الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع الدليل على اشتراط القبول كشرط رابع من شروط "لا إله إلا الله" مستشهداً بآيات سورة الصافات وحديث الغيث، موضحاً أن القبول يعني التصديق بأخبار الشهادة والالتزام بأوامرها ونواهيها بوطن النفس على العمل بشرع الله. وهو انقياد عملي يتجاوز مجرد النطق أو التصديق القلبي ليشمل تحكيم شرع الله في الحياة.
يشرح المقطع أن شرط القبول يستلزم الالتزام التام بطاعة أوامر الله واجتناب نواهيه مدى الحياة، مبيناً أن نقيضه هو الجحود وهو الإنكار مع العلم كما فعل كفار قريش وقوم فرعون. مع الإشارة إلى التداخل في استعمال العلماء لمصطلحي القبول والانقياد في هذا السياق.
يوضح المقطع الفرق الدقيق حيث أن القبول هو الالتزام القلبي والعهدي بشرع الله وأصل الإيمان، بينما الانقياد هو التنفيذ العملي لهذا الالتزام في الواقع. مستدلاً بآية الصافات على أن الاستكبار ضد القبول يجعل تاركه كافراً، ومؤكداً الحديث النبوي على شرط القبول بهدى الله.
يختم المتحدث بالتأكيد على أن من يحكم في حقه وهو مؤمن تابع للنبي صلى الله عليه وسلم يلزمه قبول ما دلت عليه كلمة التوحيد. مبيناً أن هذا هو مقصود الاستشهاد بالحديث ومفوضاً العلم لله تعالى في ختام البحث.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الثالث والعشرون: ما دليل اشتراط القبول من الكتاب والسنة؟ القبول هو الشرط الرابع من شروط "لا إله إلا الله"، أو الشرط الثالث من شروط "لا إله إلا الله"؟ الشرط الرابع، نعم، من شروط "لا إله إلا الله". الشرط الأول: العلم، والثاني: اليقين، والثالث: الانقياد، والرابع: القبول. وكما تقدم معنا أن المؤلف بعدما أجمل ذكر الشروط السبعة، بدأ بذكر أدلتها في الأسئلة التي بعد ذلك. فقال في هذا السؤال: ما دليل اشتراط القبول من الكتاب والسنة؟ قال: الجواب: قال الله تعالى في شأن من لم يقبلها: ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله به الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». والحديث في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه. ما المقصود بالقبول في اشتراط "لا إله إلا الله"؟ المقصود بها: أن يقبل المشهد بـ "لا إله إلا الله" ما دلت عليه من النفي والإثبات، ولوازم ذلك. ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام: أن من شهد أن لا إله إلا الله يلزمه قبول الأخبار التي دلت عليها هذه الكلمة، وذلك بالتصديق، ويقابل الأوامر والنواهي بالالتزام. فلا يكفي التصديق أو النطق بها، فكم ممن يعتقد صدق النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لم يلتزم بما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والمراد بالالتزام: اعتقاد الوجوب والإقرار به، يعني أنه أوجب على نفسه أن يعمل بشرع الله، يلزم نفسه ويوطن نفسه أن يعمل بشرع الله. هذا الالتزام هو معنى الانقياد، هو معنى القبول، وهو شيء خلاف الفعل والعمل. فمثلاً على سبيل المثال: لو إنسان أراد أن يسلم، كان كافراً أراد أن يسلم، فيقال له: قل "لا إله إلا الله" (النطق)، ثم يعلم معناها، ثم كذلك يقال له: هذه الكلمة التي قلتها تلزمك أن تصدق بكل ما أخبرت به، ويلزمك أيضاً بأن... ويلزمك أيضاً بأن تلتزم بكل أمر تأمر به، وتنتهي عن كل نهي تنهى عنه. فهل أنت ملتزم بذلك؟ هل أنت عامل بذلك، قائم بذلك؟ فإن قال: نعم، أنا ملتزم بذلك، فهنا يكون قد عمل بهذا الشرط وهو القبول، أي أنه قبل ما تقتضيه هذه الكلمة. ما تقتضيه هذه الكلمة: فالقبول غير العمل بما تقتضيه هذه الكلمة. القبول معناه: الالتزام بما دلت عليه هذه الكلمة، أي أنه ملزم، أنه يجب عليه أن يطيع الله وأن يستجيب لأوامر الله فعلاً للأوامر وتركاً للنواهي. هذا هو معنى القبول، هذا هو معنى القبول. وهذا الشرط ينتقض في حق من قابل أوامر الله بالجحود، والجحود هو الإنكار مع العلم. ولذلك ماذا قال الله عز وجل في كفار قريش؟ قال: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا ﴾... أو ماذا قال ربنا عز وجل في قوم فرعون؟ قال: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ﴾. جحدوا بها: أي لم يلتزموا ما دلت عليه هذه الكلمة مع علمهم بما تقتضيه هذه الكلمة، لكن بسبب عدم التزامهم بما تدل عليه هذه الكلمة حكم عليهم بالكفر والظلم. والظلم الذي يقابل القبول هو الجحود، والجحود هو الإنكار مع العلم. فيقال لإنسان مثلاً: هذه الكلمة تلزمك بأن تصلي، فهل أنت ملتزم بذلك؟ قال: لا. قيل له: هذه الكلمة تلزمك أو تلزمك بأن تصوم شهر رمضان، هل أنت ملتزم بذلك؟ قال: لا. قيل... قيل له: هذه الكلمة تلزمك أن تخرج زكاة مالك الذي بلغ النصاب ودار عليه الحول، فهل أنت ملتزم بذلك؟ قال: لا. إذن هذا ما قبل ما تقتضيه هذه الكلمة. فإذا قال: لا، أنا لست ملتزماً بذلك، فقد انتفى في حقه شرط القبول، انتفى في حقه شرط القبول. فإذن لا بد من قبول ما تقتضي هذه الكلمة، والرضى والالتزام. فالقبول هو بمعنى العهد والميثاق على الآخذ أن يأخذ، أو على الناطق بهذه الكلمة المؤمن بها أن يأخذ بشرع الله وأن يثبت عليه حتى الممات. لا يقال له: تلتزم مؤقتاً ثم لك أن تترك ما دلت عليه هذه الكلمة. لا يقال له: إذا نطقت بهذه الكلمة فيلزمك أن تعمل بما تقتضيه إلى أن تموت، لا تلتزم في فترة دون أخرى، وإنما حتى تموت وحتى تلقى ربك سبحانه وتعالى. هذا هو معنى القبول. وبين القبول والشرط الذي قبله وهو الانقياد اشتباه كثير، حتى أن بعض العلماء يستعمل الانقياد في موضع القبول، ويستخدم القبول في موضع الانقياد. ولكن هناك فرق يسير ودقيق بين شرطي الانقياد والقبول. وهذا الفرق هو: أن القبول كما تقدم هو الالتزام بشرع الله، فهو عهد وميثاق من القائل بهذه الكلمة. فالقبول أصل لا يتحقق الانقياد إلا به، فهو أصل ثمرته الانقياد. وأما الانقياد: فأن الملتزم بهذه الكلمة يلزمه كما تقدم معنا أن يقوم بالفعل بما أمر الله به في الجملة. كما تقدم معنا مثلاً على سبيل المثال، على سبيل المثال حتى نقرب الفرق بين القبول والانقياد: إنسان جاء يريد أن يعمل عندك في الدكان. طيب، فأنت تقول له: إذا تريد أن تعمل عندي في الدكان يلزمك أن تداوم الساعة الثامنة إلى الساعة الواحدة، ويلزمك أن لا تأخذ شيئاً من الدكان إلا بإذن، ويلزمك أن تغلق الدكان وقت الصلاة، ويلزمك أن تداوم أيضاً من الساعة الرابعة إلى الساعة الثامنة مساءً. فهل أنت ملتزم بهذا؟ فإذا قال: لا، أنا لست ملتزماً بهذا، إذا من البداية انتهى العقد، صح، انتهى العقد. إذا لم يوجد التزام لا يوجد عقد ولا يوجد كذلك عهد وميثاق. لكن إذا قال لك: نعم، أنا ألتزم بذلك، فيقال له: إذن يلزمك الآن الانقياد. إيش معنى الانقياد؟ يعني التنفيذ. فالانقياد ماذا؟ التنفيذ والعمل بهذه الشروط. قبل بهذه الشروط، قبل بهذه الشروط، والانقياد يلزمه التنفيذ والعمل، والعمل بما التزم به، والعمل بما التزم به. فهذا هو الفرق بين القبول والانقياد، بين القبول والانقياد. ثم ذكر المؤلف أدلة ذلك، أدلة القبول. فاستدل بهذه الآيات التي في سورة الصافات، والاستدلال بهذه الآية: وجه الدلالة منها أن الاستكبار ضد القبول، الاستكبار ضد القبول. الآية ما فيها القبول، فيها ضده وهو الاستكبار، لأنه قال: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾، أي لا يلتزمون بما تدل عليه هذه الكلمة. وبضدها تتبين الأشياء، فيكون وجه الدلالة من هذه الآية: أن أهل الإيمان والتوحيد على النقيض من أهل الكفر والشرك. فكما أن أهل الكفر والشرك يستكبرون عن الالتزام بما تدل عليه هذه الكلمة، فإن أهل الإيمان يقبلون ويلتزمون بما تدل عليه هذه الكلمة، وهو القبول، وهو ماذا؟ القبول. هذا هو وجه الاستدلال من هذه الآية، وهو استدلال دقيق، عرف بضده، عرف بضده. فإذن دل ذلك على أن من شرط الإيمان القبول، من شرط الإيمان وقول "لا إله إلا الله" القبول. ومن لم يقبل فهو مستكبر، فهو مستكبر لأنه جحد ما دلت عليه هذه الكلمة، فليس بمؤمن، فهو من أهل الكفر. هذا هو وجه الشاهد من هذه الآية. وأما الحديث فوجه الشاهد منه آخره، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به»، «ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». فإن تقض في حقي من كانت هذه حاله أن يكون مؤمناً أو متبعاً للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إذن لا بد من قبول ما دلت عليه هذه الكلمة. هذا هذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث، وبهذا نكتفي، وإلى هنا والله تعالى أعلم.