الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 46، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ باب مد القراءة في صحيح البخاري مبيناً أنواع المد، ثم يتتبع سند الحديث عبر مسلم بن إبراهيم وجرير بن حازم الأزدي مع مناقشة حال جرير من حيث الثقة والوهم في روايته عن قتادة بسبب كبر السن، ويضرب أمثلة على نسيان العلماء لأسباب الهموم والحوادث.
يستعرض المقطع سلسلة رواة حديث وصف قراءة النبي ﷺ بالمد، مبيناً رواية قتادة عن أنس بن مالك، وتفاصيل إسناد البخاري عبر همام بن يحيى وعمر بن عاصم، كما يتطرق إلى وسائل السلف في تقوية الحفظ كالتكرار ورفع الصوت وبعض الأغذية التي كانوا يتناولونها للحفاظ على الذاكرة مع أضرارها.
يبيّن المقطع أن مد النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة يشمل المد الأصلي والفرعي، مستدلاً بقراءته لسورة النضيد في الفجر، ويناقش الخلاف في الجهر بالبسملة مرجحاً أنها كانت تُسر في الصلاة وتجهر بها خارجها، وأن الصحابة كانوا يفصلون بين السور بنزول البسملة.
يشير المقطع إلى أن البسملة لم تكن من الوحي المنزّل بل كانت تُستخدم لفصل السور أثناء القراءة، ويختم المتحدث بالتأكيد على أن هذا ما ورد في الروايات والله أعلم بالصواب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب مد القراءة. باب مد القراءة، يعني مد الصوت، مد الحرف بالصوت، وهو إشباع الحرف الذي بعده ألف أو واو أو ياء، وهو ما يسمى بالمد، وهو على قسمين: مد طبيعي أو أصلي، ومد غير أصلي، وهو الذي يكون بعده همزة، وما يسميه العلماء بالمد المنفصل أو المد المتصل. فالمتصل الذي يكون من نفس الكلمة، والمنفصل ما كان في كلمتين. فكانت قراءة النبي عليه الصلاة والسلام كما سيأتي. قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم. مسلم بن إبراهيم هو الفراهيدي، وهو بصري ثقة من الحفاظ. قال: حدثنا جرير بن حازم الأزدي البصري أبو وهب رحمه الله، كان من حفاظ الحديث إلا أنه كان له أوهام، يهم خاصة في روايته عن قتادة، إلا أنه أحيانا يحفظ في قراءته أو في روايته عن قتادة، ولهذا ذكره هنا الإمام البخاري متابعة أو في الشواهد، فذكر له بعد ذلك متابعة يدل على أنه حفظ هذا الحديث، وإلا قد ذكرت له أشياء كان يرويها توهمًا، كما قال الإمام أحمد: أما سئل عن بعض حديث جرير بن حازم عن قتادة، قال: كان جرير يرويه أحيانًا بالتوهم، لأن جرير سمع من قتادة قديمًا وهو صغير أو في بداية الطلب، فلما كان في كبره في سنه قد كبر، كان يحفظ هذا الحديث، لكن لكبر سنه كان أحيانًا ينسى بعضها فيرويها بالتوهم، يرويها بالتوهم، بمعنى أنه يتوهم أنه سمعها من قتادة عن أنس وعن غيره. فلهذا ذكر الحافظ ابن رجب رحمة الله عليه في كتابه الجميل فتح شرح علل الترمذي في الفصل الثاني الذي ألفه في العلل، ذكر عدة أحاديث انتقدها الحفاظ على جرير بن حازم أو في روايته عن قتادة، وإلا فالأصل أنه ثقة، لكن الوهم يدخل الإنسان بسبب كثرة أو قدم العهد، مثلاً تجد أنه سمع هذا الحديث قديمًا، وكذلك أيضًا كبر السن له دور في هذا، وأيضًا كذلك الرواية وكثرة الرواية أيضًا لها دور في هذا، وأيضًا أحيانًا تدخل بعض الأشياء في أمور المجتمع والمعايشة للناس والأسرة ولغير ذلك. ومن الطرافة أن الإمام الأعمش رحمه الله قال: أتيت إبراهيم بن يزيد النخعي وسمعت منه أحاديث خمسة أحاديث، قال: فلما ذهبت إلى البيت فدخلت إلى البيت فإذا زوجتي تقول لي: ليس عندنا دقيق، قال: فنسيت هذه الأحاديث، قال: نسيتها أنا لشغلي بهذا. فهذه الأشياء أحيانًا تشغل الإنسان عن كثرة الهموم والمشاكل الزوجية والمشاكل الأسرية وغيرها من هذه الأمور. أحيانًا أيضًا كذلك أحيانًا يحصل للإنسان شيء في رأسه، أحيانًا أحيانًا مثلاً كما يذكر العلماء: بعضهم تسرق كتبه، تذهب، بعضهم تحترق كتبه، وبعضهم أيضًا يصيبه شيء في رأسه مثل ما حصل لسهيل بن أبي صالح، وكذلك بعضهم أيضًا يصيبه العمى فينسى محفوظاتهم، وغير