الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 30، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض هذا المحور الخلاف الفقهي في مدة الرضاع المحرمة مرجحاً قول الجمهور بسنتين استناداً لآية الحولين، ويناقش حديث عائشة رضي الله عنها الذي ينص على أن الرضاع المحرم ما كان من المجاعة في الصغر دون الحولين.
يبين المحور شروط تحقق التحريم بالرضاعة وهي خمس رضعات معلومات في الحولين، مع تعريف حد الرضعة الواحدة بترك الصبي الثدي باختياره، مؤكداً أن الرضاع بعد الحولين لا تأثير له.
يناقش المحور تعارض حديث سهلة بنت سهيل في إرضاع الكبير سالم مع أحاديث حصر التحريم بالرضاع في الحولين، مستعرضاً أقوال العلماء بين النسخ والخصوصية وتوجيه شيخ الإسلام ابن تيمية.
يقرر المحور أن الأصل في الرضاعة عدم التأثير في التحريم إلا في حالة خاصة وهي تربي الشخص في البيت وعدم وجود مسكن سواه، فيجتمع دليل النبي صلى الله عليه وسلم ويكون للرضاعة تأثير حينها فقط.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب من قال لا رضاعة بعد حولين»، لقول تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، وما يحرم من قليل الرضاع وكثيره. وهنا ذكر المؤلف رحمه الله في هذا الباب: باب إلى أي مدة يكون الرضاع، أو هل الرضاع له مدة معينة؟ فذكر أنه قال: «باب من قال لا رضاعة بعد حولين»، وهذا قول جمهور العلماء، لقول تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. معناه: يرضعن أولادهن حولين كاملين إذا أراد أن يتم الرضاعة. وهناك من العلماء من قال: مدة الرضاعة ثلاثون شهراً، وهذا قول الحنفية، استدلوا بقول الله عز وجل: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. لكن هنا ذكر الحمل وهو تسعة أشهر، والفصال سنتان، بمعنى ثلاثين شهراً. بمعنى: الحمل ستة أشهر، والرضاع سنتان، بمعنى: أقل الحمل ستة أشهر، سيكون ثلاثين شهراً. فهذه الآية على الصحيح، والذي جاء عن المفسرين، أنها بيّنت أقل مدة الحمل وأكثر مدة الرضاعة. وهناك من يقول: إنه لا مدة في تأثير الرضاعة، لكن الرضاعة تكون إلى الحولين، لكن مدة التحريم أو التأثير في الحرمة ليس له مدة معينة. لهذا قال: «وما يحرم من قليل الرضاع وكثيره». قال رحمه الله: حدثنا أبو الوليد، وأبو الوليد هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، وقد كان أحمد رحمه الله يثني عليه جداً. قال: حدثنا شعبة، عن الحجاج، عن أبي بشر الوراق العتقي، أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش عن رجال البصرة. قال: عن الأشعث، الأشعث بن سوار، عن أبيه، عن مسروق، ومسروق هو الكوفي، مسروق بن الأجدع، أبو عائشة الكوفي، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليها وعندها رجل، فكأنه تغير وجهه، كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي. فقال: «انظروا من إخوانكم، فإنما الرضاعة من المجاعة». وهذا الحديث فيه عدة مسائل. قلنا هنا أولاً: مسألة المدة، مدة الرضاع. الصحيح أن مدة الرضاع سنتين، لمن أراد أن يتم الرضاع، وبعدها لها للمرأة أن ترضع ولدها وتأكله، على ما تجعل. المراد بوقت الرضاعة هو أن تكون الرضاعة هي الأساس، لكن بعد الحولين ممكن أنها ترضع، لكن لا تجعلها الأساس، وإنما تأكله، أو أنها تفطمه، تفطمه بعد السنتين. وهذا هو قول الجمهور، كما قلنا، مخالفاً للحنفية. وأما مسألة التحريم: معنى لا يؤثر الرضاع بعد الحولين. استدل العلماء بهذا الحديث الذي ذكره المؤلف، وهو قول جمهور العلماء، أن الرضاع بعد الحولين لا يؤثر ولا يعتبر في المحرمية، لأن الرضاعة من المجاعة. لهذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة وجود هذا الرجل. قيل: إنه ابن أبي القعيس، وأبو القعيس قد أرضعته زوجته عائشة رضي الله عنها. وهنا النبي صلى الله عليه وسلم إنما أرادها أن تنتبه فقط، وإلا فقد أقرها في الحديث الذي تقدم، أقرها صلى الله عليه وسلم أن أخا أبي القعيس يعتبر عمه. وبعضهم يقول: إنه عبد الله بن يزيد، وهذا خطأ، لأن