الدرس في شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أهمية الذكر في حياة المؤمن وعمارة الأوقات به، ويشير إلى أن كثرة الذكر علامة على محبة الله تعالى. كما يربط بين منزلة المحبة والإكثار من الذكر.
يؤكد على ضرورة الإكثار من ذكر الله تعالى مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾، وحديث ابن عباس: 'فليكثر ذكر الله'.
يُشدد على أهمية اتباع الأذكار المشروعة في مختلف الأوقات والأحوال، مثل التسبيح والتحميد والتكبير، ويشير إلى أن قراءة القرآن ومجالس العلم من أعظم أنواع ذكر الله.
يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد، ويُنهي بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم ويظهر التزامًا بالتقوى والاعتراف بقدرة الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال إمام السعدي رحمه الله تعالى في منظومته "السير إلى الله والدار الآخرة". قال رحمه الله تعالى: "وهم الذين قد أكثروا من ذكره في السر والإعلان والأحيان". في هذا البيت يشير الناظم رحمه الله تعالى إلى منزلة الذكر، أي ذكر الله جل في علاه، وهي من العبادات الجليلة ومن المقامات العظيمة التي أمر الله بها وندب إليها وحث عليها ورغب فيها جل في علاه. بل إن الناظم السعدي رحمه الله تعالى علق على هذه المنزلة في شرحه، فقال رحمه الله تعالى: "فذكر الله هو عمارة الأوقات، وبه تزول الهموم والغموم والكدورات، وبه تحصل الأفراح والمسرات، وهو عمارة القلوب المغفرات، كما أنه غراس الجنة، وهو موصل لأعلى المقامات، وفيه من الفوائد ما لا يحصى". بل إن جماعة من أهل العلم عندما أرادوا أن يذكروا فوائد الذكر أوصلوها إلى مئة فائدة في الدنيا والآخرة، هذه التي يجنيها العبد من فضيلة الذكر فقط، لعظيم شأن هذه العبادة والشعيرة. وانظر إلى ما كتبه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في "الوابل الصيب"، فإن ذكر الله جل في علاه هي وصيته عليه الصلاة والسلام حين قال لذاك الرجل: "لا يزال لسانك رطبا بذكر الله". فكذا ينبغي أن يكون حال العباد، أن يكون حال العباد في ذكرهم لله. بل إن ذكر الله به أنس المؤمن في هذه الدنيا، كما قال سبحانه: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾. هنا، إخواني في الله، أحب أن أعرج على بعض المسائل المتعلقة بالذكر، مما أشار إليه الناظم رحمه الله تعالى في بيته. أولا، علينا أن نعلم أن هذا البيت الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى هاهنا له تعلق وثيق بالبيت السابق الذي مضى معنا. فالبيت السابق تحدث عن منزلة المحبة، فقال: "وهم الذين ملئت قلوبهم بوداده ومحبة الرحمن طيب". ما العلاقة؟ العلاقة، يا عبد الله، أن تعلم أن من أعظم براهين محبتك لربك جل في علاه أنك تكثر من ذكره. هذا الربط وهذه العلاقة الوطيدة بين منزلة المحبة، إذ أنها تتبع بذكر الله جل في علاه. وعلى هذا دأب السلف رحمهم الله. قال الربيع بن أنس عن بعض أصحابه: "علامة حب الله كثرة ذكره". علامة حب الله كثرة ذكره، فإنك لا تحب شيئا إلا أكثرت من ذكره. وهذه القاعدة صحيحة، أنت إذا أحببت شيئا وتعلقت به، فإنك لا تزال تذكره. فهكذا الرب جل في علاه. قال المحب لله: "لا يغفل عنه طرفة عين". المحب لله لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين، هذا هو الصادق