هذه من الأشياء التي قد تعترض الإنسان فينسى بعض هذا الحديث. وإلا كان العلماء الحفاظ إذا حفظوا شيئًا أثبتوا، لا ينتزع بعد ذلك منهم، ولهذا تجد الواحد منهم يقول: حفظت هذا الحديث قبل خمسين سنة، قبل أربعين سنة، قبل كذا. قال: حدثنا جرير بن حازم الأزدي، والأزدي هي قبيلة من قبائل اليمن، الأزد، وتنتسب إليها بكيل وحاشد وغيرها، ومنهم من يقول أن حاشد تعتبر من همدان، وهمدان من قضيعة، والأزد هم الأوس والخزرج، الأوس والخزرج من الأزد، ويقال منهم بكيل، ويقال أنها ليست منهم بكيل، فمنهم من يقول أنها من همدان، وهذا الظاهر وهذا الذي عليه أكثر المؤرخين، ومنهم من يقول أنها ليست من همدان، وقيل أن بعض قبائلها من همدان تنتسب إلى همدان وبعضها إلى الأزد، والمهم أن الأزد قبيلة كبيرة من قبائل اليمن وممن ينتسب إليها الأوس والخزرج. قال: حدثنا قتادة، هو ابن دعامة أبو الخطاب السدوسي الحافظ الكبير، كان يلقب بالمصحف لحفظه، وكان إذا حفظ شيئًا لم ينساه، وإذا أراد أن يحفظ أخذه العناء، أن إذا أراد أن يحفظ شيئًا كرره حتى يرفع صوته، يرفع صوته به حتى يحفظه، أجل أنه يسمع نفسه، وليس المراد أن اللسان يزعج الناس برفع الصوت، إنما يرفع صوته إذا كان وحده أو في بيته أو في مسجد خاليًا، لا بأس أن يرفع صوته لأجل الحفظ، لأن الحفظ يتقوى إذا كان بأكثر من آلة، وأن إذا كان بالنظر والسمع وأيضًا الفكر يكون أقوى للحفظ، يكون أقوى وأدعى للحفظ، وكلما نقصت آلات كلما قل سرعة الحفظ، ولهذا يرفع الذي يريد أن يحفظ يرفع صوته ويكرر، وهذا التكرار يفيد العقل أو الداكر، كثرة التكرار تفيد الداكر، ولهذا كان أكثر أهل العلم يعتمدون على التكرار، تكرار الحفظ، إذا أرادوا أن يحفظوا كرروا المحفوظ، ومنهم من يكرر إلى خمسين مرة إلى أكثر من ذلك، ولهذا قيل للإمام البخاري: بماذا أعطيت أو من ماذا أعطيت هذا الحفظ؟ ما الذي جعلك تحفظ هذه الأمور؟ قال: كثرة النظر، كثرة التكرار، أنا أكرر نظري وأكرر. وأيضًا كان السلف يحافظون على ذاكرتهم حتى بالطعام، كان الإمام الزهري لا يأكل الحموض مثل البرتقال والليمون وكذا لأجل المحافظة على حفظه على ذاكرته، وكان بعضهم يشرب بعض الأشياء التي تحافظ على الذاكرة مثل ما فعل وكيع وعبد الرحمن بن مهدي وأبو داود الطيالسي وغيرهم، كانوا يشربون بعض اللبان أو الصمغ الذي يسمى البندر أو كذا كان يشربونه، لكنه مضر، هو يفيد الذاكرة لكنه يضر، ولهذا يقال أن سبب الفالج الذي أصاب أبا داود الطيالسي بسببه، وكذلك أيضًا أصيب عبد الرحمن بن مهدي ببرص أو بغيره بسبب هذا اللبان، وهو يسمى الكندر. قال قتادة: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي عليه الصلاة والسلام فقال: كان يمد مدًا. سألت أو سألت أنس، وجاء في رواية: سأل أنس كما في الرواية الأخرى. قال: وحدثنا عمر بن عاصم، أن هذه رواية أخرى أوردها الإمام البخاري من رواية عمر بن عاصم، ويقول الحافظ: إنه وقع في بعض النسخ عمر بن حفص، وإنما الصحيح هو عمر بن عاصم، وهو بصري أيضًا. قال: حدثنا همام، وهذا الحديث يعتبر إسناده بصريًا في كلا الإسنادين. قال: حدثنا همام وهو ابن يحيى العودي، وهو من ثقات أصحاب قتادة، وبعض العلماء يجعلهم من حفاظ أصحاب قتادة. حفاظ أصحاب قتادة هم ثلاثة: شعبة، وهشام بن عبد الله الدستوائي، وسعيد بن عروبة، وبعض همام رابعة. طيب. قال: حدثنا همام عن قتادة قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: كانت مدًا. ثم قرأ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ بمد، بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم. أنا على المد الطبيعي الذي ذكره العلماء أو الأصل، والمراد بقوله: كانت قراءته مدًا، أي فيها مد في قراءة النبي عليه الصلاة والسلام، المد، لأن المد يميز القراءة، يميز القراءة عن غيرها، فلهذا قال أنس: كانت قراءة النبي عليه الصلاة والسلام مدًا. وجاء في رواية أنه قال: كان يمد صوته مدًا. وذكر المؤلف أنها أو