كتاب النكاح من صحيح البخاري 26

كتاب النكاح من صحيح البخاري 26

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير حديث الشؤم في الفرس والمرأة والمسكن وقصة تواضع العلماء

يشرح المقطع حديث النبي ﷺ عن الشؤم في الفرس والمرأة والمسكن مبيناً أن المراد به سوء الخلق والتصرفات غير المرضية التي تستدعي الابتعاد. كما يسرد قصة أبي حازم وأصحابه من فقهاء المدينة الذين كانوا يتواسون ويتقاسمون المال بسخاء تجسيداً للأخوة الإيمانية.

النهي عن التشاؤم بالدار والمرأة والفرس وبيان حقيقة فتنة النساء

يحذر النص من نسبة الشؤم إلى المنازل أو النساء أو المركوبات واعتبارها طيرة، مؤكداً أن الطيرة شرك وأن الواجب التوكل على الله مع جواز تغيير هذه الأشياء درءاً للتشاؤم. ويفسر حديث "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" بأن المراد فتنة المرأة بإضرارها بالرجل وسوء خلقها الذي يصدّه عن طاعة الله.

فتنة المرأة سيئة الخلق وتأثيرها على الرجل ودعاء غير المستجاب

يتناول المقطع فتنة المرأة سيئة الخلق التي تعصي زوجها وتكثر المشاكل مستدلاً بحديث النبي ﷺ، ويذكر أن التشاؤم بها قد يضر بدين الرجل كما ورد في حديث الطبراني عن ثلاثة لا يستجاب دعاؤهم منهم من يمسك امرأة سيئة الخلق ولا يطلقها. ويشير إلى أن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء.

