الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 48، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري بأنه أوتي مزمارًا من مزامير آل داود، مبينًا أن البخاري أورده في باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن. ويدل الحديث على استحباب تجويد الصوت وتزيين التلاوة بالصوت الحسن.
يبين المقطع جواز تحسين الصوت بالقراءة واستحباب ذلك مع الترتيل والغنة الخاشعة، محذرًا من ميلة إلى الغناء واتخاذ القرآن مزامير للاستماع كلحن لا تعبد. ويستدل بفعل عمر رضي الله عنه في تقديم ذوي الأصوات الحسنة.
يستحب تحسين الصوت لزيادة الخشوع بشرط إخلاص النية لله وتجنب الرياء، فمن قرأ لينشر القرآن فله الأجر، ومن قرأ ليمدح فهو من المرائين. ومن كانت نيته حسنة في نشر كتاب الله وتحسين قراءته يرجى أن يؤجره الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وسلم. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن. قال: حدثنا محمد بن خلف، أبو بكر، وهو الحدادي البغدادي، كان من زملاء البخاري أو من مشايخ الصغار، وكان في سنه وعاش بعده، أي بعد البخاري، خمس سنين. قال: حدثنا أبو يحيى الحماني، وهو عبد الحميد بن عبد الرحمن الكوفي، والد يحيى بن عبد الحميد، وكان يحيى بن عبد الحميد هذا مسندًا وحافظًا كبيرًا، لكنه كان على مذهب المرجئة. وهذا أبوه. قال: حدثنا أبو يحيى الحماني. ولم يذكر كما قال الحافظ البخاري: محمد بن خلف، وأبو يحيى الحماني إلا في هذا الموضع. ليس لمحمد بن خلف ولا لشيخه أبي يحيى في البخاري إلا هذا الموضع. قال: حدثنا أبو يحيى، عن عبد الله بن أبي بردة، وأبو بردة قد سمع منه جماعة، وسمع من جده، وكان في الكوفة، فلذلك أكثر الكوفيين أخذوا عنه، وأفضل من أخذ عنه أبو أسامة، حماد بن أسامة، رحمة الله عليه. قال رحمه الله: عن جده أبي بردة، عن أبي موسى. أبو بردة بن أبي موسى، يقال: إن اسمه لا يعرف، وإنما يعرف بكنيته. قال: عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود». هذا الحديث بَوَّبَ عليه الإمام البخاري: حسن الصوت بالقراءة للقرآن. ومعنى ذلك: أنه بيّن في هذا الحديث أنه من باب المستحب والمستحسن أن يحسن الشخص صوته بالقرآن، وقد يكون أيضًا المراد أن من أعطي صوتًا حسنًا فينبغي عليه أن يحسن صوته أكثر بالقرآن. وأيضًا كذلك بعض العلماء يقولون: إن المراد أنه يستحب سماع القرآن من ذي الصوت الحسن، أي يستحب أن يسمع الصوت من ذي الصوت الحسن. من ذي الصوت الحسن، كما في هذا الحديث كان النبي صلى الله عليه وسلم يستمع إلى قراءة عبد الله بن قيس وهو أبي موسى، وقال له: «لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود». والمراد بالمزمار هو الصوت، أي: لقد أوتيت صوتًا من أصوات آل داود، أي داود عليه السلام، وكان داود قد أعطي صوتًا حسنًا حتى أن الطيور لتغرد معه لحسن صوته عليه السلام. وقد جاء في مسلم أن أبا موسى، أو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأبي موسى: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة». فقال أبو موسى: «لو كنت أعلم لحبرتها لك تحبيرًا»، أو قال: «ما إني لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيرًا». وجاء في حديث أنس أن أبا موسى قام ليلة يصلي، فسمع صوت النبي عليه الصلاة والسلام، وكان حلو الصوت، فقاموا يستمعون. فلما أصبح قيل له، فقال: «لو علمت لحبرته لهن تحبيرًا». وهذا يدل على جواز تحسين الصوت بالقرآن مهما أمكن، وهذا التحسين يكون بالصوت الحسن أولاً، وكذلك أيضًا يستعان في ذلك بالترديد، وأيضًا الغنة التي لا تميل إلى الغناء المحرّم، الغنة التي تميل إلى الخشوع، وأيضًا إلى ما يجلب القلوب إلى الله جل وعلا. ولهذا