الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع معنى الشؤم في الشرع مبيناً أنه ضد اليمن، وأن الأصل نفي الطيرة والتشاؤم، لكن قد يظهر التشاؤم في ثلاثة أمور ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم: الفرس، والمرأة، والمسكن، بشرط سوء حالها. كما يعرض سند الحديث الوارد في صحيح البخاري عن طريق إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن ابن شهاب عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر.
يستعرض المقطع روايات الزهري عن أبناء المهاجرين والأنصار في أحاديث التشاؤم، ويذكر حديث «الشؤم في المرأة والدار والفرس» مع رواياته في الصحيحين وغيرهما. يوضح أن المراد ليس التشاؤم المطلق بل أن هذه الثلاثة قد تكون مصدر سعادة أو شقاء بحسب صلاحها أو فسادها.
يتناول المقطع مفهوم التشاؤم في الإسلام من خلال قصص نبوية وأحاديث، مبيناً أن التشاؤم قد يعتري الإنسان بطبعه لكن لا ينبغي أن يمنعه من الفعل، بل يُدفع بالتوكل على الله. ويوضح أن الصبر والنصيحة قد يصلحان الزوجة أو المركوب أو المسكن، فإن تعذر الإصلاح جاز تغيير الحال بالطلاق أو البيع دفعاً للضرر.
يؤكد المقطع أن التشاؤم قد يوجد في النفوس، لكن الواجب على المسلم دفعه وتجنب ما يرسخه في القلب. ويشير إلى أن هذا الباب واسع وسيتم استكمال الحديث في أحاديث أخرى.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب ما يتقى من شؤم المرأة»، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾. فهذا باب الشؤم، أو قال: ما يتقى من شؤم المرأة. والشؤم هو ضد اليمن؛ الشؤم: ما يتشاءن به، واليمن: ما يتيامن به. وقد كان الناس إذا يتشاءمون، أي: بما يكون من ذهاب الطير إلى الشمال، وإذا ذهبت لليمين فرحوا ورأوا أن ذلك شيء فيه خير. لكن نفي هذا الشرع أن يكون هناك شيء يقال إنه مشؤوم. لكن في هذا الحديث الذي سيأتي أن الإنسان قد يتشاءم، أو قد يظهر الشؤم في شيء من الأمور، كما سيأتي في حديث سهل: «إن كان الشؤم في شيء ففيه الفرس والمرأة والمسكن». يعني أن يتشاءم بها العبد، ليس هي شؤم وإنما يحصل التشاؤم في هذه الأمور: الفرس المركوب، والمرأة، أي المراد بها الزوجة، أن المراد بها إذا ساءت، والفرس كذلك إذا ساء، والمسكن أيضا كذلك إذا ساء. المراد سوء هذه الأشياء. أحيانا يستمر الفرس مثلا، أو السيارة أو غيرها، تجد إذا تعطلت يزيد عطلها كل يوم مثلا، يظهر شيء جديد وهكذا. المرأة إذا ساءت، سواء كانت بلسانها أو بأفعالها، ستجد غالبا أن الزوج يأتيها من هنا وهي تأتي من مكان آخر، ويراوغها ويراوغها من هنا وهي تأتي له بأبواب أخرى، فتجد يحصل الغضب بين الزوجين والتخاصم بين الزوجين، في أحيانا حتى يكون في أتفه الأمور وفي أشياء لا تستحق الخصومة، فيحصل مثل هذا. وإلا الأصل أنه لا شؤم، وأنه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن مسعود، أنه قال: وجاء في حديث سهل أيضا: «لا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا غول». لا طيرة، والطيرة هي التشاؤم بالمسموع أو بالمرئي، فنفى النبي عليه الصلاة والسلام الطيرة. الأصل أنه لا طيرة، لكن قد يحصل للإنسان التشاؤم في بعض الأمور، يحصل له من معنى يحصل له شيء من التشاؤم في بعض الأمور. ومن أهم هذه الأمور التي قد يحصل فيها التشاؤم هذه الثلاثة الأشياء التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: حدثنا إسماعيل. إسماعيل هنا هو ابن عبد الله بن أبي أويس، الأويسي، ابن أخت مالك بن أنس. والبخاري رحمه الله