الدرس في كتاب الصيام 11، ألقاها
صيام التطوع زائد عن الفريضة ويتضمن نوافل ومستحبات، يكمل النقص في الواجب ويزيد الأجر. أفضل صيامه هو صيام داود عليه السلام.
صيام داود يجوز فيه إفراد يوم الجمعة أو السبت، وأفضليته تختلف حسب حالة الشخص وارتباطاته. من كان متفرغًا للعبادة فهو أفضل له.
ينبغي الاقتصاد في العبادة مع الاستمرار، ولا يجوز إهمال الواجبات لأجل المستحبات. المداومة على الطاعة أمر محبب إلى الله تعالى.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: باب صيام التطوع، والتطوع المراد به ما كان زائدا على الفريضة والواجب من صيام النفل والمستحب. ومن حكمة الله ورحمته أن جعل للفرائض الواجبات نوافل من جنسها يتقرب بها العبد إلى ربه جل وعلا. ومن فوائد هذه النوافل أنها مكملة لما يحصل من نقص وخلل في الواجب، وكذلك أيضا زيادة في الأجر والثواب. فمما يدل على الأول ما ورد في الحديث الصحيح عند الإمام أحمد وأبي داود والنسائي وغيرهم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت قد أفلح وأنجح، وإن نقصت قال الله عز وجل: انظروا لعبدي من تطوع، فيكمل من تقصيره من الفريضة». الحديث. ثم قال: فيكون ذلك في سائر عمله، ينظر في الصلاة، في الصيام، في الزكاة، إن كان هناك خلل ونقص في الفريضة والواجب، كمل ما حصل من هذا النقص بما عنده من نوافل الزكاة والصيام. والزيادة في الأجر والثواب فإن تقرب العبد إلى ربه جل وعلا بنوافل الطاعات سبب لمحبة الله له وتأييده وتوفيقه وتسديده. في حديث أبي هريرة في البخاري: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». ومعنى الحديث أنه يكون موفقا ومسددا في أقواله وفي أفعاله، وفي سمعه، وفي بصره، وفي سائر جوارحه. لكن يحرص المسلم أولا على المحافظة على الفرائض والواجبات، فإن الله عز وجل يحب من عبده أن يتقرب إليه بما افترض عليه، ففعل الإنسان للواجب هذا أحب إلى الله، ثم بعد الإتيان بالواجب يأتي بما يتيسر من نوافل الطاعات. قال رحمه الله: أفضل الصيام صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوما ويفطر يوما. هذه العبارة أخذها المؤلف رحمه الله وانتقلها من قول النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم، حين أرشده النبي عليه الصلاة والسلام إلى الاعتدال في الصيام وفي العبادة. وذلك حين بلغه أن عبد الله بن عمرو كان يصوم النهار ويقوم الليل ويقرأ القرآن في كل ليلة، بلغه عليه الصلاة والسلام أنه قال ذلك أو أنه فعل ذلك، وقال: سأفعل ذلك ما عشت، فأرشده النبي عليه الصلاة والسلام أن يقصد في العبادة والطاعة، فقال: «صم من الشهر ثلاثة أيام». قال: يا رسول الله إني أجد قوة، قال: «فصم يوما وأفطر يومين». قال: أجد قوة، قال: «فصم يوما وأفطر يوما، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام». قال: يا رسول الله أجد قوة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أفضل من ذلك». وهكذا أرشده في قراءة القرآن أن يقرأه في شهر، قال: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في عشرين». قال: أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في عشر». قال: أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك». فالنبي عليه الصلاة والسلام أرشد عبد الله بن عمرو أن يصوم هذا الصيام، صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوما ويفطر يوما، يصوم يوم ويفطر يوم، ويستمر على هذا الصيام. وهذا الصيام صيام نصف الدهر، وسيمر على المسلم في هذه الأيام التي يصومها صيام بعض الأيام التي يكره إفرادها بالصيام، كيوم الجمعة ويوم السبت، فإذا صام مثلا يوم الجمعة سيفطر الخميس ويفطر السبت، وإذا صام يوم السبت سيفطر الجمعة ويفطر الأحد، إذن سيأتي عليه في أثناء هذا الصيام إفراد يوم الجمعة، وإفراد يوم السبت. ولهذا قال بعض أهل العلم: هل من صام صيام داود يفرد هذه الأيام بالصيام، أو أنه إذا صام هذه الأيام لا يفردها، بل يصوم يوما قبلها أو يوما بعدها؟ والصحيح أنه إذا صام صيام داود فله أن يفرد هذه الأيام بالصيام. فنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن إفراد يوم الجمعة في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده»، هذا يدل على من أراد تخصيص يوم الجمعة بالصيام وإفراده بذلك. وأما يوم السبت فعلى صحة الحديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم»، فحمله بعض أهل العلم على أن المراد به إفراد يوم السبت بالصيام. والنبي عليه الصلاة والسلام أرشد عبد الله بن عمرو بصيام يوم وإفطار يوم، وهو يعلم أنه سيأتي في بعض الأيام فيفرد يوم الجمعة، وفي بعضها سيفرد يوم السبت، ولم يقل له: صم يوما وأفطر يوما إلا الجمعة والسبت، فدل هذا على أنه يجوز لمن صام صيام داود أن يفرد يوم الجمعة في أثناء صيامه، وهكذا أيضا يفرد يوم السبت في أثناء صيامه. وقوله عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصيام صيام داود»، هل هذا هو في حق كل شخص، أو أنه يختلف من شخص إلى آخر؟ الجواب أن هذا يختلف من شخص إلى آخر. فالذي عنده مثلا أعمال وعنده أفعال فيها نفع للناس، إذا صام هذا الصيام ضعفا وكسل عن القيام بهذه الأعمال، فهذا ليس في حقه الأفضل أن يصوم صيام داود، لأن فعل الإنسان للعمل الذي يتعدى نفعه إلى الناس هذا أفضل. فكونه يصوم يوما ويختر يوما هذا أجره لنفسه ونفعه لنفسه، لكن لو أنه مثلا طلب العلم وتفرغ للطلب، أو كان قاضيا أو مفتيا أو نحو ذلك من الأعمال التي فيها نفع للناس، لو صام هذا الصيام لضعف عن القيام بهذه الأعمال، فلا شك أن عمله الذي فيه نفع وتعدي يتعدى نفعه للناس هذا أفضل. فيقال في مثل هذا: لا يكون صيام داود في حقه أفضل. ولو أن شخصا آخر متفرغ للعبادة، ليس عنده شيء من الأعمال ولا الأفعال التي تتعلق بالناس أو ينتفع بها الناس، رجل يعني متفرغ للطاعة والعبادة، أموره ميسرة، سأل: هل الأفضل في حقي أن أصوم صيام داود؟ فيقال في مثل هذا: لا بأس أن يكون أن تصوم هذا الصيام، وهو أفضل لك. لأنك متفرغ للطاعة والعبادة، والنبي عليه الصلاة والسلام مع إخباره بأن أفضل الصيام صيام داود، ومع ذلك ما صام عليه الصلاة والسلام هذا الصيام، ما صام عليه الصلاة والسلام صيام داود، وإنما أرشد بذلك من قوله. هل يدل هذا على أنه لا يستحب هذا الصيام أو ليس بأفضل؟ لا، وإنما ترك النبي عليه الصلاة والسلام ذلك لأنه منشغل بما هو أهم من القيام بأمور المسلمين، وتجهيز الجيوش، وكذلك أيضا تجهيز المقاتلين والمجاهدين، إلى آخر ذلك من الأعمال العظيمة التي كان يقوم بها النبي عليه الصلاة والسلام مما فيها نفع متعدي. فلذلك أرشد بذلك بقوله، ولم يفعله عليه الصلاة والسلام. كذلك أيضا من كان سيصوم هذا الصيام ينبغي أن يتنبه إلى أمر وهو أنه إذا قام بهذه العبادة والطاعة لا ينبغي له أن يهمل ما عليه من واجبات. لو أن شخصا سيصوم يوما ويختر يوما، وإذا صام هذا الصيام سيتكاسل عن طلب الرزق وعن العمل والتكسب لأهله وولده، فإذا كان حاله كذلك فهذا لا يجوز له أن يصوم هذا الصيام، لأن هذا الصوم مستحب، وقيامه على أهله والتكسب لهم هذا أمر واجب، لا يجوز أن يضيع الواجب لأجل أمر مستحب. كذلك أيضا لو أنه سيصوم صيام داود، ثم يتكاسل عن أداء الفريضة والواجب من العبادة والصلاة، هذا أيضا لا يجوز له أن يصوم، يصوم مثلا ثم يأتي آخر النهار وهو تعبان ما يستطيع يذهب إلى المسجد يصلي الفريضة، يقال في مثل هذا: لا يجوز لك أن تصوم هذا الصيام فتترك الواجب وتضيع الواجب لأجل هذا المستحب. إذن هذا الصيام في حق من كان يستطيع أن يقوم به مع القيام بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه من الفرائض والواجبات، سواء كانت الفرائض الشرعية من الصلاة ونحوها، أو كذلك أيضا من الواجبات التي عليه تجاه أهله وولده. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما أرشد عبد الله بن عمرو، وبلغه أنه يريد أن يصوم الدهر، قال: «إن لنفسك عليك حقا، ولعينك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا». فأرشده عليه الصلاة والسلام بالاقتصاد في باب العبادة والطاعة. حتى إن عبد الله بن عمرو لما كبر قال: ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأن الإنسان ينبغي أن ينظر إلى حاله في المستقبل كما ينظر إلى حاله في الحاضر، والإنسان يتغير، يكبر ويضعف، فإذا ألزم نفسه بشيء في حال شبابه وفي حال قوته قد يضعف عنه إذا كبر وإذا ضعفت جوارحه. فلذلك الاقتصاد في العبادة والطاعة أمر مطلوب، كان عبد الله بن عمرو لما كبر يصوم خمسة عشر يوما متتابعة ثم يفطر خمسة عشر يوما، كراهية أن يترك شيئا مما أرشده إليه النبي عليه الصلاة والسلام وهو ألزم نفسه بذلك. وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم حث ورغب في الاقتصاد في العبادة والطاعة، قال عليه الصلاة والسلام: «استعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، القصد القصد تبلغوا». وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه». وقال عليه الصلاة والسلام: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». فكون المسلم يقتصد في العبادة مع الاستمرار والمداومة هذا أفضل، يعني لو أنك تصوم من الشهر ثلاثة أيام مع الاستمرار والمداومة على ذلك هذا أفضل من أنك تصوم مثلا يوما وتفتر يوما، ثم مع مرور الأيام تتكاسل فتترك الصيام بالكلية. فالإتيان بشيء من الطاعة وإن كان قليلا مع الاستمرار هذا خير من الإتيان بكثير من الطاعة والعبادة ثم تتكاسل عنها فتتركها بالكلية. فالمقصود أن المسلم يواظب على طاعة الله ويجعل له من العبادة والطاعة ما يستطيع أن يقوم به ويستمر عليه من غير مشقة عليه أو كلفة شديدة عليه، فهذا يعينه على الاستمرار على الخير والاستمرار على فعل هذه الطاعة والمداومة على فعلها، وهذا أحب إلى الله جل وعلا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.