الحافظ أنها من رواة الإسماعيلي من طريق أبي النعمان عارم، وأيضًا جاءت: فكان يمد صوته مدًا، أن المد موجود في قراءة النبي عليه الصلاة والسلام. وهنا ذكر أن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم مدًا، فذكر بسم الله، يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم، أنها مد واحد، وليس كذلك، وإنما المراد أنه كان يمد، بمعنى يمد في قراءته سواء كان هذا المد مدًا أصليًا أو غير أصلي. ولهذا يذكر العلماء دائمًا أو الصحابة رضي الله عنهم يذكرون مد النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان مميزًا أو إذا كان طويلًا، مثل ما ذكر قطبة بن مالك في قراءة النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الفجر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر بقاف، وقرأ طه، والنضيد، ومد نضيد، فمد نضيد. وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمد كما يذكر العلماء هذا المد الطويل، وعلى ما ذكره علماء التجويد وغيرهم أو علماء القراءة في المد، سواء كان المد الأصلي أو غيره أو ما يسمونه بالمد الطبيعي أو غيره من المدود التي تكون أكثر كالمد المتصل الكلمي والمنفصل وغيرها من المدود. وهنا مسألة نبه عليها الحافظ ابن حجر، وهي أن بعضهم استدل بهذا الحديث على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم، وهذا ليس صحيحًا، لم يذكر أنس أن هذا كان في قراءة النبي صلى الله في الصلاة. ولما ذكر الصلاة، أي ذكر البسملة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يبدأون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وفي رواية: كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي رواية: كانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم، وأما رواية مسلم: كانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، فتحمل على عدم الجهر بها، تحمل على عدم الجهر بها، وليس أنهم لا يذكرونها بتاتًا أو لا يقرؤونها، تحمل على أنهم كانوا يسرون بها، وهذا هو المعتمد في الأحاديث التي جاءت عن أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم. وأما ما ذكر بعض العلماء كالشافعي وغيره أن الرواية الصحيحة أنهم كانوا يبدأون بالحمد لله رب العالمين، قالوا: المراد بالحمد لله رب العالمين أي الفاتحة لأن الفاتحة تبدأ بالحمد لله رب العالمين، لكن لو كان كذلك لقال: بالحمد أو بالحمد لله كما جاء في بعض الأحاديث، لكن ذكر الآية كلها يدل على أنهم كانوا يبدأون بهذه الآية. وأيضًا مما يدل على هذا أنه قد صح عن أنس من طريق شعبة عن قتادة ومن غيره أنه قال: كانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم، وليس أن هذا فهمه بعض الرواة كما يذكر السيوطي وغيره، لأن بعض الشافعي يقول: إنما هذا الحديث الذي فيها كانوا لا يجهرون وكانوا لا يذكرون أو لا يسرون إنما رواها بعضهم بالمفهوم، رواها بعضهم بالمفهوم، وهذا ليس صحيحًا لأن من روى هذه الرواية من الثقاة الحفاظ الذين يؤدون الألفاظ، فلهذا فتبين أن هذا مقصود، وأن أنس رضي الله تعالى عنه ذكر أنهم كانوا لا يجهرون بهذه البسملة. وأما ذكرها هنا فالمراد به قراءة النبي عليه الصلاة والسلام، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجهر بالبسملة في غير الصلاة، كان يجهر في البسملة في غير الصلاة، مثل ما جاء في حديث علي وغيره، حديث أبي هريرة لما نزلت ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ فذكر أولًا البسملة، فكان أيضًا يذكر البسملة في بداية كل سورة، حتى قال ابن عباس وغيره: كان الصحابة يعلمون فصل السورة عن الأخرى بنزول بسم الله الرحمن الرحيم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم علموا أنها سورة أخرى، عرفوا أنها سورة أخرى ليست التي كان يقرأها أو التي كان فيها نزول، فكان يفصل بين السورة والسورة بسم الله بهذه البسملة. طيب، هذا ما يذكر والله تعالى أعلم.