الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع أن هبة المرأة نفسها لرجل دون مهر أو بلفظ الهبة باطلة ولا تصح إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، مستدلاً بقصة خولة بنت حكيم وآيات الأحزاب التي خصت النبي بهذا الحكم. وتعقيب عائشة رضي الله عنها بقولها: "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك" يؤكد خصوصية هذا الحكم.
يؤكد المقطع أن هبة خولة بنت حكيم نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم كانت خصوصية له وحده بإذن قرآني، ولا يقاس عليها غيره. ويبين أن المرأة لا تصح تزويجها نفسها بلا ولي، مستدلاً بالحديث: «لا نكاح إلا بولي»، مع تفصيل قول الجمهور ومخالفة الحنفية.
يشدد المقطع على أن النكاح باطل بلا ولي مستنداً إلى حديث عائشة، ويوضح أن المرأة لا تعقد زواجها بنفسها حتى لو كانت ثيباً كبيرة، بل لا بد من ولي يتولى العقد. كما يفصل أحكام الإذن: سكوت البكر رضا، والثيب لا بد من نطقها بالرضا.
يوضح المقطع أن الخطبة قد تتم مباشرة أو عبر وسيط كأخت أو أم، ويجوز للمرأة أن تطلب من أبيها تزويجها بمن رضيت به. ويؤكد أن العقد الذي يتم دون ولي (العقد العرفي) باطل شرعاً ولا يعتد به.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد؟». «هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد»؛ أي: أن تقول: «وهبت نفسي لك»، فلا تكون زوجة له، تزوج نفسها لأحد. وهذه المسألة لها صورتان: إما مجرد الهبة من غير ذكر مهر، بمعنى: تقول المرأة للرجل: «وهبت نفسي لك» من غير ذكر المهر، فهذه باطلة؛ هذا عقد يعتبر باطلاً؛ لأنه لا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها. والصورة الثانية: أن يكون العقد بلفظ الهبة، أي: تقول له: «عقدت» أو «وهبت نفسي لك زوجة»، أيضاً. وإذا اشترطت أنه لا مهر، أيضاً لم يصح النكاح؛ لأن هذه الهبة لم يجزها ربنا جل وعلا لأحد إلا للنبي عليه الصلاة والسلام. النبي عليه الصلاة والسلام أجاز الله عز وجل له أن تهب المرأة نفسها له، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله البخاري: حدثنا محمد بن سلام، وهو البيكندي البخاري، قال: حدثنا ابن فضيل، وهو محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي، قال: حدثنا هشام، وهو ابن عروة بن الزبير الأسدي، قال: عن أبيه، وهو عروة بن الزبير، قال: كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهن للنبي عليه الصلاة والسلام. فقالت عائشة: «أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل؟»؛ أي: كيف تهب نفسها للرجل؟ وتقول: «أنا لك» أو «وهبت نفسي لك». فتقول عائشة: «أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل؟». فلما نزلت: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، قال: حتى قال الله عز وجل: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، أو قال: ﴿وَامْرَأَةً وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فهذه أجازها الله عز وجل، أجازها الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام. فقالت عائشة: «ما أرى ربك إلا يسارع في هواك». قالت: «ما أرى ربك إلا يسارع في هواك». «في هواك»: أي: ما تهواه وما تحبه. وهذه كلمة عظيمة من هذه المرأة الفقيهة، تبين أن الله عز وجل يحب نبيه عليه الصلاة والسلام. وهذا مصداق قول الله جل وعلا: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى: ٥]؛ أي: سوف يعطيك ربك جل وعلا حتى يرضيك، من أمور الدنيا، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾ [الضحى: ٤]، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾. فلذلك قالت عائشة رضي الله عنها: «ما أرى ربك إلا يسارع في هواك». قال: رواه أبو سعيد المؤدب، ومحمد بن إسحاق، وعبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، يزيد بعضهم على بعض. فهذه المسألة: ذكرت عائشة أن خولة بنت حكيم كانت ممن وهبن أنفسهن للنبي عليه الصلاة والسلام. وهذه خولة بنت حكيم هي سلمية أنصارية، كانت زوجة عثمان بن مظعون، فمات رضي الله تعالى عنه، وهي من السابقات إلى الإسلام. فقالت خولة بنت حكيم: «من اللائي وهبن أنفسهن للنبي عليه الصلاة والسلام». لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوجها. كأن لما أجاز الله عز وجل هذا الأمر لنبيه: ﴿وَامْرَأَةً وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، فلما أجاز الله عز وجل هذا للنبي، تقدمت كثير من النساء، حتى كانت عائشة تغار على ذلك، كما جاء