الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 37، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الشيخ بذكر حديث ابن عباس في زواج النبي ﷺ بميمونة وهو محرم، ويعرض تعارضه الظاهري مع نهي عثمان عن نكاح المحرم. ثم يبين اختلاف العلماء في توجيه الحديثين وموقف كل من أبي ثور وأحمد بن حنبل من هذه المسألة.
يناقش المقطع اختلاف الرواة في كون النبي ﷺ محرمًا أم حلالًا عند زواجه ميمونة، فيذكر قول ابن عباس بأنه كان محرمًا وقول ميمونة بأنها تزوجته حلالًا. ويستعرض تأويلات العلماء لهذا الاختلاف كصغر سن ابن عباس أو وهمه، أو ظنه أن تقليد الهدي يوجب الإحرام مع بيان بطلان هذا الظن.
يقرر المقطع حرمة النكاح والتزويج والخطبة على المحرم لتفرغه للعبادة، ثم يناقش واقعة زواج النبي ﷺ بميمونة مرجحًا أنها تمت بعد التحلل. ويستدل على ذلك بتقليده ﷺ الهدي وإرساله إلى الحرم دون إحرام، مؤكدًا أن الخصوصية للنبي تثبت بالدليل لا بالدعوى.
يختم المقطع بتلخيص النهي الوارد في حديث عثمان بن عفان عن عقد النكاح أو الإنكاح للمحرم، وكذلك النهي عن الخطبة أو التخاطب. ويؤكد أن هذا النهي هو ملخص ما جاء في الحديث النبوي الشريف في هذا الباب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب نكاح المحرم، باب نكاح المحرم على المحرم الذي أحرم بالحج، ما حكم نكاحه؟ قال رحمه الله: حدثنا مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا، قال: أخبرنا ابن عيينة، سفيان بن عيينة، أبو محمد، قال: حدثنا جابر بن زيد وهو أبو الشعثاء، قال: أنبأنا ابن عباس رضي الله عنهما قال: تزوج النبي عليه الصلاة والسلام وهو محرم. ورواه الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس قال: تزوج النبي عليه الصلاة والسلام ميمونة وهو محرم. وقال أيضاً: وبنى بها وهي حلال، أن تزوجه ومحرم، وبنى بها وهي حلال. لكن هذا الكلام وهم فيه العلماء ابن عباس، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد نهى عن ذلك، نهى المحرم أن يتزوج، كما جاء في حديث عثمان في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «المحرم لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب، ولا يزوج ولياً، ولا يخطب، حتى الخطبة لا يخطب». وهذا الحديث اختلف في توجيهه، وحديث ابن عباس اختلف في توجيهه على احتمالات وأنواع. وقد ذكر الأثرم رحمه الله أنه سأل أحمد عن هذه المسألة، وأن أبا ثور يقول: بأي شيء يدفع حديث ابن عباس؟ يعني يقول أبو ثور الكلاعي، وهو من فقهاء أصحاب الشافعي: بأي شيء تدفعون حديث ابن عباس وهو صحيح؟ فقال أحمد رحمه الله: الله المستعان، ابن المسيب يقول: واهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوجني وهو حلال. ميمونة وهي صاحبة القصة تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجني وهو حلال. فللهذا العلماء صرفوا هذا الحديث بعدة صوارف: إما أن ابن عباس كان صغيراً يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، ولم يعلم أنه قد تحلل، ولم يعلم أنه قد تحلل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة في مكة في حجة الوداع. وأيضاً كان العباس، أو أن ميمونة جعلت أمرها إلى العباس، فأنكحها إياه. وهذه ميمونة بنت الحارث، أخت لبابة بنت الحارث زوجة العباس بن عبد المطلب عم النبي عليه الصلاة والسلام، هذه أختها، خالة ابن عباس، وخالة أيضاً خالد بن الوليد. فكانت تقول: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم وهو حلال، وابن عباس يقول: وهو محرم. ولهذا كما قلنا تأول العلماء قول ابن عباس هذا: منهم من قال إن ابن عباس كان صغيراً، ومنهم من قال إنه وهم ابن عباس، ومنهم من قال إن ابن عباس كان يرى أن من قلد الهدي يصير محرماً، أن من قلد الهدي يصير محرماً. وهذا ليس صحيحاً، لأن من قلد الهدي قد يكون لا يزال حلالاً ثم بعد ذلك يحرم. وقد قلد النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عائشة في الصحيحين: قلد النبي صلى الله عليه وسلم هديه. قلده، معنى جعل له قلادة، جعل له في رقبته علامة على أنه هدي. فقلد النبي صلى الله عليه وسلم هديه وأرسله إلى الحرم، ولم يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم، كما قالت عائشة رضي الله عنها. فهذه كل الاعتبارات التي ذكرت وغيرها، فالصحيح أن المحرم لا ينكح. ومنهم من قال إن هذا خصوصية للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن الخصوصية تثبت بالدليل، تثبت بالدليل، بمعنى أنه يبين أنها خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام. فللهذا أيضاً جاء عن غير ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال. فللهذا الظاهر أن العباس وهم في هذا، أو أنه كما قال بعض العلماء: كان يرى تقليد الهدي يعتبر إحراماً. فصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بعدما حل. ولا يجوز للمحرم أن يتزوج، ولا يزوج، حتى لا يكون ولياً، فما بالك أنه يتزوج؟ لا يكون ولياً يزوج مثلاً ابنته أو يزوج أخته وكذا. ولا يخطب، حتى الخطبة لا تجوز للمحرم. ولأجل أن المحرم قد وهب نفسه لله عز وجل وهو في عبادة الله سبحانه وتعالى، فلا يجعل قلبه ينشغل بمثل هذه الأشياء التي قد تخرجه عن الانشغال بالطاعة والعبادة. فللهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عثمان قال: «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب ولا يخطب». فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.