كتاب التفسير من صحيح البخاري 314

كتاب التفسير من صحيح البخاري 314

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 314، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سورة الكوثر: التسمية وخلاف النزول وتفسير الأبتر

يتناول هذا المحور تسمية سورة الكوثر في صحيح البخاري وخلاف العلماء في كونها مكية أو مدنية مع ترجيح القول بمدنيتها لرواية أنس بن مالك. كما يفسر قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ مبيناً أن المراد مبغضو النبي صلى الله عليه وسلم الذين انقطع ذكرهم وذريتهم حساً أو معنى.

أقصر السور القرآنية وأسند حديث قتادة عن أنس

يبين هذا المحور أن سورة الكوثر هي أقصر سورة في القرآن من حيث عدد الحروف والكلمات مع تساويها مع سورتي العصر والنصر في عدد الآيات. ويسرد إسناد حديث قتادة بن دعامة عن أنس بن مالك مصححاً خطأ شائعاً حول والد أنس بن مالك مؤكداً أنه لم يسلم ومات قبل الهجرة.

وصف نهر الكوثر في المعراج والقراءات القرآنية

يصف هذا المحور نهر الكوثر كما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في المعراج بحافتين من قباب اللؤلؤ المجوف وآنية بعدد النجوم مستنداً إلى رواية عائشة وإسنادها الكوفي. ويناقش القراءات القرآنية المختلفة للآية مرجحاً كون الكوثر نهراً عينياً في الجنة مقابل تفسير ابن عباس له بالخير الكثير.