في بعض الروايات، فقالت: «كنت أغار من اللائي وهبن أنفسهن». وهذا كما قال الحافظ: يشعر بتعدد الواهبات، ومنهن خولة بنت حكيم رضي الله تعالى عنها. وهذا لحرصهن على البقاء مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو ملازمة النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا كما قلنا: إنما جعله الله عز وجل لنبيه، وإلا المرأة لا يجوز أن تزوج نفسها، وإنما لا بد من ولي. لا بد من ولي. بخلاف مذاهب بعض العلماء كالحنفية، يجيزونه مع مهر المثل وبإذن الولي، حتى لو كان بعد العقد؛ يقولون: فقط له الإذن، وليس أنه لا بد أن يرضى. والجمهور: أن رضا الولي شرط، أن يرضى بهذا الزواج، وهو الذي يعقد. الولي هو الذي يعقد هذا الزواج مع من أراد الزواج، أي العريس. فلذلك: فلا يصح الزواج بلا ولي، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح إلا بولي»، «لا نكاح إلا بولي». فالمرأة لا يجوز لها أن تزوج نفسها، فإن زوجت نفسها فعقدها باطل، إن زوجت نفسها فعقدها باطل. وأما أن تهب نفسها: فهذا كما قلنا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام. وإن تزوجت بلفظ الهبة، تزوجت بلفظ الهبة، فإن كانت النية هي الزواج، فهذا لا بد من مهر. مثلاً: لو قال الولي: «وهبت لك ابنتي»، «وهبت لك ابنتي»، وأراد أن يزوجك إياها، فهذا جائز، فهذا جائز. أما أنه مثلاً تأتي المرأة وتقول: «وهبت نفسي لك، أني زوجة لك»، فهذا لا بد من ولي، لا بد من ولي يقيم هذا العقد، وإلا كان العقد باطلاً. وهذا الذي يقوله الآن الناس: ما يسمى بالعقد العرفي، أو العقد المدني، وهذا حاصل في بعض البلاد كمصر وغيرها، وهو عقد باطل، وهو عقد باطل. وإن مثلاً قالوا: أنه على مذهب الحنفية، لأن هذه العقود الغالب التي تحصل: العقد العرفي لا يعلم به الولي أبداً، فعن المرأة تعقد مع الرجل، يعقد لها المأذون بلا ولي، ويأتيها هذا الرجل غالباً في السر، غالباً يأتيها في السر بلا معرفة أوليائها أو وليها. فهذا ليس صحيحاً، وهو عقد باطل. قد جاء في السنن عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير ولي فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل». فلا يجوز أن المرأة تزوج نفسها، لا بد من ولي، لا بد من ولي يعقد لها. معنى هذا: العقود ليست هي التي تعقد نفسها، ولو كانت كبيرة، ولو كانت كبيرة امرأة كبيرة. وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: «البكر تستأذن، والثيب تستأمر»، ليس المراد أنها تزوج نفسها. نعم، تزوج نفسها: أنها مثلاً ترضى، تقول: «أريد فلان ولا أريد فلان». لكن أنها هي التي تقول مثلاً: تعقد العقد مع هذا الرجل الذي يريد الزواج منها، فهذا باطل، فهذا باطل. وإنما المراد: أنها لا بد أن تستأمر، أن يأتي الولي عندها ويقول لها: «هل ترضين بهذا الشخص؟» فإن رضيت، فإن قالت: «نعم، رضيت»، فيكون العقد بعد ذلك. وإن لم ترضَ، فالعقد غير صحيح، مثلاً، أو سكتت، أيضاً العقد غير صحيح. لا بد أن تتكلم: إما أن ترضى، وإما أن لا ترضى. وأما البكر: فسكوتها أو صماتها رضاها. حتى لو سكتت البكر، لو سكتت، قيل لها: «فلان يريد أن يتزوجك»، أو «ابن عمك مثلاً يريد أن يتزوج منك»، فسكت، فهذا يعتبر رضا. هذا السكوت يعتبر رضا في البكر. أما في الثيب: لا بد أن تتكلم، تقول: «راضية» أو «ليست براضية». فهذا معنى الحديث. وأما كما قلنا: أنها تزوج نفسها، فهذا لا يجوز، لا بد أن يكون هناك ولي، لا بد أن يكون هناك ولي. ممكن مثلاً: أنها يأتيها الخاطب ويقول لها: «أريد أن أتزوجك، هل ترضين بي؟» فتقول: «نعم». لكن لا يجوز أن يكون هذا العقد، لا بد أن يكون العقد بينه وبين الولي. العقد يكون بينه وبين الولي. يتكلم وليها، أن فلاناً يريدها، فيعقد بينه الولي، يعقد بينه وبين هذا الرجل الذي يريد أن يتزوج ابنته أو أخته أو غير ذلك. مثل ما جاء في حديث أم سلمة: أنها قالت لابنها عمر: «يا عمر، قم فزوج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». فلا بأس أن المرأة الثيب الكبيرة تقول لأبيها: «زوجني فلان»، «زوجني فلان»، حتى لو بعد ما تتفق معه، قل له: «يا أبتي، أريد أن أتزوج فلان، قد تقدم لي وطلبني». معنى: إما بمباشرة، وإن كان هذا الأفضل لا يحصل، لكن، أو مثلاً بواسطة: أرسل إليها أخته، أو أرسل إليها أمه، أو كذا، فكلمتها فرضيت. فلها أن تقول لأبيها: «فلان تقدم لي وأنا راضية، فزوجني إياه»، أو «فزوجني إياها». فهذا معنى أمر جائز. وأما كما قلنا: أن يحصل ذلك بغير ولي، كما يسمى الآن بالعقد العرفي، فهذا عقد باطل، والله تعالى أعلم.