في محبته. ليس الدعوى، وقد أشرنا إلى هذا في منزلة المحبة، أن المحبة ليس الدعوى، وإنما هي برهان. ومن هذه البراهين هذه المرتبة، مرتبة الإكثار من ذكر الله جل في علاه. قال ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو يؤصل لنا بين مقامي المحبة لله مع الإكثار من ذكره: "وعجبا لمن يدعي المحبة ويحتاج إلى من يذكره بمحبوبه". هذا عجيب، يعني بشكل عام هذا عجيب، أن رجل يدعي أنه محب لشيء ومع ذلك يحتاج إلى أن يذكره: "لا تنسى محبوبك، أنك تذكره، أنك تثني عليه". قال: "وعجبا لمن يدعي المحبة ويحتاج إلى من يذكره بمحبوبه، فلا يذكر إلا بمذكر". أي متعجب، هذا ليس بمحب. ثم قال رحمه الله تعالى: "أقل ما في المحبة أنها لا تنسيك تذكر المحبوب". المسألة الثانية مما يستفاد من هذا البيت، المقصود من ذكر الله جل وعلا، والذي به تحصل وتتحصل به، يا عبد الله، على الفضائل العظمى والمقامات الكبرى، هو ما يكون من الإكثار من ذكره، الإكثار. وهذا الذي عبر به الناظم حين قال عن هذه المنزلة، واصفا أهله: "وهم الذين قد أكثروا". أكثروا، ليس المطالب أن تذكر ربك، بل المطالب، يا عبد الله، أنك تكثر من ذكره سبحانه وتعالى. ولهذا تجد، كما قال العلماء، أنه ما تكاد العبادة الذكر تذكر في القرآن إلا قيدت بهذا القيد: "ذكرا كثيرا". بل حتى بعضهم صرح أن العبادة الوحيدة التي تلازم الكثرة هي العبادة الوحيدة التي أوصى الله جل وعلا بها أن يؤتى بها بكثرة، وذلك لعظيم أمرها ولأهمية هذا القيد. تأمل، يا عبد الله، في آيات القرآن، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات﴾، وقال جل في علاه: ﴿واذكر ربك كثيرا﴾. وآيات كثيرة على هذا المنوال. كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾. تجد أن كلمة وعبادة ذكر الله تنضبط بهذا القيد المهم، وهو الإكثار، الإكثار من ذكره سبحانه وتعالى. وهكذا أحاديث كثيرة على هذا المنوال من السنة النبوية. قال عليه الصلاة والسلام، كما جاء من حديث ابن عباس: "من عجز منكم عن الليل أن يكابده، وبخل بالمال أن ينفقه، وجبن عن العدو أن يجاهده، فليكثر ذكر الله". أي من ضعف عن القيام بهذه الأعمال، ضعف، عجز عن ليل يكابده، أن يكابد الليل بالقيام، وعجز عن الإنفاق لقلة ذات يده أو لبخله أو ما كان، ومن جبنه فما استطاع أن يخرج إلى ساحات الوغى، لا هذا ولا ذاك، قال عليه الصلاة والسلام: "فليكثر ذكر الله". ينبغي أنك تشغل نفسك كثيرا بذكر الله جل في علاه. فهذا هو حال المؤمن الصادق في إيمانه، المحب لربه، أن يكثر. وهذا على خلاف من ضعف دينه، بل وكأنه من إمارة من أمارة نفاقه، كما وصفهم ربنا جل وعلا: ﴿ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾. فأصبح ظابط الذكر القليل والكثير، والفيصل بين عباد الله الصالحين وبين غيرهم من المدعين. فالمؤمن يكثر من ذكر الله كثيرا، ومن كان ضعيف الإيمان إن ذكر الله ذكره قليلا. هنا تأتي مسألة مهمة، إخواني في الله، وهو ما هو الضابط الذي به يكون المسلم والمسلمة من الذاكرين لله كثيرا والذاكرات؟ ما هو الحد؟ ما هو المقدار؟ للعلماء في ذلكم عدة أقوال. حسب أن أشير إلى هذا المقام إلى قول صرح به جماعة من أهل العلم، ولربما كان من أحسن الأقوال، وهو أن تتقيد بالأذكار التي جاءت في شرع الله وفي سنة نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا الذي ذهب إليه الإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى، حيث قال: "وإذا قال: إن الإنسان إذا واظب على الأذكار المأثورة صباحا ومساء، في الأوقات والأحوال المختلفة، كان من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات". هذا هو قيده، أنك تتقيد بأذكار الصباح والمساء، في الأوقات والأحوال المختلفة. وهذا القول الذي قاله ابن الصلاح رجحه كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله. بل يعتبر هذا، كما يقول جماعة من أهل العلم، هو الضابط. بل أدنى ما يكون به العبد ذاكرا لله كثيرا، أنك تتقيد بالأوراد التي جاءت بها الشريعة. مثاله، تأتي بأذكار الصباح والمساء، تأتي بأذكار النوم والاستيقاظ، تأتي بأذكار الدخول والخروج، تأتي بأذكار الطعام والشراب، تأتي بأذكار الدخول للمسجد والخروج منه، تأتي بالأوراد المأثورة في دخول الحمام والخروج منه، تأتي بأذكار العطاس، تأتي بأذكار كل ذكر عند نزول الأمطار، عند ظهور البرق والرعود. عند هذه الأحوال المختلفة جاءت بها السنة بأوراد وأذكار. أنت إذا استطعت أنك تحوز على هذه الأذكار في أوقاتها وفي مناسباتها، مع اختلاف أحوالها، فأنت ممن ذكرت الله كثيرا جل في علاه. فكيف إذا ضفت فوق هذا ما يكون من كثرة ذكرك لله؟ فإن الأجر أعظم وأعظم. مسألة ثالثة من مسائل الذكر أشار إليها الناظم رحمه الله تعالى، حيث قال في بيته: "وهم الذين قد أكثروا من ذكره في السر والإعلان والأحيان". الأصل أن ذكر الله جل وعلا يكون معنا في كل الأوقات، إلا أن الناظم أشار إلى ثلاثة مواطن، احرص على أنك تكون ذاكرا فيها لله. متى؟ السر والإعلان والأحيان. السر، وأن تكون فيما بينك وبين نفسك، ما عندك أحد، حينها أكثر، يا عبد الله، من ذكر الله جل وعلاه. كما جاء في قول ربنا: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة﴾. قال المفسرون هنا: أي ذكر الله يكون وأنت خالي، ما عندك أحد. اشتغل، يا عبد الله، بذكر الله. ولهذا جاء في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه". ذكر الله خاليا، لوحده. فهذا من المواطن التي يستحب ويتأكد فيها أنك تكثر من ذكر الله. والموطن الثاني، كما أشار الناظم، في الإعلان، أي في العلن، أي في الملأ. تذكر الله في الملأ، تذكر الله في المجالس العامة، فلا بأس في هذا. بل ها هم الصحابة ينقلون لنا صفات وصيغ ذكره عليه الصلاة والسلام، إذ أنهم يسمعونها منه وهو في مجلسه. فكان يجهر بذكر الله جل في علاه. بل جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "قال الله: وأنا مع عبدي، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم". فإن من المواطن التي يذكر الله في الملأ، في المجالس، لكن يقيد هذا بغير قصد الشهرة والرياء والسمعة، فإن هذا مما تحبط به الأعمال. احرص على أن يكون ذكرك، ولو كان بصوت مرتفع، لكن تريد بذلك ما عند الله. ولو كان في جهر بالذكر، إرادة تنبيه الغافلين وتعليم الجاهلين، فإن الأجر أعظم وأكثر وأوفر. الصفة الثالثة وموطن الثالث، قال: "وفي الأحيان". ما المقصود بالأحيان؟ أي في كل أحيانه، وفي كل حالاته. أنك تذكر الله في السر، تذكر الله في العلن، تذكر الله وفي كل أحوالك، تذكر الله جل في علاه. وهذا مأخوذ مما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم من حديث عائشة، قالت: "كان رسول الله يذكر الله على كل أحيانه". يذكر الله على كل أحيانه، أي على أي حالة كانت. ذكر الله، ومصداق ذلك في قول ربنا عز وجل: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾. فالمؤمن لا ينتظر أن ذكر الله يحتاج إلى وقت معين أو هيئة معينة، وهذا من الخطأ. مثاله، تجد أن بعض الناس ما يعرف ذكر الله إلا إذا كان في المسجد، وبعد الفريضة جلس متمكن ذكر الله. وما عدا هذا الوقت ما يعرف ذكر الله. أو تلك المرأة ما تعرف ذكر الله إلا وهي قد لبست القميص، قميص الصلاة، وجلست في مصلاها هنا تذكر الله. إذا قامت لا ذكر، لا. يا عبد الله، لا يا أمة الله، ذكر الله يكون معك ومعك في كل مكان. أنت تمشي أذكر الله، وأنت في سيارتك أذكر الله، وأنت في عملك، وأنت في برك، وأنت في بحرك، وأنت قائم، وأنت مضجع على فراشك، أكثر، يا عبد الله، من ذكر الله. فقد كان نبينا يذكر ربه على كل أحيانه. وآخر مسألة، إخواني في الله، نقف فيها في هذه المسألة من مسائل الذكر، ومع القول من إكثار الذكر، علينا أن نعلم أن أعظم ذكر نأتي به هو ما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام. احرص، احرص، يا عبد الله، أن تأتي بالذكر الذي تلفظ به نبيك وحث عليه ورغب فيه، فإنه أفضل وأكبر وأنفع فضلا وأجرا وبركة. أذكار كثيرة جاءت عن رسول الله، نحاول أن نلتمسها وأن نعمل بها. مثاله: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"، تأتي بها إما انفرادا أو تأتي بها مجموعة، ثبت هذا وثبت هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. من ذكر الله: "لا حول ولا قوة إلا بالله". كذلك من ذكر الله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". تكثر من هذا الذكر. كذلك من ذكر الله: "سبحان الله وبحمده". إلى غير ذلكم. وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: "سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده". هذه أذكار جاءت عن رسول الله، تعلمها، أكثر منها، فإنها أعظم أجر. ومما أدخل العلماء في ذكر الله، بل هو أعظم ذكر لله، قراءة القرآن. أعظم ذكر، وهو الذي أنزله ربنا من عنده جل في علاه، أن تكثر من قراءة القرآن. ومن ذكر الله جل وعلاه، مجالس العلم. جلوسك أنت الآن تعد ذاكرا لله، كما قال عليه الصلاة والسلام: "وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسون فيما بينهم". أعد العلماء أن هذا من ذكر الله جل وعلاه. ولو لم تتكلم، لكنك تستمع، فإنك محسوب من الذاكرين لله جل وعلاه. وهكذا مما أحب أن أختم به المقام من ذكر الله، ما يكون من التكبير، وخاصة ونحن من يوم غد إذا دخلنا إلى ذي الحجة. يشرع لكل مسلم ومسلمة أن يكبر الله جل في علاه. فقد ثبت عن عمر وعن ابن عمر وعن أبي هريرة وعن سادات التابعين، إذا دخلت العشر، العشر من ذي الحجة، كانوا يكبرون بقولهم: "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد". هذا هو التكبير المطلق، لا يتقيد بالمساجد، ولا ينتظر صلاة، وإنما تأتي به في مدخلك، في مخرجك. فهذا مما تستغل به العشر من ذي الحجة، أن تكبر الله، ماذا؟ تكبيرا كثيرا. هذا ما أذكره، إخواني في الله، عن مسائل الذكر، وهي مسائل كثيرة، لكن هذه من أهمها، وخاصة ما أشار إليه الناظم رحمه الله. أسأل المولى جل وعلاه أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.