الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح رغبة في الزواج، مستدلاً بحديث المرأة التي عرضت نفسها على النبي ﷺ ورد فعل بنت أنس، ومبيناً أن ذلك ليس نقصاً في الحياء بل طلب للزوج الصالح. كما يذكر سند الحديث عبر علي بن عبد الله ومرحوم بن عبد العزيز وثابت البناني.
يوضح المقطع جواز سعي المرأة أو وليها لخطبة رجل صالح، ويحذر من الزواج للمال أو الحسب بدلاً من الدين، مستشهداً بقصة ابن أخي سفيان بن عيينة وقصة عمر مع أزواج النبي ﷺ في طلب النفقة. ويبين أن المرأة الصالحة تصبر على زوجها في العسر واليسر.
يروي المقطع قصة نزول آية التخيير في نساء النبي ﷺ، وكيف اخترن جميعاً الله ورسوله والدار الآخرة على متاع الدنيا، مستدلاً بذلك على تقديم الدين والخلق في الزواج على المال والجاه. كما يؤكد جواز عرض المرأة نفسها على من ترضى دينه وخلقه.
يختتم المتحدث الدرس بتلخيص ما يستفاد من الحديث من أحكام وآداب في الزواج، ويذكر أن الترجمة المعتمدة في الدرس هي من إنجاز نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله: إمام البخاري، باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح. باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح. وهذا من فقه الإمام البخاري رحمه الله، لما ذكر أن هبة المرأة للرجل هذا من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، وإن امرأة وإن وهبت نفسها أو قال: إن وهبت نفسها للنبي، إن أراد النبي أن يستنكحها، ﴿ خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، فبيّن الله عز وجل أن هذا خالصة للنبي عليه الصلاة والسلام. أن المرأة تهب نفسها للرجل، لكن هناك ما هو جائز، هناك ما هو جائز للمرأة وهي أن تعرض نفسها على الرجل الصالح، تعرض نفسها على الرجل الصالح، فهذا جائز، وسيذكر المؤلف رحمه الله الدليل على هذا. قال: باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح على رغبة في صلاح. قال: حدثنا علي بن عبد الله، وهو الإمام الجَهْبَذ علي بن عبد الله بن جعفر بن المديني، أبو الحسن، الحافظ الكبير، الذي كان يلقب بحية الوادي لمعرفته لعلل الحديث، كما أن حية الوادي تعرف منافذ وشقوق الوادي، فكذلك كان علي رحمة الله عليه في الحديث. كان البخاري على علمه وعلى معرفته يقول: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن عبد الله، يقول: ما استصغرت نفسي، عرفت أن بضاعتي قليلة عندما أرى كلام علي بن عبد الله في الحديث. قال: حدثنا مرحوم، مرحوم هذا ابن عبد العزيز بن مهران، وهو مصري. قال: قال: سمعت ثابتنا البناني، ثابت بن أسلم البناني، كان من رُهْبان أهل البصرة وعبادهم، وأيضا علمائهم، لازم أنساً سنين كثيرة. قال: سمعت ثابتنا البناني قال: كنت عند أنس، وعنده ابنة له، يعني من بناته، يقول الشيخ، يقول الحافظ: وعنده ابنة له، قال: لم أعرف، لم أقف على اسمها، وأظنها أمينة بالتصغير. قال أنس: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول الله، ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها، وسوأتاه، وسوأتاه، لما قالت: تعرض نفسها على رسول الله، فقالت هذه البنت: ما أقل حياء، وسوأتاه. فقال أنس: هي خير منك، رغبت في النبي عليه الصلاة والسلام فعرضت عليه نفسها، فعرضت عليه نفسها. وهذا لكمال عقلها، وليس هذا يخدش في حيائها، بل المرأة تحتاج إلى الزوج الصالح والرجل الصالح، وخاصة إذا قل الصالحون. فهذه المرأة عرضت نفسها للنبي عليه الصلاة والسلام، وقد يكون أيضا الولي الذي يعرض أيضا ابنته، كما سيأتي في قصة عمر حين تَعَيَّمَت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، تَعَيَّمَت أي مات زوجها، فعرضها النبي، فعرضها عمر إلى بعض الصالحين. وهذا كله يدل على جواز عرض المرأة نفسها أو يعرضها وليها لكي تتزوج أحد الصالحين. أحيانا بعض النساء ما يتقدم لها إلا بعض من إما في دينه شيء أو في خلقه شيء، فتجد أنها ترفض، وهي تريد أن يتزوجها رجل صالح من طلبة العلم أو من الصالحين، ممن عرف بالصلاح وعرف بالاستقامة، وعرف أيضا أنه يعتاد المسجد ويصلي الصلوات. وهذا يوجد في بعض المجتمعات، حتى في بعض المجتمعات المسلمة تجد أنه عزيز، يعني في بعض حتى في بعض المجتمعات المسلمة تجد أن هذا عزيز، معناها قل أن يوجد الرجل الذي يحافظ على صلاة، فضلا أن يكون طالب علم، فضلا أن يكون أيضا ممن عرف بالصلاح في دينه وخلقه. فلهذا فالمرأة الصالحة تبحث عن هذا الرجل الصالح، فكم من امرأة وفقها الله عز وجل لأنها تريد زوجا صالحا، وكم من امرأة تريد المال فلم توفق. ولهذا لما جاء ابن أخي سفيان بن عيينة إلى عمه وقال