الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 312، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تتناول السورة تسمية «لإيلاف قريش» أو «قريش»، وتؤكد أنها مكية بالإجماع وآياتها أربع أو خمس حسب العد. وتفسر «الإيلاف» بتعود قريش على رحلة الشتاء إلى اليمن والصيف إلى الشام، وتدعوهم لعبادة رب البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف في حرم مكة.
يُبيّن المقطع كيف نقض بنو بكر وحلفاؤهم قريش حرمة الحرم بقتل خزاعة حلفاء النبي، فاستنصر عمرو بن سلمة النبي صلى الله عليه وسلم فخرج لفتح مكة. ويذكر أن أمن قريش مشروط بعبادة رب هذا البيت، فلما كفروا سُلّط عليهم النبي فدخل مكة ساعة من نهار بغير قتال يُذكر، ثم أعلن تحريمها إلى يوم القيامة.
كانت مكة آمنة ومطعمَة بفضل الله، لكن كفر قريش ومحاربتهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أدى إلى استبدال تلك النعم بالخوف والقحط، فدعا عليهم النبي فابتلوا بالجوع الشديد حتى رأوا الدخان من شدة الجوع، وعاشوا في رعب عند الحديبية وفتح مكة. وقد بين القرآن أن نعمة الأمن والطعام مشروطة بعبادة رب البيت، وأكد الحديث أن الأمن والصحة من أعظم النعم التي يُغبن فيها كثير من الناس.
يُشير المقطع إلى رواية الإمام البخاري عن «حبس حابس الفيل»، موضحًا أن المراد بها أن الله تعالى منع الفيل من دخول مكة وسلّط رسوله صلى الله عليه وسلم عليه، كما ورد في صحيح مسلم، ثم يختم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله: سورة لإيلاف قريش. فهذه السورة لم يذكر مؤلف فيها شيئًا. وهذه السورة في مصحف أبي بن كعب تابعة لسورة الفيل، بمعنى كأنها سورة واحدة، هذا في مصحف أبي. وأما في مصحف عثمان فإنها سورتان: سورة الفيل، وسورة قريش. وهذه السورة مكية، إن كلاهما مكية: الفيل بإجماع، وكذلك أيضًا حكى القرطبي وغيره الإجماع على أن إيلاف قريش مكية، إلا أنه نقل خلاف عن الكلبي والضحاك أنها مدنية، وهذا بعيد، فهي مكية. وآياتها أربع آيات في مصاحف أهل العراق وأهل الشام، وأما أهل مكة والمدينة فهي خمس آيات. وهذا كما قلنا ليس فيه شيء، وإنما فقط من ناحية احتساب الآية؛ تجد مثلًا في المصاحف المدنية والمكية يعتبرون مثلًا لإيلاف قريش آية، وإيلافهم آية، فتكون خمسًا. وأما في مصاحف الشام، وكذلك العراق الكوفة والبصرة، فهي أربع آيات. طيب، وأيضًا لإيلاف قريش: قوله ﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ﴾، أي قال الحافظ هنا: وقال مجاهد: لإيلاف، أي ألفوا ذلك، فلا يشق عليهم في الشتاء والصيف. وإن ألف أنهم يرحلون في الشتاء والصيف: في الشتاء يذهبون إلى اليمن، وفي الصيف يذهبون إلى الشام. وقال: لإيلاف قريش إيلافهم. وسميت هذه السورة كما هو معروف لإيلاف قريش، وسميت قريش في المصاحف والتفاسير «قريش»، حتى أن السيوطي في الإتقان لم يذكر اسمًا غير قريش، لكن سماها بعضهم مثل ما هنا في البخاري: «لإيلاف قريش». وجاء كذلك عن عمرو بن ميمون أنه قال: صلينا مع عمر بن الخطاب، فقال: فقرأ بسورتي ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾، وكذلك بإيلاف قريش. فدل على أنها كانت تعرف بهذا الاسم: لإيلاف قريش، فلذلك فهي اسم لها. وكذلك الاسم الثاني: قريش، تسمى قريش، وتسمى لإيلاف قريش. وقوله ﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ﴾، كما قلنا هنا سُميت سورة الإيلاف أيضًا، جاء في بعض النسخ: سورة الإيلاف. وقال مجاهد: لإيلاف، أي ألِفوا ذلك أو ألفوا ذلك، فلا يشق عليهم في الشتاء والصيف. ﴿ فَإِلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴾، ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ﴾، ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾. قال: «آمنهم من خوف»، قال: من كل عدو في حرمهم، أي في الحرم مكة المكرمة. أمن الله عز وجل هذه البلدة: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾. أن من حول مكة الناس يحاربون ويتخطفون ويتقاتلون، وأما مكة فليس فيها قتال، فهي بلد حرام. وكان أهل الجاهلية يعظمونها فلا يحصل فيها قتل، لكن لما صار الكفر في قريش نسوا هذا التعظيم، لهذا قتلوا بني بكر أو جماعة من خزاعة، قتلوهم في الحرم مع بني بكر. وإن بني بكر حليف قريش، حليف الكفار، وخزاعة حليف النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. فلما حصل بين بكر وخزاعة شيء، فكان قوم من خزاعة هربوا، حصل بينهم أو أرادوا أن يقتلوهم أو أن يقتلوا هؤلاء أي من بكر، فهرب الخزاعيون إلى مكة حتى دخلوا الحرم، فدخلوا معهم، وكان معهم أناس من قريش، وقالوا: لا حرمة اليوم للحرم، وقتلوا خزاعة. ولهذا جاء عمرو بن سالم إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بذلك، فقال: «نُصِرْت يا عمرو بن سالم»، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الفتح. فنسوا هذا التعظيم، وإلا فأهل الجاهلية ما كانوا يتجرؤون أن يتحاربوا في حرم الله جل وعلا، حتى جاء في السيرة: أن الرجل يلقي قاتل أبيه، أن الرجل يلقي قاتل أبيه في