الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن اليقين هو الشرط الثاني لشهادة التوحيد ومعناه الجزم الذي ينفي الشك، مستدلاً بآية سورة الحجرات وأحاديث أبي هريرة في صحيح مسلم. ويؤكد أن من شك في معنى الشهادة لم تنفعه تكرارها بلا استيقان قلبي.
يعرض المقطع الانقياد كشرط ثالث للشهادة مستدلاً بقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ وحديث "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به". ويوضح أن الانقياد يتحقق بإفراد الله بالعبادة والعمل بشرعه لا بمجرد النطق.
يفرّق المقطع بين توحيد الألوهية العملي المستلزم للعمل وتوحيد الربوبية العلمي القاصر على المعرفة، مؤكداً أن الإيمان الحقيقي يتحقق بالإسلام والانقياد والإحسان. ويحذر من اتباع الهوى المخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
يشير المقطع إلى أن المعاني المذكورة تدل على وجوب العمل بشهادة التوحيد كما سبق بيانه. ويختم بعبارة غير مكتملة تتضمن إشارة إلى ترجمة منسوبة إلى نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: قال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "إعلام السنة المنشورة": ما السؤال الحادي والعشرون؟ ما دليل اشتراط اليقين من الكتاب والسنة؟ قلنا: المؤلف بهذه الأسئلة يتكلم عن أدلة شروط "لا إله إلا الله". أخذنا الشرط الأول، ألا وهو العلم، ودليل العلم. ثم ثنى المؤلف رحمه الله تعالى بذكر أدلة دليل الشرط الثاني، ألا وهو اليقين. قال: الجواب: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة». الحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة. وقال صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: «من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة». كلاهما في الصحيح، أي صحيح مسلم، وكلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. اليقين المراد به الجزم في أن لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، فيوقن بمعناها يقيناً يزول معه كل شك، يزول معه كل شك. فاليقين أعلى درجات التصديق، أعلى درجات التصديق، وكما قال القائل: ولا تنفع المرْءَ الشهادةُ فعْلُهُ ... إذا لم يكن مستيقناً ذاتَ جَرْدِ فلا بد من اليقين الذي ينافي الشك والريب، ومن باب أولى الذي ينافي التكذيب؛ لأن التكذيب أشد. والشك والريب والتكذيب كل هذه من صفات أهل النفاق، من صفات أهل النفاق. أما أهل الإيمان فإنهم موقنون بمعنى هذه الكلمة، كما استدل المؤلف بهذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾، وهنا "إنما" تفيد الحصر، يعني لا يكون المؤمن مؤمناً إلا إذا حقق ما جاء بعد هذا الحصر: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، أي لم يشكوا. فدل ذلك على أن عدم الارتياب ملزم لحصول اليقين، ملزم لحصول اليقين. فمن طهر قلبه من الشك والريب فحصل له اليقين، بخلاف أهل النفاق فقد قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾. فأهل النفاق عندهم شك في أن الله عز وجل هو المعبود بحق سبحانه وتعالى، فلذلك أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر والنفاق. ثم ذكر هذين الحديثين: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما» بهذا القيد. وتقدم معنا أن أهل السنة يجمعون بين الأدلة، فيجعلون الأدلة المختلفة كالدليل الواحد. فهذا الحديث ذكر فيه قيد عدم الشك، والحديث الذي بعده ذكر فيه قيد الاستيقان، وهو بمعنى اليقين، وهو بمعنى اليقين. فهذان الحديثان يدلان دلالة واضحة على أن نفي الشك يفيد ثبوت اليقين: إذا نفي الشك من القلب ثبت ضده وهو اليقين، وهو اليقين. والعكس بالعكس: كما أن ثبوت اليقين يفيد نفي الشك، فكذلك نفي الشك يفيد ثبوت اليقين. وكما هو مقرر في علم قواعد الأصول: أن الشرط إذا انتفى فقد انتفى المشروط. الشرط إذا انتفى انتفى المشروط. ما هو الشرط؟ "غير شاك"، "مستيقناً بها". فإذا انتفى هذا الشرط انتفى المشروط. ما هو المشروط؟ تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فمن شك فيه، ما لم تنفعه قول "لا إله إلا الله" ولو قالها مليون مرة، ولو قالها أكثر من ذلك، إذا عنده أدنى شك أو أدنى يقين... أدنى شك أو أدنى ريب، فإن هذا القول لا ينفعه، هذا القول لا ينفعه. فمن قال مثلاً: "أنا أشك أنه لا إله مستحق للعبادة إلا الله، أشك في ذلك"، قيل له: ما معك شيء من الإيمان، وما معك شيء من شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأنه ليس متيقناً من معنى هذه الشهادة. فهو يقول: ربما يكون الله وحده هو المستحق للعبادة، وربما يكون مثلاً عيسى هو المستحق للعبادة، وقد يكون محمد صلى الله عليه وسلم هو المستحق للعبادة، فهو في شك من أمره. فهذا لا تنفعه هذه الكلمة وإن قالها مرات كثيرة. فهذا معنى اليقين: أن تعلم معنى هذه الكلمة وتوقن بأنه لا معبود بحق إلا الله، ما عندك أدنى شك ولا أدنى تردد في هذا المعنى، في هذا المعنى. وفي هذين الحديثين أيضاً: أن اليقين في الشهادتين سبب لدخول الجنة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إلا دخل الجنة»، في الحديث الآخر: «فبشره بالجنة»، فبشره بالجنة. وفي هذا الحديث الأخير: جواز تبشير المسلم بالجنة على سبيل العموم إذا عمل أعمالاً تكون سبباً في دخول الجنة. فمثلاً تقول: "أبشر المؤمن الذي يصلي بالجنة"، هذا على سبيل العموم. نبشر المؤمن الذي يجاهد في سبيل الله بأن له الجنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، وهكذا غيرها من الأعمال الصالحة على وجه العموم. أما على وجه التخصيص، فإن أهل السنة لا يشهدون لأحد بعينه بجنة أو نار إلا من شهد له الله سبحانه وتعالى، أو شهد له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: السؤال الثاني والعشرون: ما دليل اشتراط الانقياد من الكتاب والسنة؟ الانقياد: هذا الشرط الثالث من شروط "لا إله إلا الله". فقلنا: الكلام في هذه الأسئلة على أدلة هذه الشروط. قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به». وهذا الحديث أخرجه كما يقول المعلق: الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" من حديث عبد الله بن عمر، وضعفه العلامة الألباني في "المشكاة". فلفظ هذا الحديث لا يصح، لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لكن أهل العلم ذكروا أن معناه يصح، معنى هذا الحديث صحيح، فيستدل به على أمر الانقياد لـ "لا إله إلا الله" وما دلت عليه من العمل بشريعة الله سبحانه وتعالى. فلا يتحقق إيمان العبد حتى يعمل بما تقتضيه هذه الكلمة، وهو معنى الانقياد. فالانقياد بمعنى: أن ينقاد المسلم لما دلت عليه كلمة التوحيد من توحيد الله عز وجل، والعمل بمعنى "لا إله إلا الله". لما تقول: "لا معبود بحق إلا الله"، هذا القول يحتاج منك إلى ماذا؟ إلى عمل. فمن قال "لا إله إلا الله" ولم يجعل الله عز وجل معبوده، فهذا لم ينقد لمعنى "لا إله إلا الله". وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾، يسلم يعني ينقاد، ينقاد لله سبحانه وتعالى. والانقياد لـ "لا إله إلا الله" قلنا: يشمل أمرين اثنين: الأمر الأول: العمل بما تقتضي هذه الكلمة من إفراد الله عز وجل بالعبادة. فلو قال قائل: "أنا أعتقد أنه لا إله إلا الله وأؤمن بذلك"، لكن لم ينقد لمعنى هذه الكلمة، فلم يعبد الله، ولم يخلص العبادة له، ولم يتوجه إليه بالذل والتضرع والدعاء والرغبة والرهبة ونحو ذلك، فهذا لم ينقد لمعنى هذه الكلمة. فهذا هو المعنى الأول. المعنى الثاني الذي يدل عليه معنى الانقياد: أن يعمل بما تدل عليه هذه الشريعة أو هذه الكلمة من العمل بشريعة الله، فيعمل بطاعة الله، ويجتنب... ويجتنب ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه. فكما أنه يعبد الله وحده، كذلك يعمل بشريعة الله سبحانه وتعالى في الجملة، يعمل بشريعة الله سبحانه وتعالى في الجملة. فمن قال مثلاً: "أنا لا أدعو غير الله، ولا أعتقد أن غير الله يستحق للعبادة". طيب، قيل له: صل، صم، تصدق، زك، اذهب إلى الحج. قال: "لا، أنا ما سأعمل شيئاً من هذه الأعمال". هل هذا منقاد لمعنى "لا إله إلا الله"؟ ليس منقاداً لمعنى "لا إله إلا الله". فإذن الانقياد لهذه الكلمة: أن يجتمع في المسلم هذان الأمران. فمن وقع في الشرك فلا تنفعه "لا إله إلا الله"، لماذا؟ لأنه لم ينقد في العمل بمعنى "لا إله إلا الله". ومن ترك الانقياد لشرع الله جملة، يعني كل ما في هذه الشريعة، فلا يدين لله بطاعة، ولا يأتمر لله بأمر، ولا ينتهي عما نهى عنه، فهذا يسمى معرِضاً متولياً. وكلا هاتين الصفتين من صفات أهل الكفر، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. ما مصيبتهم؟ حتى نفى الله عز وجل عنهم الإيمان لأنهم تولوا وأعرضوا عن العمل بما دعوا إليه مما تقتضيه هذه الكلمة من الشرائع والأعمال، فتولوا وأعرضوا، فنفى الله عز وجل عنهم الإيمان. وكما في الآية الأخرى: ﴿وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. فمن أعرض عن شريعة الله فهذا لم ينقد لـ "لا إله إلا الله"، فيكون غير منقاد لها، غير منقاد لها. وكما تعلمون أن توحيد الألوهية يسمى عند العلماء "التوحيد العملي". لماذا سموه التوحيد العملي؟ لأن المسلم ينقاد لمعنى "لا إله إلا الله"، فتقتضي منه هذه الكلمة أن يعبد الله وحده، وأن يفرده سبحانه وتعالى بالعبادة. فلذلك يسميه العلماء بالتوحيد العملي. ويقابل هذا النوع من أنواع التوحيد "التوحيد العلمي"، وهذا يشمل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن الربوبية والأسماء والصفات إنما هي أن يعلم المؤمن بأنه لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، وأن لله عز وجل الأسماء الحسنى والصفات العلى. فمن هنا لُقِّب هذا التوحيد بالتوحيد العلمي. وأما توحيد الألوهية فلُقِّب بالتوحيد العملي؛ لأن من عرف معنى هذه الكلمة وجب عليه أن يعمل بها، ومن العمل بها: إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، وكذلك العمل بما أرسل به الرسل من الشرائع. وكما قال الله عز وجل مبيناً لنا الحكمة من إرسال الرسل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، إلا ليطاع، بمعنى أن الرسل جاءت بـ "لا إله إلا الله"، ولم تأمر الناس أن يقولوا هذه الكلمة دون عمل، وأتبع ذلك بأن دعوا الناس إلى العمل بها، ومن العمل بها: إفراد الله عز وجل بالعبادة، وخلع كل ما يعبد من دون الله عز وجل، وهكذا العمل بما تدعو إليه الرسل مما أمرت به من ربها سبحانه وتعالى، ومن تبليغه لأقوامهم، ومن تبليغه لأقوامهم. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فهذا هو معنى الانقياد، وهذا هو دليله. وأما الحديث، وأما الآية أولاً: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ﴾، عرفنا ما معنى "يسلم": أن ينقاد لله سبحانه وتعالى، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، بمعنى الإحسان، بمعنى الاتباع، وهكذا الإخلاص لله عز وجل في هذا العمل. نعم، فإن الإحسان يشمل الاتباع: اتباع الرسل، والعمل بما جاءت به الرسل، وهكذا الإخلاص لله عز وجل، وصرف جميع تلك العبادات لله سبحانه وتعالى وحده، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. العروة الوثقى هي "لا إله إلا الله". إذن ما يكفي أن يقول القائل "لا إله إلا الله" ثم لا ينقاد لها ولا يعمل بمقتضاها، فهذا لا تنفع هذه الكلمة. ولذلك قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، أي: من قاد لها، بقول: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ﴾، ومن أخلص لله سبحانه وتعالى في العبادة، في قوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، فيتبع ما تدعو إليه الرسل مما تدل عليه هذه الكلمة. وأما الحديث: فإن كان لفظه ضعيفاً إلا أن معناه صحيح، نفي الإيمان عن من يتبع هواه ولا يتبع ما جاءت به الرسل. فمن اتبع هواه، والهوى هو: أن يعمل بما يمليه عليه عقله، أو بما تمليه عليه نفسه، وإن عارضت ما جاءت به الرسل، فهذا هو اتباع الهوى. اتباع الهوى: معارضة الحق بما تشتهيه النفس، أو ما يمليه العقل، أو نحو ذلك من تلك الأمور التي تصد عن قبول الحق. فقوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به»، لا يكون هواه تبعاً لما يحبه هذا الهوى وما يشتهيه هذا الهوى، وإنما يكون هذا الهوى تبعاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا معنى من المعاني التي تدل على العمل بـ "لا إله إلا الله"، كما تقدم معنا. نكتب بهذا وإلهنا والله ترجمة نانسي قنقر