الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 27، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الحكم الفقهي في زواج العبد بالمرأة الحرة برضاها مستنداً إلى حديث بريرة، ويؤكد جواز نكاح العبد للحرة بشرط رضاها مع حقها في الخيار إذا أعتقت. كما يذكر ثلاث سنن تضمنها الحديث: تخيير المعتقة، ولاء المعتق، وجواز أكل النبي صلى الله عليه وسلم من اللحم المتصدق به كهدية.
يبين جواز نكاح الأمة المؤمنة لمن عجز عن نكاح الحرة وخاف العنت، وحق المرأة إذا أعتقت وهي تحت عبد أن تختار البقاء أو الفراق. ويسوق قصة بريرة التي أعتقتها عائشة فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالولاء لمن أعتق وخيّرها في زوجها مغيث فاختارت فراقه.
يستعرض قصة بريرة وتخيير النبي صلى الله عليه وسلم لها بعد عتقها، مبيناً سنة تخيير المعتقات وأن الولاء لمن أعتق. ويوضح حكم أكل النبي صلى الله عليه وسلم من اللحم المتصدق به على بريرة بقوله: "هو عليها صدقة ولنا هدية"، مستدلاً على جواز أكل من حرمت عليه الصدقة إذا قدمت له كهدية.
يشير المقطع إلى ثلاث سنن كانت في بريرة رضي الله عنها، ويؤكد الكاتب على تدوينها والعمل بها مختتماً بقوله والله أعلم. تلخص هذه السنن أحكام التخيير والولاء والهدية المستفادة من القصة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب الحرة تحت العبد». قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، وهو التيمي الدمشقي، قال: أخبرنا مالك، وهو إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي. قال: الربيع بن أبي عبد الرحمن، وهو الذي قال له ربيعة الرأي: كان من علماء المدينة، وأبوه اسمه فروخ، أبو عبد الرحمن، وهو شيخ مالك، وقد درس عنده مالك وهو صغير حتى صار له ملكة، فأمره بالإفتاء بعد أن صار ابن سبع عشرة أو نحوها. قال: عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، قاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، والقاسم كان من علماء المدينة وفقهائه، وهو أيضا ممن أخذ العلم عن عمته عائشة. قال: عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: «كانت في بريرة ثلاث سنن». قالت: «كانت في بريرة ثلاث سنن»، ثلاث أحكام شرعية جاءت من طريق بريرة. وهذا الفقه: عائشة رضي الله تعالى عنها كانت في بريرة ثلاث سنن: أعتقت أو عتقت فخُيِّرت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الولاء لمن أعتق». ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم والبرمة على النار، فقرب إليه خبز وإدام من إدام البيت، فقال: «ألم أرى البرمة؟» فقيل: لحم تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة. قال: «عليها صدقة ولنا هدية». فهذا الباب: باب الحرة تحت العبد. معناه: هل يجوز تزويج العبد الحرة إذا رضي به؟ فأولا: من ناحية حكم الجواز، أنه يجوز؛ يجوز للعبد أن يتزوج امرأة حرة إذا رضيت بذلك. فإذا كانت معه وأُعتقت، إذا كانت معه وعُتقت أيضا خُيِّرت؛ تخير أن تبقى معه أو أن يفسخ العقد. إذا كانت هذه المرأة عُتقت، صارت حرة، وزوجها عبد، فإن لها الخيار. كما أن الحر لا يتزوج الأمة إلا بشروط، كما ذكرها الله عز وجل، وقد ذكرنا ذلك في التفسير: عدة شروط في تزويج الحر الأمة. ومن ذلك ما ذكره الله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿مَنْ خَافَ الْعَنَتَ﴾ عن الوقوع في الزنا. فإذا كان ليس عنده ما ينكح الحرة، وخاف على نفسه الوقوع في الزنا، فإن له أن يتزوج المملوكة، المملوكة أو الأمة، يجوز له أن يتزوج الأمة. وأيضا كذلك العكس: فإن العبد أو الحرة لا تكون عند العبد إلا إذا رضيت به. فإذا عُتقت المرأة وصارت حرة وهي عند عبد، فلها الخيار، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «كانت في بريرة...». هذه بريرة، مولاتها عائشة، أعتقتها