اجتمع من الأدلة التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يجوز للعبد أن يحسن تلاوته، وكذلك يستحب لمن يسمع التلاوة أن يسمع هذه التلاوة الحسنة. وأيضًا استحبوا للناس في صلاتهم أن يقدم من هو حسن الصوت. وقد كان عمر، كما ذكر ابن أبي داود في كتابه "المصاحف" الذي ألفه في القراءات وغيرها، يذكر فيه ما جاء عن السلف وعن النبي عليه الصلاة والسلام، فذكر عن عمر أنه كان يقدم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم. وما جاء في ذلك الحديث، وهو من حديث عمر أيضًا، أنه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، أو في الحديث ذكر ستة أشياء، قالوا: منها قوم يتخذون القرآن مزامير، يقدمون من يغنيهم وإن كان أقلهم فقهًا. وهذا الحديث الذي أول عليه كثير من العلماء أنه لا يصح، وصححه بعض العلماء كالشيخ الألباني رحمة الله عليه. ويحمل إذا كان صحيحًا على أن المراد: يغنيهم، أي يجعل قراءته على سبيل الغناء، يجعل قراءته على سبيل الغناء، وهم يستمعون أو يستحبون هذه التلاوة لأجل أنها تشبه الغناء، فاستحسنوها أو يتلذذون بالصوت، وليس المراد بالقراءة أن يتلذذوا بالأصوات التي هي شبه الغناء، وليس المراد القراءة. وأما من كان يحسن صوته ويخشع صوته فهذا طيب. وقد جاء أيضًا عند أحمد عن بعض النساء من الصحابيات أنها سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن أفضل من يقرأ القرآن من إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله». وهذا يدل على أنه إذا أراد الإنسان أن يلحن ويجعل صوته غنة، أن يكون هذا الصوت أقرب إلى الخشوع، حتى يخشع الناس في قراءة هذا الكتاب العظيم. فلهذا فهذه الأحاديث كما قلنا تجتمع في أن الإنسان يحسن صوته. وقد ذكرنا بعض هذه الأحاديث في الدرس الذي مضى. فمن ذلك أيضًا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «حسنوا أصواتكم بالقرآن، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا». «حسنوا أصواتكم» أو قال: «زينوا أصواتكم بالقرآن». وما جاء بعكسه: «زينوا القرآن بأصواتكم»، أو قال: «زينوا القرآن بأصواتكم». واللفظ الأول ليس صحيحًا: «زينوا أصواتكم بالقرآن»، وإنما «زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا». ففي هذا استحباب تقديم واستماع وقراءة أيضًا. وإذا أراد أن يقرأ أن يحسن صوته بالقراءة، وليس المراد المراءاة، أنه يدخل نية المراءاة في ذلك، فيحسن صوته لأجل أن يقال: إنه قارئ، كما جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم، في حديث أبي هريرة: «ثلاثة أول من تسعر بهم النار يوم القيامة»، فذكر منهم قارئ القرآن، فيؤتى به فيقال له: قد حفظت القرآن وعلمته، فماذا فعلت؟ فيقول: يا رب، قد قرأته فيك وأقرأته. فيقال: إنما قرأته ليقال: قارئ، فقد قيل. وهذا بسبب الرياء. ولهذا جاء في الحديث عن عمر، حسّنه بعض العلماء، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أكثر قراء أمتي منافقوها». أكثر قراء أمتي منافقوها. معنى أنهم يراءون الناس، ويقصدون بالقراءة المراءاة فقط. وليس المراد بإسماع القرآن للناس، وليس معنى ذلك أن من قرأ مثلًا في إذاعة أو في كذا أنه من هذا القبيل، لا. وهذا إنما بحسب نيته. فإن كانت نيته لأجل أن يسمع الناس القرآن، وأيضًا كذلك تنتشر قراءة القرآن بين الناس، فهذا حسن. وأما إن كان قصده ونيته أنه يثني عليه الناس بهذه القراءة، وأيضًا يفتخر بقراءته، فهذا رياء لا يجوز. فهذا يدخل كما قلنا في النية. فمن كانت نيته حسنة فإن شاء الله يؤجر على ما يفعل من نشر كتاب الله عز وجل، ونشر القراءة وتحسينها حتى يسمع الناس كتاب الله جل وعلا. الله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر