كتاب النكاح من صحيح البخاري 47

كتاب النكاح من صحيح البخاري 47

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سبب نزول آية عدم العضل وقصة معقل بن يسار

يتناول المحور سبب نزول قوله تعالى ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ من خلال رواية البخاري عن معقل بن يسار الذي منع أخته من مراجعة مطلقها، فأمر النبي ﷺ بتزويجها إياه. وتؤكد الآية بطلان عضل الولي للمرأة عن الزواج بمن ترضاه بعد انقضاء عدتها، وتقر حقها في النكاح برضاها.

أحكام الرجعة في الطلاق الرجعي وحقوق الزوجين أثناء العدة

يبيّن المحور أن للزوج حق مراجعة زوجته في الطلاق الرجعي أثناء العدة دون اشتراط رضا الولي أو الزوجة، ولا يجوز للولي منعها من ذلك. كما يوضح أن الرجعة تصح بالقول أو بالفعل، وأن امتناع الزوجة عن الرجوع بلا عذر شرعي غير جائز، بينما ينحل العقد بانقضاء العدة فيجوز الزواج بعقد جديد.

ولاية النكاح وتأثير الولي في المنع والإجازة

يوضح المحور أن للمرأة حرمة العقد القائم فلا تُزوج على غيره، وأن الناشز تسقط نفقتها عند الجمهور لاشتراط الطاعة. كما يفصل في ولاية النكاح مبيناً أن للولي أثراً معتبراً في المنع والموافقة، فإذا منع الولي صح منعُه ولا يجوز النكاح بدونه مستدلاً بالكتاب والسنة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا أحمد بن أبي عمر. ظهر أنه ابن أبي خيثمة أو غيره، فهنا قال: جزم بعض المتأخرين أن أحمد بن أبي عمر هو أحمد بن أبي عمر السابوري قاضيها، بكنية "أبي عمر"، واسمه حفص بن عبد الله بن راشد. أحمد بن أبي عمر، كما ذكر الحافظ، أنه القاضي أحمد السابوري. قال: حدثني أبي، واسمه حفص، قال: حدثني إبراهيم، وهو ابن قهمان، إبراهيم قهمان عابد أهل البصرة. قال: عن يونس. يونس، يونس هذا إمام من أئمة أهل البصرة. من هو هذا يونس؟ إمام من أئمة أهل البصرة. قلنا: الأئمة بعد الحسن وابن سيرين في البصرة ثلاثة: أيوب، ونافع التميمي، بالسختيان، ويونس. وأيضًا ثالثهم: أيوب، ويونس، اللهم استعاذ. ومنهم أيضًا: سليمان التيمي، وابن عون عبد الله بن عون، أيوب السختياني أبو بكر، ويونس بن عبيد، يونس بن عبيد، وعبد الله بن عون. أولئك أئمة البصرة بعد الحسن وابن سيرين، وهم من تلاميذ الحسن وابن سيرين. لكن يونس أكثر يروي عن الحسن، وأيوب روايته عن ابن سيرين أكثر من روايته عن الحسن، وكذلك ابن عون روايته عن ابن سيرين أكثر من روايته عن الحسن، لكن يروي عن هؤلاء وعن هؤلاء، يروي عن الحسن وعن ابن سيرين. قال: حدثني إبراهيم قهمان عن يونس، وهو ابن عبيد، عن الحسن، وهو ابن أبي الحسن البصري، قال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. قال: حدثني معقل بن يسار. وهذا تصريح من الحسن، ابن الحسن في روايته عن معقل رضي الله تعالى عنه، قال: أنها نزلت فيه. قال: زوجت أخت لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشتك وأكرمتك، فطلقتها ثم جئت تخطبها. قال: والله لا تعود إليك أبدًا. وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: فقلت: الآن أفعل يا رسول الله. قال: فزوجها إياه. فهذا الحديث سبب نزول هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، أي: بلغن العدة، ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. معنى: زوجها الذي طلقها، إذا أرادت الرجوع إليه، فلا يجوز للولي أن يعضلها، أن يمنعها. لا يجوز للولي أن تمنعها هذه إذا انتهت عدتها. وهذا من الشيء العجيب الذي يدلك على أن كثيرًا من المسلمين بعيدون عن شرع الله جل وعلا. هذا إذا كان قد انتهت عدتها، فكيف إذا لم تنتهِ عدتها؟ الآن يطلق الرجل زوجته طلاقًا أولًا أو ثانيًا، ويريد أن يراجعها، تجد الولي يرفض. حتى أن المرأة تريد أن ترجع، لكن الولي يرفض، يقول: ما سأرجع أهلها. هذا ليس له حق، ليس له حق؛ لأن هذه زوجته، هذه زوجته لا تزال في عقد، يرجعها متى شاء. والله عز وجل نهى الأولياء عن المنع إذا كان قد انتهت عدتها. إذا انتهت عدتها انتهى العقد، فإذا أراد أن يتزوجها يتزوجها بعقد جديد ومهر جديد. فإذا أراد أن ترجع إليه، في هذا أيضًا الله عز وجل قال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. أن هذا إذا انتهت العدة وانتهى العقد، فإذا أرادت المرأة أن ترجع إليه