اختار من حديثه لأن إسماعيل فيه ضعف في حفظه، لكن البخاري أخذ كتبه وأخرج منها الصحيح، أو أخرج منها ما هو متأكد من صحته، فلذا كان يُرى للناس اختيار البخاري، فيقول: هذا اختيار محمد بن إسماعيل، اختياره معناه: هو الذي اختار هذه الأحاديث وجعلها في مصنف واحد أو في دفتر واحد. قال: حدثنا إسماعيل، وقال: حدثني مالك، وهو خاله، مالك بن أنس، وإسماعيل له أخ اسمه عبد الحميد. قال: حدثني مالك، وهو أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، مالك بن أنس الأصبحي، عن ابن شهاب، وهو الزهري، عن حمزة وسالم، ابني عبد الله بن عمر. وحمزة الظاهر أنه لم يروي عنه إلا ابن شهاب. ابن شهاب من عادته أنه كان يروي عن الأشراف من أبناء الأنصار والمهاجرين، كان يبحث عنهم بحثا، فلذا تجد أن هناك أكثر من خمسين أو تسعين رجلا من أبناء المهاجرين والأنصار لم يروي عنهم إلا الزهري، لم يروي عنهم إلا الزهري، وبعضهم قد روى عنهم غير الزهري لكن قليل. فكان الزهري يبحث عن هؤلاء، عن أبناء المهاجرين والأنصار، ومن هؤلاء حمزة بن عبد الله بن عمر. وأيضا كذلك عمرو بن محمد بن جبير بن مطعم، له حديث واحد في البخاري، ولم يروي عنه أحد حديثا إلا الزهري، روى عنه حديثا واحدا وذكره البخاري في الصحيح. قال: عن حمزة وسالم، وسالم بن عبد الله معلوم حفظه وأيضا علمه، وسالم يعتبر من فقهاء المدينة السبعة. قال: وسالم، ابني عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشؤم في المرأة والدار والفرس». وقال: حدثنا محمد بن منهال، قال: حدثنا يزيد بن زريع بن معاوية، قال: حدثنا عمر بن محمد العسقلاني، وهو من عسقلان من الشام، لكن قيل إنه مدني، قال: عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: ذكروا الشؤم عند النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس». وكما قلنا هذه الأحاديث فيها تبعيض، أنه قد يحصل في بعض هذه الأشياء بعض ما يكون من التشاؤم، لأن هذه الأشياء إما أن تكون فيها سعادة وإما أن تكون فيها شقاء. في الحديث الذي أخرجه ابن حبان، كذلك عند أحمد، حديث سعد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سعادة ابن آدم ثلاثة»، وجاء في رواية: «من سعادة المرء أربع»، فذكر منها: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح. المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح. وقالوا: من شقاوة المرء: سوء المرأة، المرأة السوء، يعني إن كان سوءها في أخلاقها أو أفعالها أو في كلامها، بذيئة اللسان، والمسكن السوء، والمركب السوء. وجاء أيضا في حديث آخر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أربع من سعادة المرء»، وذكر المرأة الصالحة، والبيت الواسع، ذو الأفنية، ذو الأفنية: معناه له أفنية كثيرة، وكذلك المركب الهنيء. فهذه من سعادة المرء، وأما من شقاوته: المرأة السوء التي تؤذي زوجها. جاء في بعض الأحاديث: «من شقاء المرء في الدنيا سوء الدار والمرأة والدابة». جاء أحاديث كثيرة في هذا الباب، وهنا ذكر بعض هذه الأحاديث. وهنا، كما قلنا، الأصل أنه لا طيرة ولا تشاؤم، لكن الإنسان يبعد هذا عن نفسه. وهذا التفسير هو الصحيح في هذه المسألة، أنه قد يحصل التشاؤم في هذه الثلاثة الأشياء: ضيق البيت، وأذية المرأة وسوء خلقها، وكذلك أيضا عدم استمرار المركب أو ما يركبه الإنسان، دائما فيها مرض. مثلا الحيوانات، تجد بعض الفرس مثلا يكسل ويصيبه الكسل، أو يصيبه شيء من الأمراض مثل التيبي أو غيرها من هذه الأمراض، أو الجرب، فتجد أنه لا ينفك عن هذه الأمراض. مثل ما حصل لفرس أبي طلحة، لكن أخذه النبي صلى الله عليه وسلم فبارك الله فيه، إنما كان عيًّا، يعني أنه مريض لا يجري. أخذه النبي صلى الله عليه وسلم، لما حصل الصوت في المدينة، هناك صوت جاء مفزع كأنه شيء سقط، فخرج الناس، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم فرس أبي طلحة وذهب إلى الصوت، وتقدم الناس إلى الصوت، فالناس ذاهبون، إذا بالنبي صلى الله عليه وسلم راجع نحو الصوت، فقال: «لا تراعوا، لا تراعوا»، أي: لا تخافوا. قال أنس: على فرس أبي طلحة، قال: «إنا وجدناه بحرا، بل هو بحر، إني من شدة جريه صار يجري بعدما كان عيًّا». فقد يصلح مثلا المركوب وتستمر الأمور فيه، كذلك المرأة يهديها الله ويصلحها وتصلح بعد ذلك، بعد مثلا الوعظ والنصيحة وكذا. وبعض النساء تجد أنها لا تصلح، فإذا صلحت فالحمد لله، تحمد المرأة ربها جل وعلا على ذلك، وإلا غالبا إذا اعوجت المرأة فلا يكون إصلاحها إلا كسرها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وأعوج ما فيها أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته، فاستمتع بها على عوج». أن الواحد يصبر ويتفادي بعض الأمور، لأنها قد تصلح، وينظر إلى محاسنها وإلى أخلاقها التي يحبها، «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر». فكما قلنا، إن كان حصل منه هذا الشيء وهذا الشؤم، أو قد يحصل منه تشاؤم من هذه المرأة، فالأولى أنه يطلقها، كما جاء في بعض الأحاديث: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة أنه يترك هذه المرأة. رجل اشتكى إليه بذاعة لسانها، ورجل اشتكى إليه سوء خلقها، وأيضا رجل اشتكى إلى النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه المرأة فيها شيء من الغفلة، فقال: «لا ترد يد لامس». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لم طلقها؟» قال: خاف أن تتبعني نفسي. وغيرها من هذه الأمور، الإنسان يقطع مثل هذا حتى لا يقع في التشاؤم. إذا رأى مثلا من السيارة أنها دائما فيها شيء من العطل والفساد، لا ينبغي له أن يتركها، مثلا يبيعها ويشتري أخرى. وكذلك البيت، النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه ذاك الرجل، الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «إنا تحولنا إلى بيت، فقل مالنا وولدنا معنا، كانوا يموتون أولادهم وقل المال»، فقال: «ذرُوها ذميمة». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذرُوها ذميمة»، أي: هذا البيت تركوه، مادام أنه حصل منكم شيء من التشاؤم نحوه، فتركوه حتى يذهب هذا الأمر. فلذا الأصل أنه لا تشاؤم ولا شيء من هذا، كما جاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي، قال: قال معاوية: يا رسول الله، إن منا رجالا يتطيرون، فقال صلى الله عليه وسلم: «ذلك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم». هذا المهم. أما التشاؤم فقد يحصل في الإنسان، قد يحصل في الإنسان من باب الطبيعة، ولهذا جاء في حديث ابن مسعود: «ما منا إلا ويتطير، ولكن الله يذهبه بالتوكل»، يذهبه بالتوكل. فلذا فهذا موجود في الأنفس، تشاؤم موجود في الأنفس، لكن الواجب على المسلم أنه يدفعه، والأشياء التي قد ترسخ هذا الشيء في قلب المسلم ينبغي عليه أيضا أن يدفعها، ينبغي عليه أن يدفعها أو يغير الحال، يغير الحال. وهذا كله من هذا الباب، وهذا الباب أوسع، إن شاء الله تعالى أيضا نكمل في الكلام على الأحاديث الأخرى، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.