، وهذا أول الخذلان له. فلما رأوه كذلك سيبوه وتركوه، وأرادوا أن يمشوا، فتمركز هذا الطاغية في بعض الأودية حتى يرعب أهل مكة، وكان أهل مكة قد خرجوا منها وتحصنوا بالجبال، فأرسل إليهم أن يأتوا برجل أو رجلين يكلموه، فجاء إليه عبد المطلب جد النبي عليه الصلاة والسلام، وقد كان لعبد المطلب إبل فأخذها جيشه، فلما جاء إليه وكلمه، قام وكلمه في الإبل، فقال: عجباً لك تكلمني في إبلك وأنا آتٍ لهدم بيت دينكم! فقال مقالته المشهورة: «أما هذه الإبل فهي لي، وأما البيت فله رب يحميه». فلما أراد أن يتقدم ما استطاع، فجاء الله عز وجل لهم بهذه الطير الأبابيل المتتابعة التي كانت تحمل حجارة من سجيل من النار، فإذا وقعت في رجل منهم مات وتلوى حتى صار كالعصف المأكول، كما وصفه الله عز وجل: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾، ﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴾. أي: كيدهم - أي ما كادوا وما عزموا عليه من تكسير وهدم الكعبة - أصبح في ضلال، في ضياع، ضاع سعيهم وضاع جهدهم، ولم يفعلوا شيئا من ذلك، بل خسروا كل شيء، خسروا كل شيء، حتى أبرهة قُتل في ذلك الموضع، وقيل: إن ابنه هرب لكنه لم يستطع أن يرجع إلى اليمن، وإنما ضاع في الصحراء كما يُقال، والله أعلم. المهم أنهم لم يأتوا، لكن ملك بعده أيضا بعض أبنائه، فأرسل الله عز وجل عليهم طيرا أبابيل: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾، ﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴾. «أبابيل» كما قال مجاهد: متتابعة ومجتمعة. إذ ما استطاع أن يتحركوا من مكانهم جاءتهم هذه الطير متتابعة وتجتمع في مكان واحد عليهم وترميهم بهذه الحجارة، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول. والعصف المأكول هو ما تأكله البهائم، وهو التبن، هذا التبن الذي يجعلونه - كانوا قديما يفعلونه في الطين حتى يشتد الجدار، يجعلونه في الجدار مع التبن - وهذا تأكله البهائم، فجعلهم كعصف مأكول، فجعلهم هكذا يُرمى، وكلما وقعت الحجارة في رجل منهم تلوى تلوى حتى مات، وصار تلوى كعصف مأكول. فهذه قصة باختصار، قصة هؤلاء التي ذكرها الله عز وجل. وهنا ربنا جل وعلا يخبر نبيه ويقول: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾، ألم يأتك وألم تعلم خبر هؤلاء الذين أرادوا أن يهجموا الكعبة، ألم تخبر بهم - أي: عن هؤلاء الحبشة وما كان معهم من الفيل - والمراد هو: اعلم، لكن يأتي به ربنا جل وعلا على طريقة السؤال: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾، فالمراد به: أي اعلم ذلك. أي أن الله عز وجل يخبر نبيه بهذه القصة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحضرها، وإما أنه يكون صغيرا بعد، أو أنه لم يولد، وعلى الصحيح أنه لم يولد إلا بعد هذه الحادثة، فسميت، وكان العرب يؤرخون بالحوادث، كان العرب قديما قبل عهد عمر يؤرخون بالحوادث، فيقولون: فلان ولد في حادثة كذا. فالنبي عليه الصلاة والسلام ولد بعد هذه الحادثة، فلما رأى الناس ذلك رجع بعضهم إلى الله، وأيضا اشتدت قوة اعتقادهم في الله عز وجل بعد حماية الله عز وجل لبيته الحرام، فلم يحمه أحد من البشر، وإنما حماه الرب جل وعلا، فأرسل عليهم هذه الطير المتتابعة فقتلتهم أكثرهم، ورجع بعضهم حتى ينذر قومه، حتى يخبر قومه بما حصل، وحتى تكون لهم العبرة، فلا يتجرأ بعد ذلك أن يمس هذه الكعبة. ولهذا لم يجرؤ بعد أبرهة أحد أن يتجرأ على الكعبة إلا من كان بحسن نية يبتغي يريد أن يغير نظام الكعبة، كما حصل في عهد عبد الله بن الزبير. أول ما هدمت الكعبة في عهد عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، أراد أن يبنيها على مقام إبراهيم فبناها، فلما جاء عبد الملك بن مروان بعدما مات ابن الزبير وحصل ما حصل، أرجعها عبد الملك لما كانت عليه في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. فلما كلمه عروة بأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة وجعلتها على قواعد إبراهيم، وجعلت لها بابين: بابا يدخل منه الناس، وبابا يخرج منه»، فقال عروة لعبد الملك لما سأله، قال له هذا الكلام، قال: والله لو كنت أعلم لما غيرتها. ومن ذلك أن هشاما أو الوليد بن عبد الملك أراد أن يغيرها في عهد الإمام مالك، فاستشار الإمام مالك رحمه الله عليه، فأمره أن لا يفعل، وإن أراد أن يردها على قواعد إبراهيم، فقال له الإمام مالك بن أنس: لا تفعل، حتى لا يكون بيت الله ألعوبة للملوك، إن جاء ملك قال: سأغير. فمثل ما حصل معنا: ابن الزبير هدمها وغيرها إلى ما كان عليه في وقت إبراهيم، وجاء عبد الملك وهدمها وجعلها على ما كانت عليه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. فلما بنت قريش الكعبة قصرت - كانوا لما بنوا الكعبة لم يدخلوا فيها شيئا من مال حرام، عما بنوا الكعبة إلا بأموال حلال، فلهذا قصرت بهم المؤنة، قصرت الأموال التي أخرجوها للحلال - يعني: من حلال - فجمعوا هذه الأموال لكن لم تكفيهم، فلهذا بنوها وخلفوا بعضا، وهذا الذي يسمونه الحجر، بعضهم يسميه حجر إسماعيل، وهذه التسمية ليست صحيحة، فليس هو حجر إسماعيل، وإنما يقال: حجر الكعبة، لأنه من الكعبة، وإنما تركته قريش لأجل أنها قصرت في النفقة أو في المؤنة التي يبنون بها. فلأجل ذلك جاء أبرهة الأشرم أراد أن يهدم الكعبة، فجعل الله عز وجل له درسا له ولأمثاله، فلذلك لم يستطع أحد بعد ذلك أن يمس بيت الله جل وعلا. لكن أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الكعبة يهدمها رجل يقال له: ذو السويقتين من الحبش أيضا، هذا الرجل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ينقضها حجرا حجرا»، هذا الرجل يأتي في وقت ما ينقض الكعبة، ومعنى هذا: الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، وإلا لم يأت بعد أحد من ذلك الزمان أنه هدم الكعبة من باب المحاربة، من باب السوء، فلم يحصل هذا أبدا، وحفظ الله عز وجل بيته وعظمه، وصارت مكة بلدة حرام، حتى في الجاهلية كان أهل الجاهلية لا يقتتلون في الحرم، يعظمون الحرم، لكن لشدة حنقهم وشدة حقدهم على أهل الإسلام، أنهم قتلوا رجال خزاعة في المسجد الحرام، أي: في مكة، قتلوهم في مكة، مع أنهم دخلوا في جوارهم، فرأوهم دخلوا مكة ودخلوا معهم وقتلوهم في الحرم. ومن ذلك حصلت بعد ذلك الفتح، فتحرك النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة لأجل أن يؤدب هؤلاء الذين قتلوا الخزاعيين، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْت يا عمرو بن سلمة» - أي: الخزاعي - لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فتحرك النبي إلى مكة، وصار الفتح العظيم، فتح مكة، وحلت مكة للنبي عليه الصلاة والسلام ساعة من نهار، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو قال قائل: إن النبي عليه الصلاة والسلام دخل مكة، فقولوا له: إنما أحلها الله ساعة من نهار، أحلها لنبيه ساعة من نهار»، لما دخل بتلك الجيوش، لكنه لم يلقَ حربا إلا في بعض الأماكن، لقي بعض أصحابه خالد وغيره حربا يسيرا، ثم صارت هذه البلدة الطيبة والبلدة العظيمة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها، فصارت تحت يد النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يقول: «لولا أن قومك أخرجوني ما خرجت منك»، فأرجعه الله عز وجل، لكنه لما هاجر منها رجع إلى المدينة عليه الصلاة والسلام. وقال هنا: ﴿ مِنْ سِجِّيلٍ ﴾، أي: سنك وكل. سنك وكل: معنى بالعجمية: طين وحجارة. معنى هذا: الحجارة التي جاءت، حجارة ملبسة بالطين، يرمي هذا الطير الكافر فيقتله بها. فهذا ما يُذكر، إن شاء الله، وإلا الله تعالى أعلم، وشكرا.