الحرب فلا يكلمه، إذ لا يكلمه حتى يخرج، فإذا خرج ورآه خارج الحرم قتله، أما إذا رآه في الحرم ما يقتله. فلذلك آمنهم من خوف. قال ابن عيينة: لإيلافي، أي لنعمتي على قريش. هذا تفسير آخر، تفسير آخر لابن عيينة: لنعمتي على قريش، لإيلاف قريش أي لنعمتي عليه. قوله: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ﴾، وهذا شرط، شرط من الله عز وجل أنهم إذا أرادوا هذا الأمن يستمر: فليعبدوا رب هذا البيت. فإن لم يعبدوا، معنى مفهوم الكلام: فإن لم يعبدوا رب هذا البيت، فإنه سيبدل هذا الأمن إلى خوف. وفعلا لما أعرضوا وكفرت قريش، فإن الله عز وجل سلط عليهم النبي عليه الصلاة والسلام في فتح مكة، أنه استولى على مكة ودخل إليها ولم يلقَ حربًا، أي النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما لقي فقط خالد بن الوليد في المسفلة، تجمع بعض أهل قريش مع عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه، ثم فروا ولم يستطيعوا أن يقفوا مع جيش خالد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد: «أدخل من المسفلة وألقني عند الحرب أو عند البيت». فبعدما هرب أولئك الذين كانوا تعرضوا لخالد رضي الله عنه، دخل خالد من المسفلة حتى جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الذي حصل، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن الله عز وجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سلط على مكة رسوله ساعة من نهار»، ساعة من نهار، حتى تكون هذه المنطقة العظيمة مقدسة، تكون في حوزة الإسلام. فأجاز الله عز وجل وأحلها لنبيه عليه الصلاة والسلام ساعة من نهار، فدخل النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ثم حرمت إلى يوم القيامة». وهذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم فيمن أراد أن يعترض على حرمة مكة، فيقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ولقي حربًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فقولوا له: إنما أحلها الله عز وجل له ساعة». فلذلك فالحرم آمن، لكن لما صار فيه أهل الكفر بدل عليهم هذه النعمة. وقبل أن يدخل النبي عليه الصلاة والسلام، فإن النبي عليه الصلاة والسلام دعا على قريش، قال ابن مسعود كما في الصحيحين: حتى أنهم أصابهم قحط، حتى أن الرجل من شدة الجوع ينظر إلى السماء فيرى الدخان، وفسر قول الله جل وعلا: ﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾، فسر ابن مسعود على أن هذا الدخان هو الذي رآه أهل مكة من شدة الجوع ومن شدة القح، حتى أنهم تشفعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو الله عز وجل لهم. وهذا أيضًا من تبديل ذلك الأمن إلى خوف، وكذلك ذلك الإطعام والري إلى جوع، فجعلهم في قحط، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بهم، اللهم سنين كسنين يوسف»، سنين، أي قحط يجعلها قحطًا عليهم. فجعلها الله عز وجل قحطًا عليهم حتى استغاثوا، وحتى أن الرجل يخيل إليه الدخان من شدة الجوع، حتى جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يستشفعون إليه صلى الله عليه وآله وسلم. فلذلك أبدل الله عز وجل ذلك الإطعام إلى جوع وقحط، وأبدل الأمن إلى خوف، وصاروا في خوف من المسلمين حتى دخلها النبي عليه الصلاة والسلام في السنة الثامنة، وهم في خوف أن يأتيهم نبي عليه الصلاة والسلام، فصاروا في رعب مع أنهم في حرم الله. ولما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى الحديبية أيضًا أصاب قريش الرعب، فلذلك أرسلوا إليه عدة أشراف، أو أرسلوا إليه مكرز بن حفص، ثم أرسلوا إليه عروة بن مسعود، ثم أرسلوا إليه بعد ذلك سهيل بن عمرو، وعقد النبي صلى الله عليه وسلم معه الصلح. وكل ذلك تفاوض لشدة خوفهم أن يدخل النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكة، فأصيبوا بالرعب من ذلك، وأبدل الله عز وجل عليهم ذلك الأمن إلى خوف لأنهم لم يعبدوا الله بل أعرضوا، بل حاربوا دعوة الله. فقال الله عز وجل: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ﴾، الذي ﴿ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾. فالشرط هو العبادة، فإن لم يعبدوا رب هذا البيت لأنه أنعم عليهم، فإنه سيبدل عليهم تلك النعمة، وهي نعمة الأمن ونعمة الطعام، أو نعمة توفير الطعام. وهذه من أعظم النعم، كما في حديث عبيد الله بن محصن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أصبح آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت الدنيا له بحذافيرها». وفي حديث ابن عباس في البخاري: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». فالأمن من أعظم النعم، وكذلك أيضًا توفير الطعام وعدم القحط والجدب وغيرها من الأمور التي يعاقب الله عز وجل بها بعض عباده. وهنا ذكر الإمام البخاري وقال: «حبس حابس الفيل»، ويريد به أن الله عز وجل حبس عن مكة الفيل، وسلط عليه رسوله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في صحيح مسلم. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.