تفسير الكوثر بأنه نهر في الجنة وختام الدرس

يوضح هذا المحور أن الكوثر المذكور في السورة هو نهر في الجنة أعطاه الله للنبي صلى الله عليه وسلم مستدلاً بأحاديث في صحيح مسلم وحديث عائشة. ويختتم المتحدث الدرس عند هذا الحد ملخصاً الرأي الراجح في تفسير الكوثر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب» أو قال: «سورة إنا أعطيناك الكوثر». وقال ابن عباس: «إن شانئك هو الأبتر». هذه السورة سورة الكوثر، هكذا سميت في المصاحف، وكذلك في كتب التفسير وغيره. إلا أن الإمام البخاري هنا قال: «سورة إنا أعطيناك الكوثر»، والظاهر أنه لم يرد اسم السورة، وإنما أراد التعريف بها. وهذه السورة من السور القصار، واختلفوا في نزولها: هل هي مكية أم مدنية؟ فمنهم من قال: إنها مدنية، ومنهم من قال: إنها مكية. وأكثر المفسرين والسلف على أنها مكية، لقوله: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾، على أنها نزلت في العاص بن وائل. لكن قوله: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾، قد جاء في صحيح مسلم في حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كنا جلوساً عند النبي عليه الصلاة والسلام فغفى غفوة، ثم رفع رأسه يبتسم، قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: لقد أنزلت علي سورة»، ثم قرأها، ثم قال: «والكوثر نهر أعطانيه الله عز وجل». فهذا يدل على أنها مدنية، لأن أنساً لم يعرف مكة، وما رأى النبي صلى الله عليه وسلم إلا في المدينة. فلذلك الصحيح عند أهل العلم أنها مدنية. وأما نزول قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾، فلم يصح أنها في العاص، ولا في أبي جهل، لكن جاء ذلك في أسانيد معضلة. فلذلك الصحيح أنها مدنية. وقد يحمل أيضاً قوله جل وعلا: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾ على هؤلاء، أي: مبغضيك، ولا مكابر أيضاً. كذلك: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾، أي: عدوك هو الأبتر. أي: المقطوع. وقد يكون هذا حساً أو معنى، حساً أو معنى. فقد يكون الأبتر: أي أبتر في أولاده، لم يولد له ولد، وهكذا كانت العرب تسميه. أو انقطع عن أولاده، ويسمى الأبتر أيضاً الذي لم يتابعه أولاده، لم يتابعوه على ما هو عليه، فأولاده يكون أبتر. ويقال: إن أبا جهل والعاص بن وائل كلاهما لم يتابعهما أحد من أولادهما. فأبو جهل: عكرمة أسلم، وكذلك أخته أسلمت، أخت عكرمة بنت أبي جهل التي كان أراد علي أن يتزوجها. وكذلك نزلت -يقال: إنها نزلت في عقبة بن أبي معيط- وعقبة أيضاً كذلك، ولده الوليد أسلم، الوليد بن عقبة، وكذلك بنته أم كلثوم بنت عقبة أيضاً أسلمت، تزوجها عبد الرحمن بن عوف أو الزبير بن العوام. فأيضاً لم يتابعه أحد من أولاده فهو أبتر. إلا كما قلنا: فالآية نزلت، أو هذه السورة نزلت في المدينة، وهي من أكثر السور... من أكثر السور، أو نقول: إنها أكثر سورة على الإطلاق؟ هل يصح أن نقول: إنها أكثر سورة في القرآن ما عند من الجوانب؟ ها، حجوز... من أكثر... من أكثر سورة... من أكثر... كيف نسبة للسورة الأخرى؟ أكثر... أكثر سورة على الإطلاق، وأنا ما في مساويها، ما في سورة عدد آياتها مثل... ليش ما في سورة ثلاث آيات؟ ها، العصر، ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ ﴾، الفتح، ثلاث آيات. لكن من ناحية عدد الحروف والكلمات ومعناها: هي أقصر سورة من ناحية عدد الحروف والكلمات، أن كلماتها أقل سورة من السور، وأحرفها. وأما من ناحية الآيات فهناك ما يساويها كسورة العصر، وسورة أيضاً ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ ﴾ الفتح، فهي تساويها كذلك في الآيات. لكن الكوثر هي أقصر سورة من ناحية عدد الحروف والكلمات. من ناحية عدد الحروف والكلمات. فلذلك ممكن أن يقال: إنها أقصر سورة من هذه الناحية. قال: «باب: حدثنا آدم»، وهو ابن أبي إياس العسقلاني، قال: «حدثنا شيبان»، وهو ابن عبد الرحمن النحوي، قال: «حدثنا قتادة بن دعامة بن خطاب السدوسي البصري، الحافظ، الأكمه، ولد أعمى، لكنه أعطاه الله عز وجل حفظاً حتى سُمّي بالمصحف، كان يسمى بالمصحف». والمصحف: تُسمّى لمن كان حفظه قوياً جداً. ولهذا: مصحف أهل الكوفة من عندهم مصحف أيضاً، الكوفة من مصحف هم... لعمش... لعمش، مصحف أهل الكوفة. وأهل البصرة: قتادة، ناحية حفظه قوي جداً، وأيضاً حفظه للقرآن وللسنة. قال: «حدثنا قتادة عن أنس رضي الله عنه». وأبو حمزة: أنس بن مالك النجاري الأنصاري رضي الله عنه. قال: «ولما... معنا القصة المذكورة... قصة دائماً نذكرونها في هذه الجولات، الواتس، يقولون: أن أنساً والده ذهب وكذا، وجاء بعد عشرين سنة، هذا كل خطأ. وأنس بن مالك أبوه لم يسلم أصلاً، وإنما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، وقد مات، وقد مات مالك وهو زوج الرميصاء أم سليم. وهم خلطوا، الظاهر كأنهم بين أنس بن مالك ومالك بن أنس. حتى مالك بن أنس أيضاً سيكون أيضاً خطأ، مالك بن أنس أبوه كان عالماً من أهل الحديث، وقد روى عنه الزهري، ومات قديماً، ومالك كان صغيراً. فلذلك فالقصة غير صحيحة، لا في هذا ولا بهذا». قال: «عن أنس رضي الله عنه قال: لما عرج بالنبي عليه الصلاة والسلام إلى السماء، قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ، قباب اللؤلؤ مجوف. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر». وسُمّي الكوثر لكثرة مائه، وقيل: لكثرة مائه وآنيته وعظم قدره وخيره. ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾. وقرأ بعضهم: ﴿ إِنَّا أَنْضَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾، وهذه لغة لحد الآن تجد بعض القبائل يتكلم بها، أن يقول: أعطيناك، أنضيناك. وقرأ بذلك طلحة بن مصرف، وابن محيصن، كذلك كما ذكر الحافظ. وهنا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف». حافتاه: أي طرف هذا النهر، أو شاطئ شاطئ النهر. وشاطئ النهر مجوف، ليس مفتوح، وإنما مجوف كالقباب المجوفة، مثل الظل، وأيضاً مثل الدر المجوف كما جاء في الحديث الآخر: «شاطئه». فالمراد به: حافتا هذا النهر، حافتا هذا النهر مجوفتان، وليستا مفتوحتين. وقال في الحديث الآخر: قال: «حديث عائشة رضي الله عنها، قال أبو عبيدة، وهو ابن عبد الله بن مسعود: سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾، قالت: هو نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم، شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم». ذكره البخاري هنا. قال: «حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي، قال: حدثنا إسرائيل». خالد كوفي، والإسناد كله كوفي. إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة. قال البخاري: «ورواه زكريا، وأبو الأحوص، ومطرف عن أبي إسحاق». زكريا بن أبي زائدة، وأبو الأحوص: سلام بن سليم، ومطرف بن طريف. كلهم رووه عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عائشة. فالصحيح أن هذا الكوثر هو نهر، ليس مثل ما قال ابن عباس كما سيأتي: أنه الخير الذي أعطاه الله إياه. وقد يكون كما سيأتي في هذا الأثر عن سعيد بن جبير، لما فسر قول ابن عباس: «النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه». معناه: كأنه أراد تفسيرها بالعام: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾، أي: أعطيناك الخير كله. لكن الظاهر أن هنا جاء تخصيصه، والنبي عليه الصلاة والسلام كما في حديثي الصحيح مسلم ذكر أنه نهر، أن الكوثر نهر، وكذلك في حديث عائشة هنا: أنه نهر أعطاه الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا. ننتهي درس... الله دعا... أعطيناك... شكراً... شكراً.