عبد الله بن يزيد ليس من الصحابة، إنما هو من التابعين. وقد يكون أيضاً الطفيل، أيضاً الطفيل من صغار التابعين، وهو أخو عائشة، لكن أخوها من أمها، عبد الله، الطفيل بن أم رومان. طيب، قال أيضاً في هذا الحديث: كما قلنا فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «انظروا من إخوانكم، فإنما الرضاعة من المجاعة». معنى: الواحد يتأكد، يتأكد في هذه المسألة، لأنها فيها أحكام، وتبنى عليها أحكام من الدخول والخلوة وغيرها، أيضاً السفر. فإن كان هو من قد رضع مع هذه المرأة، فهذا يعتبر محرماً له. وقد فصلنا في الدرس الذي مضى تأثير المحرمية. واختلف في تحديد الرضاعة الذي يحرم. أيضاً هذا الباب ينبغي أن يضبط: أن هذه المرأة التي أرضعت هذا الطفل مثلاً، كم أرضعته؟ هل أرضعته رضعة أو رضعتين أو أكثر؟ والصحيح من أقوال العلماء: أن الذي يحرم هو خمس رضعات، كما قالت عائشة: «مات النبي عليه الصلاة والسلام، وهن فيما يُتلى من القرآن، كنّ عشراً، ثم نُسخن إلى خمس، ومات النبي صلى الله عليه وسلم، وهن فيما يُتلى من القرآن». وهذا كما قلنا هو الصحيح. المعتبر في حد الرضعة: أن يترك الصبي الثدي باختياره، أن يترك الصبي الثدي باختياره. أما إذا كان هناك عارض، فيعتبر بعد مثلاً: عارض، عطس ففط هذا الثدي، أو صاح، يعني يصيح، ففط هذا الثدي، أو مثلاً جاءه صوت أفزعه. المهم: إذا كان هناك عارض، فهذا العارض لا يعتبر به. فإذا أكمل بعد العارض، يحسب له تابعاً تابعاً للرضعة. معناه: لقبل العارض، حتى يفكه باختياره، حتى يفك هذا الثدي باختياره. فإذا فكه باختياره، تعتبر رضعة. وهل يشترط الإشباع؟ هذا الغالب أنه ما يعرف: هل أشبعته هذه الرضعة أو لم تشبع؟ لكن الغالب أن هذه الرضعة الواحدة، حتى يفكه، غالبا تشبع، تشبع ذلك الطفل. لكن الحد في ذلك: أنه لا يفك هذا الثدي إلا باختياره. فكه باختياره، فتعتبر رضعة. أيضاً المسألة الأخرى: وهي مسألة حد الرضاع، أو ما يؤثر به الرضاع. فقلنا: أن الجمهور قالوا بأنه لا يؤثر إلا ما كان في الحولين، لا يؤثر إلا ما كان في الحولين. وهذا الحديث: «إنما الرضاعة من المجاعة»، المراد به: أي أن الرضاع لا يكون إلا إذا كان أثر على هذا الطفل. أما إذا كان الطفل يأكل ويشرب، وهذا الرضاع فقط ليس من الوجبة الأساسية، فإنها لا تقوم. معنى: لو شربها ما ستغني عنه من الجوع. لو مثلاً شرب لبن أمه وهو كبير فوق الحولين، ما سيؤثر فيه هذا، ولا يسد مجاعته. لهذا المراد من هذا: أن هذه الرضاعة تسد مجاعة هذا الطفل. «فإنما الرضاعة من المجاعة»: إذا كان هذا الطفل يشبعه اللبن، فهذا الذي يؤثر. وهذا غالباً ما يؤثر عليه اللبن إلا في الحولين. أما بعد الحولين، فغالباً اللبن ما يؤثر في إشباعه، أنا سيشرب وسيصيح، لأنه لا يسد رمقه، ولا يسد جوعته. لهذا قال: «فإنما الرضاعة من المجاعة». وكذلك أيضاً جاءت أحاديث تؤيد هذا الحديث. منها حديث أم سلمة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنما الرضاعة ما فتق الأمعاء، وكان في الحولين». «إنما الرضاعة ما فتق الأمعاء، وكان في الحولين». فهذه الرضاعة التي تؤثر. وجاء أيضاً نحوه من حديث ابن عباس، وهو حديث حسن. وكذلك حديث أم سلمة، جاء بلفظ: «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء، وكان دون الحولين». وهذا الحديث حديث حسن. بخلاف من ضعفه، مثل ما جاء عن ابن حزم، أنه قال: ضعيف، لأن فاطمة، أو زينب بنت أبي سلمة، لم تسمع من أم سلمة، أو أقصد فاطمة بنت المنذر، قال: أنها لم تسمع من أم سلمة، لأن أم سلمة توفيت في سنة تسع وخمسين. وهذا خطأ من ابن حزم، إنما اعتمد فيها على الواقدي. والصحيح: أن أم سلمة جلست إلى وقعة الحرة، وقعة الحرة التي وقعت في المدينة عندما أرسل يزيد بن معاوية جيشه إلى المدينة، ووقعت تلك التي سميت وقعة الحرة. وهذه الوقعة كانت في سنة أربع وستين للهجرة. معنى: أن أم سلمة في ذلك الوقت لا زالت حية، لهذا سمعت منها فاطمة. فصحيح أن الحديث حسن. ويؤيده حديث ابن مسعود، وابن عباس. جاء عن ابن مسعود موقوفاً ومرفوعاً، وجاء عن ابن عباس مرفوعاً، إسناد لا بأس به، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم». وجاء في حديث ابن عباس: «وكان في الحولين». فكل هذه الأحاديث تدل على أن الرضاع المؤثر ما كان في الحولين، وما بعد الحولين لا يؤثر. لكن المشكل: ما جاء في حديث عائشة، لما جاءت سهلة بنت سهيل، زوجة أبي حذيفة، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. لما أنزل الله عز وجل أن قول الله عز وجل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. أنا كان أبو حذيفة متبنياً لسالم، سالم مولى أبي حذيفة، المقرئ المشهور من الصحابة، الذين حفظوا القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وكان قد تبناه أبو حذيفة، أنا جعله ابنه. لكن أنزل الله عز وجل النهي عن ذلك، وقال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾. أنا يقول: مولى فلان، ما يقال: ابن فلان. لهذا قيل: زيد بن حارثة مولى رسول الله، وإلا كان يقال له: زيد بن محمد صلى الله عليه وسلم. فلما نزلت هذه الآية، كان سالم يدخل على سهلة، زوجة أبي حذيفة، فأنكرت ذلك في وجه أبي حذيفة. أنا أنكر هذا، أنا هذا يدخل، وهو وإن كان قد رباه، وقد ربته هي، أن تربى عندهم في بيتهم، لكن ليس له محرم. لهذا قالت: يا رسول الله، رسول الله قال: «أرضعيه تحرمي عليه». فقال لها: «أرضعيه تحرمي عليه». فهذا الحديث أشكل على الحديث الذي تقدمه. هذا الحديث الذي ذكره المؤلف: «إنما الرضاعة من المجاعة»، وكذلك حديث أم سلمة الذي في الترمذي، وكذلك حديث ابن مسعود، وابن عباس، وغيرهم، في أن الذي يؤثر هو ما دون الحولين، وما بعد الحولين لا يؤثر. فاختلفت مشارب العلماء في تفسير هذا الحديث، والجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى. فمن قائل: أنه هذا ناسخ لتلك الأحاديث، أن هذا ناسخ لتلك الأحاديث، وأن اللبن يحرم ولو كان رجلاً. فإذا رضع من المرأة، فإنها تحرم. وهذا جاء عن عائشة رضي الله عنها، وهو قول الظاهرية، قال ابن حزم وغيره. لهذا يقولون مثلاً: من رضع من امرأته تحرم عليه، يقولون: من رضع من امرأته تحرم عليه امرأته، أنا ما يجد له بعد ذلك أن يأتيها، لأنها أمه من الرضاع. ومذهب الجمهور في هذا الحديث: قالوا: أنه هذا خاص بسالم، أن هذا خاص بسالم مولى أبي حذيفة، وليس عاماً. وهذا يحتاج لدليل على الخصوصية. لكن توجيه شيخ الإسلام، أفضل وجهه شيخ الإسلام، بأنه: هذه الحالة خاصة بسالم، ومن كان مثل حالته. بمعنى: بسالم، ومن كان مثل حالته، فيجوز المرأة ترضع هذا الولد، حتى لأنه ليس له مكان إلا هذا البيت. أين سيذهب؟ معنى: تربى وهو صغير عندهم، ما يعرف أحد، ما يعرف أمه إلا هذه المرأة التي ربته، وأباه هذا الرجل زوجها. فكيف، أين يذهب؟ لهذا قال شيخ الإسلام: أن من كان مثل حالة سالم، فإنه يجوز أن ترضعه هذه المرأة، ويكون هذا الحليب مؤثر. وبعضهم من العلماء يقول: معصرين، الأفضل أنها لا ترضعه مباشرة، وإنما تعطيه مثلاً في كأس، أو في إناء، في كأس تضع حليبها فيه، ويشربه. هذا أيضاً يعتبر مؤثراً عند جمهور أهل العلم. وهذا يسمونه: الوجور والصعود. والوجور والصعود: هو ما يدخل من الأنف، الدواء الذي يدخل من الأنف يسمى صعوداً، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم في القصة: «الهندي يستعط بها، يستعط بها الرجل، فهي شفاء من سبعة أمرار، منها ذات الجنب». استعط: معنى يضعها في الأنف. والوجور: ما يشرب، الدواء الذي يشرب من الفم يسمى وجوراً. فقال العلماء: أنه إذا كان هذا الحليب شربه وجوراً، معنى: من فمه، ولم يرضع، قالوا: أنه أيضاً يؤثر. قالوا: أنه يؤثر، لأن الحليب نفسه، وهذا أولى. إذا كان هكذا، أنها تضعه له في كأس فيشربه. وهذا كما قلنا: إذا كان هذا الشخص قد تربى عنده، وليس له مسكن إلا ذلك المسكن، فهذا يجمع بين هذه الأحاديث، فيكون الأصل: أن الرضاعة لا تؤثر، إلا خاصة بمن كانت هذه حالته، فيكون لها تأثير، بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، هذا ما يذكر، والله تعالى أعلم. آمل الشكر.