له: إن امرأتي تفعل وتفعل، قال: لعلك تزوجتها لأجل المال، لأجل مالها، ما تزوجتها لأجل صلاحها، ثم حكى له أن عمه فلان تزوج لأجل المال فطلق امرأته، وفلان أيضا عمه فلان تزوج لأجل الحسب، ثم قال له: وإني تزوجت لأجل الدين، تزوجت امرأة صالحة، فانظر كيف صبرت معي، كيف هي معي على قلة، جلست وصبرت، لأن المرأة الصالحة أعظم ما فيها أنها تصبر، تصبر على زوجها، سواء كان بقلة ماله أو بكثرته. ولهذا أزواج النبي عليه الصلاة والسلام صبرن على عدم النفقة، أحيانا ما يجدون نفقة، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قالت امرأة لعمر، أي من زوجته، قال لها: أقالت: أريد كذا وأريد كذا، فقال: ما كنا نعرف هذا. عمر يقول: ما كنا نعرف هذا في أزواجنا، أنها تقول كذا وتقول كذا، افعل لي كذا. فقالت: يا عمر، أنت ما تريد إلا كلامك. قال: أتعارضينني؟ فقالت له: انظر عيبتك، فإنها تعارض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنا أنظر إلى ابنتك، فإنهن أيضا يعارضن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهب عمر رضي الله عنه، فوجد عائشة، فقال: يا عائشة، أتعارضن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تخافين؟ فقالت: ما لي ولك يا ابن الخطاب؟ معك عيبتك، اذهب إليها، ابنتك، كلم ابنتك، لا تكلمني. فذهب إلى حفصة، وقال لها: وقال لها: تعارضين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم. قال: لا تخافين الله، أن الله عز وجل يغضب لنبيه. ثم قال عمر: ﴿ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ﴾. ثم دخل عمر وأبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لهم: يا رسول الله، أزواجك يعارضنك. فقال: إنهن يسألننا النفقة، يردن نفقة، يردن أن ننفق عليهم، وليس عندنا ما ننفق عليهم. فقال عمر: فأخذ أبو بكر عائشة، عائشة برقبتها، وقال لها: لا تسألي، لا تعارض رسول الله صلى الله عليه وسلم في النفقة، فإن شئتِ فاسأليني، إذا كان ما عندك شيء فاسأليني. وهكذا أيضا عمر أخذ حفصة وقال لها هذا الكلام. ثم أنزل الله عز وجل على نبيه آية التخيير، فخيّرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾. فقام النبي عليه الصلاة والسلام وخير نساءه، وبدأ بعائشة، وقال لها: يا عائشة، إني طارح عليك كلاما، فلا تستعجلي بالجواب، وإن شئتِ أن تشاوري أبويك. فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: إن شئتِ تذهبين إلى بيت أهلك وأعطيك متاعا وتذهبين، وإن شئتِ وإن كنت تريدين الله ورسوله والدار الآخرة فاصبري، فإن الله عنده للمحسنات والصابرات أجرا عظيما. فقالت عائشة رضي الله عنها: والله لا أستشير أبوي، إني لا أختار أحدا غيره. ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام دار على نسائه وخيرهن، فاخترنه، فاخترنه كلهن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل: أن امرأة من نسائه اختارت أنها تطلق ولا تصبر على عدم النفقة أو قلة النفقة، لكن هذا ليس صحيحا، ما جاء بإسناد صحيح، وأنها بعد ذلك ندمت، قالت: يا ليت أني صبرت على ما صبر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن جاء بإسناد ضعيف. فنساء النبي عليه الصلاة والسلام كلهن اخترن رسول الله، صلوات الله وسلام عليه. فلهذا فإن الرجل قد يكون مثلا عنده الفقر وعنده كذا، هذا لا يجعل المرأة أنها تختار فقط المال، أو تختار العمل، أو تختار الوظيفة، أو تختار كذا، فاختيار الدين أعظم شيء. النبي عليه الصلاة والسلام في حديث معقل بن يسار، وجاء أيضا من حديث ابن عباس وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: « من أتاكم ترضون دينه وخلقه فزوجوه ». وجاء في سنن أبي داود عن أبي هريرة: « من أتاكم ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن في الأرض فتنة وفساد عريض ». إذا لم تفعلوا هذا ورضيتم بالفاسق، فهذا دمار للأسرة، فإذا تدمرت الأسرة معناه هذا تدمر للمجتمع. فلهذا الذي ينبغي المرأة أنها تختار، وإن عرضت نفسها لا بأس، وإن عرضت نفسها على الرجل لا بأس. وأما قول ابنة أنس هنا: وسوأتاه، ما أقل حياؤها، وسوأتاه، وسوأتاه، معناه: هذه كلمة تطلق، الأصل السوأتان هي الفرج، لكن يطلقون هذه العبارة يريدون بها الفضيحة، معناه: كأنها فضحت، ما هذه الفضيحة، تعرض نفسها على رجل. لكن قال لها أنس: هي خير منك، رغبت في النبي عليه الصلاة والسلام فعرضت عليه نفسها. ففيه كما قلنا جواز عرض المرأة نفسها على الرجل، وتعرفه رغبتها فيه، ولا حرج عليها في ذلك. طيب، فهذا إن شاء الله ما يؤخذ من هذا الحديث، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر