شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 3

شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 3

الدرس في شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقام الإخلاص في السير إلى الله

يُبين الناظم أهمية الإخلاص في قبول العبادة ويُعرّفه بإفراد الله بعملك وخلوصه من الشوائب. يُظهر أن الله أمر بالإخلاص في آيات كثيرة وجعله شرطا لقبول العبادة.

أهمية متابعة الرسول في العبادة

يُشدد على أهمية متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في العبادات إلى جانب الإخلاص، حيث يُعتبر هذان المقامان أساس قبول الأعمال. يُوضح أن العبادة لا تصح إلا بالإخلاص لله ومتابعة النبي.

مقومات السير إلى الله وتحقيق الشهادتين

يُحذر من كل ما يضاد الإخلاص والمتابعة مثل الرياء والابتداع في الدين، ويُوضح أن هذين المقامين يحققان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

أثر الإخلاص والمتابعة في قبول العبادات

يُوضح أن العبادات التي تفتقر إلى الإخلاص والمتابعة تُحبط ولا تُقبل، وأن كثرة العبادات لا تكفي لقبولها إذا لم تكن خالصة لوجه الله وتتبع سنة النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: فهم الذين قد اخلصوا في مشيهم متشرعين بشرعة الإيمان. هذا البيت الثاني من أبيات هذه المنظومة "السير إلى الله والدار الآخرة" للعلامة السعدي رحمه الله، يقول فيه: فهم الذين، الضمير يعود على من أراد أن يسير إلى الله، بذكر صفاته والمقامات التي ينبغي أن يتحلى بها. قال: فهم الذين قد اخلصوا في مشيهم متشرعين بشرعة الإيمان. فالناظم رحمه الله تعالى في هذا البيت أشار إلى مقامين عظيمين ينبغي أن يتحلى بهما كل من أراد أن يسير إلى الله عز وجل، وهما مقام الإخلاص ومقام المتابعة. فقوله رحمه الله تعالى: فهم الذين قد اخلصوا، قد اخلصوا في مشيهم، إشارة إلى مقام الإخلاص، أي أن هؤلاء اتصفوا بالإخلاص في مشيهم، مشيهم بمعنى سيرهم إلى الله. وماذا؟ والثاني: متشرعين بشرعة الإيمان، إشارة إلى مقام المتابعة. وهذان المقامان، إخواني في الله، من أعظم المقامات، بل هما الأساس في غيرهما من المقامات، فلا قيام لمقامات الدين إلا بهما، ولهذا بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بهما. فالمقام الأول: فهم الذين قد اخلصوا مشيهم، في مشيهم مقام الإخلاص، تنوعت عبارات العلماء في معنى الإخلاص، وكل المعاني المذكورة تعود وتؤول إلى إفراد الله جل وعلا بعملك، هذا هو الإخلاص، أن تفرد الله جل وعلا بعملك، بأن يكون خالصا لله، لا تشوبه شائبة لأحد كائنا من كان. وإن الله جل وعلا أمر العباد بهذا المقام في آيات كثيرة، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. ولعظيم أمر الإخلاص في دين الله، جعل شرطا من شروط قبول العبادة، لا تقوم العبادة إلا بالإخلاص، ولهذا جاء في الحديث الصحيح، الحديث القدسي: قال الله: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن أشرك معي غيري، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري، تركته وشركه". ولنا عبرة بالثلاثة الذين أدوا عبادات، ذاك بجهاده، وذاك بعلمه، وذاك بصدقته ونفقته، لكن لما كانت هذه الطاعات عارية عن الإخلاص، ما أراد بها وجه الله، لم تنفعهم، فسحبوا إلى النار، والعياذ بالله، نسأل الله السلامة والعافية. وأما المقام الثاني، وهو مقام المتابعة، وذلك بأن تتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر دينك، في أمر دينك، وبهذا أمر الله جل وعلا، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. ومن أعظم ما ينبغي أن نعتني بالاقتداء والاقتباس برسول الأنام عليه الصلاة والسلام، ما يكون عند تأدية الطاعات والعبادات، ولهذا أوصى نبينا صلى الله عليه وسلم بضرورة اتباعه في أقواله وأفعاله، فقال مثلا في شأن الوضوء: "من توضأ نحو وضوء هذا"، وقال في أمر الصلاة: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقال عليه الصلاة والسلام في مناسك الحج والعمرة: "خذوا عني مناسككم". ولعظيم أمر المتابعة في الدين، فإن الشرع الحكيم جعله شرطا من شروط قبول العبادة، فلا تصح العبادة إلا بالمتابعة، قال عليه الصلاة والسلام: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وفي رواية مسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، أي مردود. فالشاهد، إخواني في الله، من هذا البيت أن الناظم رحمه الله تعالى بدأ بهذين المقامين، مقام الإخلاص ومقام المتابعة، لأنهما هما الأس والأساس في باقي المقامات، فلابد للسائر إلى الله جل في علاه وإلى الدار الآخرة أن يتحلى بهما. وأيضا مما نذكره من فوائد هذا البيت، من الفوائد أن نستفيد أن المسلم والمسلمة عليهم أن يعتنوا بأمر العبادة، أن يعتنوا بأمر العبادة بما يتعلق بمفهومها وبشروطها وبأركانها وما يكون عليها صحتها، وهكذا دواليك، لأن العبادة هي الأس والأساس والأصل، فهي الأس في صحة الأعمال، وهي الأساس في المقامات، وهي الأصل في عبوديتنا لربنا، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ولهذا على أهل الإسلام أن يبذلوا ما يستطيعون على بذله في ضبط هذا المقام، مقام العبادة، وما يتعلق بها من مسائل وأحكام. وأيضا مما يستفاد من هذا البيت، إذا علمنا أن من وصف السائر إلى الله أن يتحلى بالإخلاص، إذن فليجتنب كل ما يضاد هذا الوصف، كل ما يضاد الإخلاص اجتنبه يا عبد الله، فيدخل في ذلك مثلا الرياء أو السمعة أو حب الثناء والشهرة، وأن يشار إليه بالبنان، أو أنه يريد بعمله الصالح حظا من حظوظ الدنيا، فهذا وما كان في معناها يضاد الإخلاص، فاحذر يا عبد الله أن تقع في شيء من مظاهرها. وأيضا مما يستفاد، إذا علمنا أن السائر إلى الله ينبغي أن يتحلى بالمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وفي أعماله وفي طاعاته وعباداته، عليه أن يجتنب كل ما يضاد المتابعة، لأن هذا ليس من صفات السائرين إلى الله. ومما يدخل فيما يضاد المتابعة ما يكون من الإحداث والابتداع في الدين، أو ما يكون من التعظيم للآباء والأجداد والسواليف، أو ما يكون من الغلو في التقليد للفضلاء والفقهاء، أو كذلك ما يكون من مجاراة العادات والتقاليد، وغير ذلك من الذرائع التي يتذرع بها بعض الناس بحجة تركهم للسنة وإقبالهم على هذه الأشياء. لا ما يتأتى هذا لك يا عبد الله، أنك تترك السنة الثابتة عن رسول الله لأي شخص كان كائنا من كان. وأيضا مما يستفاد من هذا البيت، إخواني في الله، أن نعلم أن الشرط، أو أن مقام الإخلاص والمتابعة، مع أنه يستفاد منهما أنهما من شرطي قبول العمل الصالح، أيضا يستفاد منهما أشياء أخرى. ومن أعظم ما يستفاد من مقامي الإخلاص والمتابعة أن فيهما تحقيق لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، إذ أن مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، أي أنه لا يعبد بحق إلا الله، فجميع العبادات والطاعات لا تكون إلا له جل في علاه، فهو المعبود لا معبود لنا سواه، هذا مقتضاها، فهذا هو مقام الإخلاص. ومقتضى شهادة أن محمدا رسول الله، بأن اتخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم متبوعا لنا، فيتبع في أقوالنا وأفعالنا وحركاتنا، وفي صلاتنا وصيامنا وقيامنا وحجنا، وفي كل شعيرة من شعائر ديننا، فلا متبوع إلا سواه عليه الصلاة والسلام، وهذا تحقيق لمقام المتابعة. فشرطي الإخلاص والمتابعة فيه تحقيق لمعنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وأيضا مما يستفاد من هذا الحديث أخيرا، ونقتم به المقام، أن في هذين الركنين، الإخلاص والمتابعة، بعد معرفتنا أنهما من شرطي قبول العبادة، يكون في ذلك واعظا لنا ودافعا لنا إلى أن نحذر من محبطات الأعمال، فليس كل عمل يقبل، وليست كل عبادة ترفع. ولنا عبرة بالإخلاص والمتابعة، فرب رجل يأتي بالعبادات كجبال تهامة، كثرة صلاة وصيام وحج وعمرة، لكنها إذا خلت من الإخلاص فإنها تذهب هباء منثورا، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. وأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.