التحذير من فتنة الأزواج والأبناء في سورة التغابن

يُشير المقطع إلى قول الله تعالى في سورة التغابن عن كون الأزواج والأبناء قد يكونون فتنة واختباراً للمؤمن، فيجب الحذر منهم. ويختتم المتحدث الحديث بالاكتفاء بهذا القدر من الشرح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك. وعبد الله بن يوسف والتنس الدمشقي قال: أخبرنا مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد. وأبو حازم هو سلمة بن دينار المدني الفقيه، كان يجلس إليه الفقهاء، وكانوا متآخين إخوة صدق، حتى قال بعضهم: فما كان أحد يظن أن له حقا في حقه، معناه في ملكه. فأنا من كثرة ما يتهادون، وأيضا يعطي بعضهم بعضا، ويتواسون في بعضهم البعض. وكما قال الحسن: صديقك من أدخل يده في جيبك فأخذ ما أراد، فلا تجد في نفسك. هؤلاء كانت صداقتهم هكذا، كان أحدهم ماله أو مال أخيه كأدنى مال، لا يتعاونون فيما بينهم. ومن أعطي مالا أعطى أخاه. وما ذكرنا قبل قصة عبد الرحمن، عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وزيد بن أسلم أيضا من فقهاء المدينة ومن أصحاب أبي حازم ومحمد بن المنكدر. فلهذا لما أعطي أبو حازم ثلاثين درهما، قال لعبد الرحمن: أعط هذه أباه، أي: عشرة. أعط عشرة لمحمد بن المنكدر، فقال له عبد الرحمن: فإن لهم مثل نصيبك. ولما أعطى محمد بن المنكدر أخرج عشرة وقال: أعطها أباه، فقال: إن له نصيبا مثل نصيبك. ولما أعطى أباه زيد بن أسلم أخرج عشرة فأعطاها زوجته، وقال لعبد الرحمن: خذ هذه العشرة وأعطها لمحمد بن المنكدر، والعشرة الأخرى أعطها لأبي حازم. فقال عبد الرحمن: قد أعطوا مثل ما أعطيت. قال: عن أبي حازم عن سهل بن سعد، وهو الساعدي رضي الله تعالى عنهما. كان أبوه سعد بن مالك من الصحابة، وإخوته أيضا أبو حميد وأبو أسيد، كلهم إخوة لسهل. أبو حميد الساعدي، وكذلك أبو أسيد الساعدي. قال سهل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن كان في شيء الشؤم ففي الفرس والمرأة والمسكن». فقلنا على ما ذكرنا قبل من القولين: إما المراد أن الرجل يتشاءم أو يصيبه الشؤم بسبب ما يحصل للفرس أو للمرأة من الأخلاق غير المرضية، بمعنى بذاعة اللسان، وكذلك سوء الخلق وتصرفات غير صحيحة مع زوجها، فيأتيه التشاؤم بسبب ذلك، خاصة إذا طال عليه الوقت، فلهذا فأولى له أن يخرجها من عنده. وكذلك أيضا الفرس أو المركوب إذا بدا في خرابه، فإنه دائما يخرج، فالأولى له أن يغيره. وكذلك الدار إذا سكن في دار فقل رزقه، أو قل أولاده، أو ماتت حيواناته أو أولاده أو كذا، فبدل أن يتشاءم بهذه الدار فالأولى له أن يبيعها. فإن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس، أن يحدث هذا الشؤم في تلك الأشياء. وإلا الأصل أنه لا طيارة، لا طيارة غير موجودة، لكن قد يحصل للشخص بسبب هذه الأشياء فيتشاءم ببقاء هذه الأشياء، والأولى له أن يترك هذه الأشياء حتى لا يقع في التشاؤم. وقد جاء في حديث عبد الله المفعود: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك». قال: «أما منا إلا أن الله عز وجل يذهب بالتوكل». أي: أما منا إلا ويتطير، لكن هذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا شيء يجدونه في نفوسهم، فلا يصدنهم». فهذا المهم أنه لا يجعل له أثر، لا يجعل للتشاؤم أثرا. فإذا حصل موت مثلا لقريب له أو ابنه، قال: هذا كله بسبب هذه الدار. وإذا حصل له مثلا خراب في سفر أو في كذا، ويقول: هذا بسبب هذه السيارة. فالتشاؤم بهذه الأشياء، فأولى له أن يتركها قبل أن يقع في التشاؤم، أو أنه يتوكل على الله ولا ينسب التشاؤم إلى مثل هذه الأشياء، وإنما هذا ابتلاء من الله. وقال: وحدثنا آدم، وهو ابن أبي إياس العسقلاني، قال: حدثنا شعبة بن الحجاج عن سليمان التيمي، سليمان بن طرخان التيمي البصري، كان من عباد أهل البصرة وفقهائهم. قال: سمعت أبا عثمان النهدي، وهو عبد الرحمن بن مل، ويقال ابن مل، ويقال ابن مل على الثلاث، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء». وهذا الحديث ذكره هنا الإمام البخاري، أراد أن يبين أن من فتنة المرأة على الرجل سوء خلقها. هنا الفتنة عامة، ليس المراد بالفتنة الافتتان بالنساء فقط، وإنما إضرار المرأة بالرجل، سواء كان بافتتانه بها قبل ذلك، بمعنى إذا كانت أجنبية، أو إن كانت زوجته لكنها تصده عن سبيل الله وعن الخير، وتصده كذلك أو تشغله عن العبادة وعن غيره وعن طلب العلم. وأيضا كذلك من ذلك الفتنة أن تكون هذه المرأة سيئة الخلق ولا تطيع زوجها، ودائما تصايحه، ودائما كذلك تخلق عليه المشاكل، فهذه المرأة فتنة أيضا تفتن الرجل بهذا. «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء». وكل ما كان فيه ضرر من المرأة يعتبر فتنة، ومنها هذا الباب. ومنها هذا الباب أنه قد يتشاءم بهذه المرأة، يتشاءم كلما دخل، صاحت المرأة، قال: هذا أول دخوله. وأيضا كذلك إذا خرج، صاحت قبل أن يخرج. وهذا بعد ذلك كما قلنا يؤديه إلى التشاؤم، أو أن هذه المرأة بلية عليه. لكن ينبغي عليه أنه إذا حصل مثل هذا أنه يدعها ويتركها. وقد جاء في حديث الذي أخرجه الطبراني: أن ثلاثة لا تقبل، لا يستجيب الله عز وجل دعواهم، وذكر منهم الرجل عنده المرأة السيئة، سيئة الخلق وبذيئة اللسان، فيتركها عنده ولا يطلقها، أن يتركها عنده وتشغله عن طاعة الله وتبعده عن طاعة الله وهي عنده. وقد جاء عن بعض السلف، وهذا معناه من باب التفقه، أن رجلا كانت عنده امرأة بذيئة اللسان وسيئة الخلق، فكلما دخل صاحت عليه وسبته، فقال له: لما لم تصبر على هذه المرأة وهي تفعل كذا وكذا؟ قال: أخاف أن يبتلي الله عز وجل بها أحدا غيري، أن إذا طلقتها سيعتلي أحد ليتزوجها ويبتلى بها. وإن كان هذا الكلام غير صحيح، لكن هذا لعله من صبره. لكن هنا في هذا الحديث يدل على أنه يخاف أن الرجل يتشاءم بها، فيجعل كل سبب في نفسه، أو مثلا في ضياع شيء من دينه أو في غيره، فيجعله على المرأة، فيجعل شؤم كل شيء عليه يجعله على المرأة. فلهذا ذكر الإمام البخاري هذا الحديث في هذا الباب: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء». وأول فتنة على بني إسرائيل كانت في النساء، كما جاء في حديث بسعيد: «إن المال حلو خضر، أو قال: الدنيا حلوة خضرة، وأن الله مستخلفكم فيها، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». وذكر النبي صلى الله عليه وسلم تلك القصة التي حصلت من بعض نساء بني إسرائيل التي كانت تجعل عطرا أو طيبا حتى يفوح ويريه الرجال. فأول فتنة كانت في بني إسرائيل، أي فتنتهم في الشهوات هي فتنة النساء. وأيضا كما قلنا تدخل في قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.