كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 40

كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 40

الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 40، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية مراجعة القرآن وتعاهده لحفظه من النسيان

يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي شبه حافظ القرآن بصاحب الإبل المعقلة، مؤكداً أن المراجعة والتعاهد يثبته في الصدر بينما الإهمال يؤدي إلى النسيان، ويذكر حديث ابن مسعود في ذم من يقول نسيت آية كذا مبيناً أن النسيان يكون بتفريط العبد.

تحذير من نسيان القرآن ووجوب تعاهده بقيام الليل

يبين المقطع أن قول "بئس" للذي ينسى آية يُعد ذماً، ويصحح النبي ﷺ بأن النسيان عقوبة للمهمل مشبهاً إياه بإهمال الإبل، ويؤكد على وجوب المراجعة وتلاوة القرآن وأن قيام الليل من أعظم الأسباب لتثبيته مستدلاً بآيات سورة المزمل.

فضل قيام الليل في تثبيت القرآن وأمثلة السلف

يؤكد المقطع على أن قيام الليل من أفضل الأوقات لحفظ القرآن لصفاء القلب، ويستعرض الأحاديث النبوية الحاثة على التعاهد مشبهاً القرآن بالإبل المعقولة، ويذكر أمثلة من السلف الصالح الذين يسر الله لهم قراءة القرآن وإتمامه في أوقات يسيرة.

