الدرس في شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث الناظم عن أهمية مقامي الرجاء والخوف في الإسلام، حيث يجب على المسلم أن يبني سيره إلى الله على هذين المقامين. يُشدد على أن هذه المقامات أساسية لاستمرار العبد في طاعة الله وعبادته.
الخوف والرجاء هما مقامان عظيمان في العبادة، يجب على الإنسان أن يتحلى بهما معًا لينال رضا الله ويفوز بالنجاة. الإنسان إذا خاف من الله هرب من الذنوب والمعاصي، وإذا رجاه طمع في رحمته وثوابه.
ينبغي للإنسان أن يجمع بين الخوف والرجاء في تعامله مع الله، وقد دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. دلالة هذه المقامات تأتي من آيات وأحاديث مثل قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
أشار الناظم إلى مقامي الرجاء والخوف كأساس لجميع المقامات الشرعية والتعبدية، وأكد على أهميتهما في السير إلى الله تعالى. أسأل الله أن ينفعنا بما قلنا ويصلي على نبينا محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وهم الذين بنوا منازل سيرهم بين الرجاء والخوف للديان، في هذه الأبيات، وفي هذا البيت بالذات، لا زال الناظم رحمه الله تعالى يذكر لنا منازل السائرين إلى الله جل في علاه، وهاهو في هذا البيت يشير إلى مقامين اثنين، أولهما مقام الرجاء، ومقام الخوف، وهما من أعظم المقامات التي ينبغي أن يتحلى بها أهل الإسلام. والسر في أهمية هذين المقامين ما أشار إليه الناظم رحمه الله تعالى، من أنهما من سائر إلى الله ينبغي أن يبني كل مقام من مقامات الدين أن يبنيهما على هاتين الصفتين، لا بد أن يقوم على مقام الرجاء وعلى مقام الخوف. كما ذكرنا في الدرس الأخير، وفي درس أمس، إذا كانت العبادة لا تصح إلا بالإخلاص والمتابعة، فكذلك استمرار المقامات لأهلها لا يتم ولن يستكمل إلا بهذين المقامين، بمقام الرجاء وبمقام الخوف. ولهذا قال: وهم الذين بنوا منازل سيرهم، أي الخوف والرجاء هو الأس والأساس في باقي المنازل. وهنا قال رحمه الله تعالى: بين الرجاء والخوف. أما الرجاء، فهو مقام من المقامات العظيمة من مقامات العبودية لله جل في علاه. وما معنى الرجاء؟ قال العلماء: الرجاء هو طمع الإنسان في أمر قريب المنال، طمع الإنسان في أمر قريب المنال، إذا كان الإنسان يطمع في شيء يؤمل أن يتحصل عليه، فهذا يرجو. ولهذا تجد أن عبارة الناس عندما يقول: وأنا أرجو الشيء الفلاني، أرجو، أي أني أطمع في أن أنا له. وهذا الوصف ينبغي أن يكون مع الله جل في علاه، أنك تطمع من ربك عز وجل أن يحقق سؤلك، وأن يحقق أملك، وأن يحقق لك ما تصبو إليه. ولهذا ذكر ربنا جل وعلا في آيات كثيرة أن من صفات عباد الله الصالحين أنهم يرجون ما عند الله جل في علاه. كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾، يرجون كلهم رجاء وطمع في نيل رحمة الله جل في علاه. وهكذا في قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾، يرجون فضلًا من الله عز وجل. فلهذا الأدلة، إخواني في الله، تدل على أن أهل الإيمان، وأن أهل الإسلام كلهم رجاء وطمع بما عند الله. وهذا الرجاء لا ينقطع، قد ترجو ما عند الله عز وجل من حظوظ الدنيا، ترجو ما عند الله من المال، ومن الغنى، ومن المكسب، ومن الذرية، ومن الزوجة الصالحة. ترجو ما عند الله وهكذا أيضًا ترجو ما عند الله في أمور الدين، ترجو ما عند الله من المغفرة والرحمة والتقى والهداية والصلاح والفلاح والرشاد، ترجو ما عند الله. فلا يزال المسلم كله طمع، وفي رجائه لربه أجر؛ لأنه يقوم على حسن الظن بالله جل في علاه. ولهذا، إخواني في الله، ينتقل إلى المقام الثاني الذي أشار إليه الناظم رحمه الله، ألا وهو الخوف. الخوف وهو كذلك من المقامات العظيمة الذي ينبغي لكل مسلم ومسلمة أنه يتحلى به في هذه الدنيا، يرجو بها لقاء ربه، أن يكون من ربه خائفًا. فيترى ما هو الخوف؟ الخوف فسره العلماء رحمهم الله تعالى بأنه انفعال يحصل بتوقع ما فيه هلاك أو ضرر أو أذى، انفعال يحصل ما فيه توقع من ضرر أو هلاك أو أذى. الإنسان إذا توقع سوء بشكل عام، توقع هلاك، توقع ضرر، توقع أذى، توقع شر، هذا التوقعات ما الذي يعود إليه؟ يعود إليه بانفعال. والناس يختلفون في انفعالات هذه الانفعالات، هي الخوف، هي الخوف، ومصدره القلب. ولهذا يذكر العلماء أن الخوف من المقامات القلبية؛ لأن هذا هو أصلها، ثم تظهر آثاره على الإنسان في تشنجاته، وفي تصرفاته، وفي حركاته وسكناته. فالخوف هو انفعال، وأعظم ما ينبغي أن يكون العبد فيه خائفًا أن يخاف من ربه عز وجل. ولعظيم هذا المقام، مقام الخوف، أمر الله عز وجل بأن يكون له، قال سبحانه: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، من كان مؤمنًا حقًا وصدقًا، فليبرهن على إيمانه على مدى خوفه من ربه. ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وإن الإنسان إذا عظم مقام الخوف من الله عز وجل، فالله جل وعلا يعظم له الأجر والمثوبة، فقال سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، جنتان. الخوف ليس ضعفًا ولا عجزًا، بل هي عبادة جليلة يحبها الله من عباده، أنك تظهر خوفك وخشيتك من ربك جل وعلا، تخاف من عذابه، تخاف من عقابه سبحانه وتعالى، تخاف من شر ذنوبك وسيئاتك، وما عسى أن تعود عليك بالضرر في دينك ودنياك وأخراك، هذا هو مقام الخوف ومقام الخائفين. وإن الإنسان، إخواني في الله، متى ما تحلى في هذه الدنيا بمقام الخوف، فإن هذا يجعله على الجادة، ومما يدفعه دفعًا في أن يصل إلى ربه وإلى مرضاته جل في علاه. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل». ما معنى هذا الحديث؟ هذا الحديث يخبرنا فيه نبينا صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا خاف من شيء هرب منه، ولربما كان هروبك في وقت الدلجة، تهرب منه ليلًا. من خاف أدلج، تمشي ليلًا، كل ذلك فرارًا من الخطر. ومن كان هذا حاله، قد عزم على الهروب والفرار من الخطأ، فإن هذا حقيق عليه أن يصل إلى محل النجاة. فقال عليه الصلاة والسلام: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل». ما الذي أراده نبينا بهذا المثال؟ أراد أن يبين حال الأنام مع ربهم المتعال جل في علاه، أن الإنسان إذا خاف من ربه هرب من عذابه وعقابه، هرب من السيئات والذنوب، فليزال هاربًا في كل حين، في ليله ونهاره، أدلج في كل أوقاته. ومن كان هذا حاله، فباستمراره على هذا المضي وعلى هذا السير، فإنه يصل إلى محل النجاة، «بلغ المنزل». هذا، إخواني في الله، ما فيه الإشارة لعظيم مقام الخوف. وهنا، إخواني في الله، نأتي إلى فوائد ما يذكر من هذا البيت الذي أشار فيه المؤلف رحمه الله تعالى إلى مقامي الرجاء والخوف. أولًا، ما نستفيد منهما، أو ما نستفيد من هذا البيت؟ أن الإنسان ينبغي أن يتحلى بهذه المقامات العظيمة، وأن يصبر نفسه عليهما، بأن يكون راجيًا طامعًا بما عند الله من خير الدنيا والآخرة. وبالمقابل، كذلكم على الإنسان المسلم أن يتحلى بالخوف من الله جل في علاه، في كل أوقاته، وفي كل أحواله. الفائدة الثانية، وهي الفائدة المهمة، ألا وهي أن هذين المقامين لا بد، يا عبد الله، أن تجمع بينهما، لا بد أن تجمع بينهما. لا تظن أن هذا بمعزل عن هذا، لا تظن أن بإمكانك أن تتعبد الله بالرجاء فقط، بالطمع والطلب، ولا تظن أنك يعبد الله بإمكانك أن تتعبد الله بالخوف، بالفرار منه فقط، لا. ولهذا قال من قال من سلفنا: «من عبد الله بالخوف فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء فهو مرجئي». أي من عبد الله بالخوف فقط، فقط أشغل باله في أن ربه جل وعلا سيبطش به، وأن الله لن يغفر له، وأن الله لن يرحمه، وأن الله لن يعطيه سؤله، ولأن الله، وأن الله، هذا ماذا سيكون حاله؟ هذا سرعان ما سيئس الظن بربه، فيكون حروريًا، يضيق على نفسه، ويضيق على عباد الله، كما صنعت الخوارج. وبالمقابل، من عبد الله بالرجاء كله رجاء، وكله أمل، فأن الله غفور، وأن الله يعطي أمله، وأن الله يغفر له، وأن الله يرحمه، وأن الله سيحقق مراده، وأن الله سيعطيه ما أراد، وأن الله هكذا فقط، دون أن يحسب حسابًا بأن الله يعاقبه، قال: «ومن عبد الله بالرجاء فهو مرجئي»، كما فعلت المرجئة، غلبت جانب الرجاء. إذن، ما المطلوب؟ المطلوب، يا عبد الله، أنك تتعبد الله بهذين المقامين مع بعض، مع بعض. ولهذا جمع الله عز وجل بينهما في بيان صفات عباد الله الصالحين، فقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾، هذا حالهم، يدعوننا، يعبدوننا رغبة ورهبة. قال علماء: رغبة، أي رجاء لما عند الله، ورهبة، أي خوف مما سيكون من عند الله. فهذا من هذا حالهم أنهم جمعوا بين الأمرين. وهكذا ما قال وعز وجل: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، يبتغون إليه الوسيلة أيهم أقرب، ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، يرجون رحمته رجاء برحمة الله، برحمة الله، وبالمقابل يخافون عذابه، خوفًا من عذابه. فهذا من صفات أهل الإيمان أنهم يجمعون بين هاتين الصفتين. وهذا الذي أراده الناظم حين قال: أن هؤلاء يبنون منازلهم بين الخوف والرجاء، ليس هذا على حساب هذا، ولا هذا على حساب هذا. ولهذا الإمام البخاري رحمه الله تعالى بوب في صحيحه في كتاب الرقائق، قال رحمه الله تعالى: «باب الرجاء مع الخوف»، باب الرجاء مع الخوف، أي أنك تجمع بينهما، ترجو الله وتخاف الله، تطمع بما عند الله وتخاف بما حذر الله منه عباده. فلا زلت، يا عبد الله، على هذا الحال، كما شبه العلماء حال عباد الله بين هذين المقامين، أن تجعلهما كجناحي طائر، كان جناحي الطائر، الطائر لا يسير بجناح واحد، لو سار بجناح واحد لما طار، لكن جناح هنا، وجناح هنا. وهكذا هم أهل الإيمان، جعلوا من جناح الرجاء والرهبة، أو جناح الخوف والرجاء، يسيرون به إلى الله عز وجل. ولهذا، من هذه التربية، تجد أن الله عز وجل يذكر لنا من الصفات ما تستوجب من عباد الله أنهم يجمعون بين هذين المقامين. مثاله قال جل في علاه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فاحذروه حتى تخافوا من الله، ثم قال: وأن الله غفور رحيم، ماذا يستوجب؟ الرجاء. فالله عز وجل يذكر من صفاته ومن أفعاله ما تستوجب علينا أن نخاف منه، وهكذا أن نرجوه، نجمع بين الأمرين. فاحذروه، وأن الله غفور رحيم. وهكذا في قوله تعالى: ﴿وَيَحْذَرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، يحذركم الله نفسه، ماذا يستلزم؟ الخوف من الله، أنت خاف؛ لأن الله حذرك من نفسه، ومن بطشه، ومن شديد عذابه وعقابه. لكن ثم قال بعدها، والله رؤوف بالعباد، ماذا يستوجب؟ الرأفة، الرجاء، والطمع بما عند الله من المغفرة والرحمة. وهكذا آيات كثيرة، كقوله تعالى جل في علاه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾، ذو مغفرة تستوجب الرجاء، والعقاب الأليم يستوجب الخوف منه. والإنسان، إخواني في الله، ينبغي أن يسير على هذا المنهج إلى أن يلقى الله، إلى أن يلقى الله، وأنت تسير على هذا الحال، بين الخوف والرجاء، ترجو ما عند الله، وتخاف من عذاب الله. وتأمل في هذا الحديث العظيم، والذي صح في كتب السنة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كما روى ذلك الترمذي، دخل على رجل شاب، وهو يلازم الموت، وفي سكرات الموت لمرض ألم به، فقال عليه الصلاة والسلام، بعدما دخل على هذا الشاب: «كيف تجدك؟». قال هذا الشاب: «يا رسول الله، أرجو الله، وأخاف ذنوبي». انظر إلى هذه الصفة التي تحلى بها هذا العبد المسلم، وهو في الرمق الأخير من حياته، «أرجو الله»، مقام الرجاء، فقط، «وأخاف»، أي أرجو أني قادم على رب غفور رحيم، أظن الظن الحسن بربي، أن يغفر لي ما قد مضى من ذنوبي. ومع ذلك، ما عظيم الرجاء بالله إلا أني أخاف مما اكتسبت يدي من ذنوب ومعاصي. قال: «أرجو الله وأخاف ذنوبي». فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف»، يحقق الله لك ما تريد، ترجو الله، أعطاك الله ما ترجوه. أن الله سبحانه وتعالى يحسن ظنك به، بأنك تجده غفورًا رحيمًا عما مضى، وأنك تخلص من ذنوبك، من عقابه. فإن الله سيؤمنك مما تخاف. فالشاهد أن هذا الحديث، إخواني في الله، فيه بيان على أن الإنسان ينبغي في هذه الدنيا، في طيلة حياته، وطيلة سيره مع الله، لا بد أن يجمع بين هذين المقامين، مقام الخوف والرجاء. سَواء في تعامله مع صفات الله، في تعامله مع ربه، ربنا له من صفات الجلال، فينظر العبد إلى صفات الله ما كان من صفة القهر، وصفة أجل القوة، وصفة الكبرياء، فيخاف من ربه. وبالمقابل، ينظر إلى صفات الله الأخرى، من صفة الرحمة والمغفرة والرفق، وأن الله عز وجل محسن، وأن الله عز وجل ذي الإنعام والإكرام، فيطمع لما عند الله عز وجل. فينظر لهذا ولهذا، ويعامل الله بين الخوف والرجاء. وهكذا إذا عملت حسنة، تنظر في نفسك، تعامل الله على هذا الوصف، تنظر في حسنتك، إن عملت خيرًا، كنت تقيًا، برًا، وليًا لله عز وجل، لا تشغل هذا على ذاك. وإنما إن فعلت حسنة، تكون بين الخوف والرجاء، ترجو من هذه الحسنة أن الله يتقبلها منك، بالمقابل تخاف من أن الله يردها على وجهك، لا فخر، لا غرور، لا خيلاء، لا تألي على الله. وإن فعلت بالعكس، سيئة، وقعت في معصية، وقعت في بعد عن ربك عز وجل، فكن كذلك، كن خائفًا من مغبة ما صنعت، من مغبة ما فعلت، وأن الله عز وجل ربما صلت عليك من عقوبة الدنيا قبل الآخرة. فلا تزال خائفًا من ربك، ومع ذلك ترجوه، ترجو أن الله يتجاوز عنك، ترجو أن الله يغفر لك، ترجو أن الله يأخذ بيدك، وينتشلك من أوحال المعاصي إلى باب التوبة. وهكذا يكون حالنا، إخواني في الله، بين هذين المقامين دائمًا وأبدًا. وبعد ذلك نصل إلى الفائدة الأخيرة من فوائد هذا البيت، الحذر مما يخالف هذين الوصفين، فاحذر، يا عبد الله، أن تتحلى على خلاف صفة الخوف من الله، ألا وهي صفة الأمن من مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. واحذر أنك تتحلى بالصفة ضد صفة الرجاء، وهو القنوط من رحمة الله، ومن ييئس من رحمة ربه إلا الضالون. فالقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، من الصفات الزميمة التي تخالف صفتي الرجاء والخوف. فالشاهد، إخواني في الله، في هذا المقام، أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى هذين المقامين العظيمين، بل بين على أن جميع المقامات الشرعية والتعبدية تقوم عليهما، فقال رحمه الله: «وهم الذين بنوا منازل سيرهم بين الرجاء والخوف للديان». أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.