عائشة. كانت مملوكة لبعض الأنصار، فكاتبتهم على تسع أواق، أو على تسعين أوقية، فجاءت إلى عائشة رضي الله عنها، فقالت: أعينيني على ذلك. فقالت لها عائشة: إن شئتِ أنا أؤديها لهم، لكن الولاء يكون لي، خدمتك تكون عندي، وولاؤك يكون لي. الولاء هو الخدمة والنصرة. فكلمت بريرة أهلها، فرفضوا، وقالوا: الولاء يكون لنا. هم رضوا بالعتق، لكن الولاء يكون لهم، وهذا لا يصلح. فلما كلمت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم، غضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «إنما الولاء لمن أعتق». كيف هذا؟ يدفع مال لأجل العتق، ثم الولاء يكون لغيره! إذا كانوا هم يريدون الولاء، هم يعتقوها. إذا كانوا يريدون الولاء، يعتقوها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الولاء لمن أعتق». وخطب في الناس، وقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ فمن اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط». لهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم الولاء لعائشة، فصارت عندها، كانت بريرة عند عائشة رضي الله تعالى عنها تُخدَم. فلما عُتقت خُيِّرت، خُيِّرت في زوجها. وهذا زوجها اسمه مغيث، وكان يحبها. فلما خُيِّرت رفضت أن تكون عنده، رفضت أن تكون عنده، وكان يحبها، فكان يمشي خلفها ويبكي. فقال العباس للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، ألا ترى حب مغيث لبريرة وإعراض بريرة عنه؟ فأكلم النبي عليه الصلاة والسلام بريرة أن ترجع له، أن ترجع إلى مغيث. فقالت: أمر يا رسول الله، أم هو رأي ومشورة؟ فقال: «بل رأي ومشورة». قالت: لا أريد. كانت تريد أن تجلس عند عائشة، وتكون خدمتها لعائشة في بيت النبوة، فاختارت هذا على زوجها رضي الله تعالى عنه. فلم يكرهها النبي عليه الصلاة والسلام على أن ترجع إليه. فهذه سنة: أن المعتقات يُخَيَّرن. والسنة الثانية: أن الولاء لمن أعتق، أيضا جاءت في قصة بريرة، سبب كلام النبي صلى الله عليه وسلم هذا في قصة بريرة، كما تقدم معنا. والسنة الثالثة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «هو عليها صدقة ولنا هدية». النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل إلى بيته، رأى برمة على النار، برمة لحم على النار، فقرب إليه خبز وإدام، إدام، شيء من الإدام، وهو من الإدام الذي يؤكل به الخبز. فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ألم أرى البرمة؟» كيف هناك برمة ولا جئتم بها؟ فقيل: لحم تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة. أن هذا اللحم تصدق به على بريرة. فقال عليه الصلاة والسلام: «هو عليها صدقة ولنا هدية». هذه سنة: أن الإنسان، كما ذكرنا، إذا حرمت عليه الصدقة، وكان له مثلا أبناء، أو له إخوان، أو له مثلا موالٍ، فله أن يجعل ما أعطوا له هدية. وقد كان شيخنا مقبل رحمة الله عليه يقول في مركزه: من كان من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الطعام الذي يأتي صدقة لطلبة العلم، نجعله هدية لهم؛ أنه لنا صدقة ولهم هدية. وهذا الذي يعمل به في مراكز أهل السنة: أن من كان من آل البيت ويمتنع عن الصدقة، أو كان غنيا، أن عنده مال وعنده ما يقوم به، ليس محتاجا إلى الصدقة، لأن هذا الطعام الذي يأتي، أكثره صدقة يعطى المركز صدقة لطلبة العلم. فإذا كان إنسان مثلا لا تحل له الصدقة، هل يأكل؟ يأكل هدية، على هدية من أهل المركز، أو من القائمين على المركز، تكون له هدية فيأكلها هدية أو هبة، فهو حلال له. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو عليها صدقة ولنا هدية». فهذه الثلاث السنن التي كانت في بريرة رضي الله تعالى عنها. فنكتب بهذا، والله تعالى أعلم. وُلَّهَوْا قُلِهَوْا قِلْهَوْا عِيشْا تَعْقِيَوْا قِلْا قُلْفَلُوْا قِلْهَوْا قُلْمَرَوْا قِلْمَنَا قُلْمَنْ قِلْمَنَا