تعاهد الصحابة للقرآن واهتمامهم بالقراءة الصحيحة

يستعرض المقطع حال الصحابة في قراءة القرآن في ركعة واحدة دليلاً على تعاهدهم لكتاب الله وحرصهم على الترتيل الصحيح، مشيراً إلى قوله تعالى ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ وأهمية المواظبة على القراءة المتقنة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب استذكار القرآن وتعاهده". واستذكار القرآن: أي طلب ذكره، يُطلب أن يتذكره، وهذا بالتعاهد. طلب استذكار القرآن وتعاهده واستذكاره بالقلب أو باللسان، يقرأه. وتعاهده: معنى تجديد العهد به، بملازمة تلاوته وتكرارها. قال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، وهو التنيسي الدمشقي، قال: أخبرنا مالك، هو إمام دار الهجرة مالك بن أنس بن سهيل بن أبي نافع الأصبحي، قال: عن نافع، نافع هو مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه، هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت». إنما مثل صاحب القرآن: أي حافظ القرآن الذي قد حفظ القرآن كله أو بعضه. قال: «كمثل صاحب الإبل المعقلة»، المعقلة: معناها المربوطة، الإبل تربط في ركبتها أو في رجلها حتى لا تنفر ولا تذهب. فصاحب الإبل هذا ما دامت الإبل معقلة فهي محفوظة، وكذلك صاحب القرآن: إن عاهد على القرآن وراجعه ثبت هذا القرآن، وإن أهمله وأفرط فيه فإنه ينساه ويذهب عليه. وهذا لا ينبغي أن يكون الإنسان هكذا. جاء حديث في النهي عن نسيان القرآن، لكن أكثرها لا يصح، لكن الإنسان ينبغي عليه أن يحافظ على كتاب الله جل وعلا في صدره. وقد أثنى الله عز وجل على الذين يحفظون كتابه جل وعلا، فقال: ﴿ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾، في صدور الذين أوتوا العلم، أثنى عليهم بالعلم لأن هذا القرآن معهم. فقال: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت». قال: حدثنا محمد بن عرعرة، قال: حدثنا شعبة، عن منصور، وهو ابن المعتمر، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل نُسِّيَ، واستذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم». واستذكروا القرآن. فهذا الحديث أيضا بنفس معنى الحديث الأول لكن بلفظ آخر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل نُسِّيَ». معناه: أنه بسبب إهماله أنساه الله عز وجل هذا الذي كان يحفظه. و"بئس" هي من أخوات "نعم" مع النفس، لكن "بئس" يطلق على الذم، و"نعم" يطلق على المدح. معنى تقول: "بئس كذا"، أي أردت أن تذم هذا. وإذا قلت: "نعم"، فهو مدح. فقال: «بئس أن يقول الرجل: نسيت آية كيت وكيت». "كيت وكيت": يعبر بها عن الجمل وعن الآيات التي نساها، يعني يقول: نسيت آية كذا وكذا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «بل هو نُسِّيَ». معناه: بضم النون وتشديد السين، «بل نُسِّيَ»، أي أنساه الله، على كأنه عقوبة له على عدم اهتمامه. مثل قول عز وجل: ﴿ نسوا الله فنسيهم ﴾، أي تركهم في العذاب، أو أنساهم ما هو مهم لهم. فلذلك الذي يهمل القرآن ويهمل تعهده، عقوبته أنه يُنسى، يُنسيه الله عز وجل هذا القرآن الذي هو أحوج إليه، فينسيه القرآن، فيقول: نسيت آية كذا وكيت وكيت. قال: «بل نُسِّيَ». قال: «واستذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيا» أي ذهابا «من صدور الرجال من النعم». "من النعم": المراد النعم هي الإبل أو البقر أو الغنم، فإذا لم يعاهدها صاحبها ذهبت. فلذلك صاحب القرآن ينبغي أن يتعاهد القرآن، يجعل له وقتا يراجع فيه الحفظ الذي يحفظه، فيجعل له وقتا للحفظ، ووقتا للمراجعة، ووقتا للتلاوة. وقد كان السلف رحمهم الله يتعاهدون حفظهم في قيام الليل. وقد أخرج أبو يعلى أيضا وغيره عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من أراد أن يستثبت القرآن فليقرأه في صلاة الليل». إذا أردت أن تستثبت القرآن فاقرأه في صلاة الليل. ولهذا كان السلف يحرصون على قيام الليل وقراءة ما معهم من الحفظ حتى يثبت، فيثبته الله عز وجل لهم. فقام الليل من الأسباب العظيمة التي يثبت فيها القرآن، فيقرأ ما قد حفظه من باب المراجعة أو من باب الاستذكار، فكله يعتبر تعاهدا، سواء كان من باب الاستذكار أو من باب المراجعة. والاستذكار: الذي يكون قد حفظه وهو متثبت فيه، والمراجعة: في ما لم يكن متثبتا فيه، فيقرأ هذا أو هذا فيثبته الله عز وجل له. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا ﴾. هذه الآية نزلت بعد إخبار الله عز وجل بنزول القرآن لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه * ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا * إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا ﴾. استعن بالليل على حفظ القرآن وتثبيته، استعن بقيام الليل على حفظ القرآن وتثبيته، لأن أفضل الأوقات التي يكون فيها القلب فارغا أو متفرغا هو في الليل، عندما ينام ويقوم يكون قلبه متفرغا ويكون تركيزه أكثر، فلذلك فهو من أفضل الأوقات التي يثبت فيها القرآن، سواء كان استذكارا أو مراجعة. وأيضا يعين الله عز وجل من يقرأ، وأيضا يحرص على تثبيت القرآن في ذلك الوقت العظيم. وقال: حدثنا عكمان، وهو ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، وهو ابن عبد الحميد الضبي، عن منصور مثله. قال: تابعه بشر، عن ابن المبارك، عن شعبة، أي عن منصور. وتابعه ابن جريج، عن عبد، عن شقيق، أي عن أبي وائل، قال: سمعت عبد الله، سمعت النبي عليه الصلاة والسلام. وأراد البخاري بهذه المتابعات أن يبين أن الحديث ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وليس هو من كلام عبد الله بن مسعود. قال: حدثنا محمد بن العلاء، هو البيكاندي، قال: حدثنا أبو أسامة، وهو حماد بن أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها». وفي رواية في حديث عبد الله بن قيس - وهو أبو موسى -: «لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها». قال: البعير يحاول أن يهرب من هذا الربط، وكذلك مثل النبي عليه الصلاة والسلام أيضا ذهاب القرآن، فإنه إذا لم يتعاهد يذهب عليه ويفلت عليه، فـ «لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها». فهذا معنى هذا الحديث، وفيه الحث على مراجعة القرآن واستذكاره والاهتمام به. فإن التعاهد المراد به: أي عدم تركه، فيجعل له وقتا في اليوم والليلة يتعاهد القرآن ويراجعه، يتعاهد القرآن ويراجعه. لهذا كان السلف رحمهم الله لشدة ثبتهم في القرآن، ألان الله عز وجل لهم القرآن، فكان أحدهم يقرأ القرآن في ركعة واحدة. وأيضا كان أحدهم يقرأ القرآن خاصة في رمضان، يختم في يوم واحد. بل ذكر عن الشافعي رحمه الله أنه كان يقرأ ختمة في النهار وختمة في الليل، وكان يقرأ في كل وقت، وهو ماشٍ وهو جالس، فيختم القرآن في النهار ويختم القرآن في الليل. وهذا لأن الله عز وجل ألان لهم كتابه، فكانوا يقرأونه، وأيضا يختمونه في وقت يسير. وكما ذكرنا قبل أنه قد جاء عن جمع من الصحابة أنهم كانوا يقومون بالقرآن في ركعة واحدة، ثبت ذلك عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكذلك عن تميم الداري، وعن سعد بن أبي وقاص، وأيضا عن غيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان هذا دأب كثير من الصحابة، يقرأ القرآن في ركعة واحدة. وهذا كله يدل على تعاهدهم وأيضا اهتمامهم بكتاب الله جل وعلا. ﴿ ورتل القرآن ترتيلا ﴾: أي تعاهد قراءته، وكذلك أيضا تعاهد القراءة الصحيحة التي يقرأ بها هذا القرآن. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.