لا يجوز للولي أن يمنعها؛ لأن غالبًا المرأة تريد أن ترجع إلى زوجها الذي قد طلقها وقد انتهت عدتها منها، لأجل أولادها، لأجل أولادها غالبًا. وحتى وإن لم يكن لأجل أولادها، فلا يجوز للولي، أرادت أن ترجع، أنه يمنعها. أما إذا لم تكن تريد أن ترجع، معنى: هي رافضة أيضًا، فهذا حقها، فهذا حقها لها أن ترفض؛ لأنها قد انتهت عدتها. وأما إن كانت لم تنتهِ العدة، فهي ليس لها أيضًا رضا، معنى: لا يجوز لها أنها ترفض من الرجوع إلا إذا كان هناك سبب. إذا كان هناك سبب، فلابد أن يحل هذا السبب، فإن لم تطلب الخلع منه وترجع إلى القاضي. أما أنها ترفض وتجلس في بيتها حتى تنتهي العدة، فهذا شيء عظيم. يعني: كثير من الناس، مثلًا، الرجل يطلق زوجته ثم يراجعها، فترفض هذه المرأة أن ترجع إلى زوجها، وتبقى في بيت أهلها. وزوجها هذا لم يطلقها مرة أخرى؛ لأنه قد راجعها، وجاء إلى بيته مثلًا يريد أن يرجعها، وهي لم ترجع، فهي لا تزال في عقد، ما خرجت من عقده؛ لأنه قد راجعها. فبعض الناس تجد أنهم يزوجون هذه المرأة زوجًا آخر، خلاص انتهت عدتها. لا، من انتهت عدتها هي لا تزال في عقده الأول؛ لأنه قد رجعها. إذا لم يرجعها، معنى: ليس أنه يرجعها مثلًا، لابد أنه يسحبها من بيتها، لا، حتى بالكلام يقول مثلًا: أرجعتك، خلاص، أنا ندمت على الطلاق هذا، وأنت إن شاء الله تعالى ترجعين للبيت. فهذا تعتبر رجع بالقول، أو جاء إلى البيت يريد أن يأخذها إلى بيت أهلها، يريد أن يأخذها إلى بيته، فرفض أهلها أو رفضت هي. فهنا بعض... كما قلنا، كثير من الناس يبقي هذه المرأة عنده، وإذا انتهت العدة وجاءها زوج آخر زوجها، وهذا لا يصح ولا يجوز؛ لأن هذه المرأة لا تزال في عدة ذاك الرجل، معنا في عقده، أقصد: لا تزال في عقد ذاك الرجل الأول، فلا يجوز أن يفسخ هذا النكاح، أو فلا يجوز أن تزوج حتى تنتهي من العقد الأول، حتى تنتهي من العقد الأول. إما أنها تخلع، ويدفعون مالًا له في مقابل الخلع، وإما أنه مثلًا يطلقها، يطلقها مرة أخرى ويتركها. أما إذا سكت ولم يطلقها، فهي لا تزال في عقده. أن هذه المرأة، هذه المسألة ينبغي الانتباه لها؛ لأن كثيرًا من الناس يغفلون، وتجد أنه يزوج امرأته أو يزوج ابنته رجلًا آخر، ويقولون مثلًا: أنه لا ينفق عليها، كيف تكون زوجته؟ لكن عدم الإنفاق عليها لأجل أنها هي التي نشزت. وعند جمهور العلماء أن الناشز ليس لها نفقة. أنا هو أراد أن يرجعها، لكن هي لم ترجع، فهي تعتبر ناشز، والناشز عند جمهور العلماء ليس لها نفقة. وإن كانت النفقة تكون لأولادها، إذا كان عندها أولاد يجب عليه أن ينفق على أولاده. أما الناشز فعند جمهور العلماء، خلافًا للظاهرية، يقولون: أنها ليس لها نفقة، ليس لها نفقة؛ لأنها هي التي نشزت عن الطاعة. وما دام أنها نشزت عن الطاعة، فالنفقة مترتبة على الطاعة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. قانتات: أي طائعات. فأخذ العلماء من هذه الآية أن المرأة إذا أطاعت زوجها ولم تنشز، فتستحق النفقة، وأما إذا نشزت فلا تستحق النفقة. فهذا معقل بن يسار يقول: نزلت في هذه الآية: كأزوجت أخت لي من رجل فطلقها، ثم قال: حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، أي: مرة أخرى، أنا يريد يتزوجها مرة أخرى. فقلت له: زوجتك وأفرشتك وأكرمتك، كأنه هو الذي قام بالزواج وقام بمؤنة الزواج، فأكرمتك، فطلقتها ثم جئت تخطبها. لا، والله لا تعود إليك أبدًا. فقال: وكان رجلًا لا بأس به، أن الطاهر يريد زوجها، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليك، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. فقال معقل رضي الله عنه: فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، امتثالًا لقول الله جل وعلا ووقوفًا عند كتاب الله جل وعلا. قال: فالآن أفعل يا رسول الله. قال: فزوجها إياه. فهذا سبب نزول هذه الآية، وفيها ما استدل به البخاري أن الولي له أثر، إلا إذا نهاه الشارع. فشرعنا: نهى الولي أن يمنع موليته أن تنكح زوجها الذي طلقها، وقد انتهت عدتها. فمعنى ذلك أن الولي له أثر، له أثر في المنع والموافقة. فإذا منع، فمنعه صحيح، منعه صحيح، ولا يجوز هذا النكاح إذا منع. معنى هذا: وجه الاستدلال بهذه الآية، وكذلك بهذا الحديث، والله تعالى أعلم. ونختم بهذا، سكر الله خير.