كتاب النكاح من صحيح البخاري 49

كتاب النكاح من صحيح البخاري 49

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 49، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام العدة للواتي لم يحضن وجواز نكاح الصغيرة

يشرح المقطع أحكام العدة للنساء وفق سورة الطلاق آية 4، مبيناً أن من لم تحض لصغر سنها عدتها ثلاثة أشهر. يستنبط الإمام البخاري من ذلك جواز تزويج الأب ابنته الصغيرة قبل البلوغ مع ذكر عادة بعض القبائل في ذلك.

تفصيل العدة للتي لم تحض وسن البلوغ

يبين المقطع أن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها، أما إذا دخل بها قبل الحيض فعدتها ثلاثة أشهر. يستدل بذلك على جواز زواج الصغيرة بشرط عدم الدخول إلا عند القدرة، وينقل عن عائشة أن البلوغ يكون بتسع سنين مع اختلاف العلماء في الحيض قبلها.

زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة دليلا على جواز نكاح الصغيرة

يروي المقطع حديث عائشة عن زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست سنين ودخولها عليه وهي بنت تسع. يستدل الإمام البخاري بهذا على جواز نكاح البنت الصغيرة بإذن وليها، ويناقش الفرق بين الشرع والقوانين الوضعية مؤكداً مراعاة قدرة البنت على تحمل أعباء الزواج.

خلاف العلماء في تزويج البكر الصغيرة بغير إذنها

ذكر ابن شبرمة أن الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة حتى تبلغ وتأذن، بينما ذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك مستدلين بتزويج أبي بكر ابنته عائشة بغير إذنها. يدور الخلاف حول اشتراط إذن البكر الصغيرة في عقد النكاح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب إنكاح الرجل ولده الصغار». لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]. فجعل عدتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ. وقوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أي: اللواتي لازلن صغاراً، فجعل عدتهن ثلاثة أشهر قبل البلوغ. فعلى قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ﴾، فعدتهن ثلاثة أشهر. ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾: فالمرأة الحائض التي تحيض، عدتها عدة الطلاق: ثلاث حيض، يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء. والقرء على الصحيح أنه الحيضة، فثلاث حيض تجلسها المرأة الحائض. وأما المرأة اليائسة الكبيرة التي قد يئست من الحيض، بمعنى: لم يأتها الحيض بعد، أو لم يأتها الحيض، أو انقطع عنها الحيض لكبرها. أما إذا كان الانقطاع طارئاً، فإنها تجلس ذلك الانقطاع. بمعنى: لو كانت هناك امرأة طلقت، وهذه المرأة انقطع عنها الحيض، تنتظر عند أكثر العلماء تسعة أشهر؛ هذا لبراءة الحمل. ثم بعد تسعة أشهر، إذا لم يأتها الحيض، تجلس ثلاثة أشهر. وتجلس هذه العدة عن تجلس سنة، وهذا قول جمهور العلماء: تجلس سنة حتى يتأكد من برء الرحم، لأن المرأةحياناً ينقطع عنها الدم عدة أشهر ثم يرجع. لكن الآيسة التي انقطع عنها الدم وهي كبيرة، فهذه عدتها ثلاثة أشهر إذا طلقها زوجها. وكذلك قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾، بمعنى: المرأة التي لم يأتها الحيض بعد، وغالباً لصغر سنها، لم يأت الحيض لصغر سنها. فاستنبط الإمام البخاري من هذا جواز أن الرجل يزوج ابنته وهي صغيرة، يزوج ابنته وهي صغيرة، بمعنى: قبل أن تحيض، قبل أن تحيض. فإذا دخل عليها زوجها ثم طلقها قبل أن تحيض، فعدتها ثلاثة أشهر. وأما إذا لم يدخل بها، كما يفعل بعض الناس، تجد في بعض عادات بعض القبائل يزوجون وهم صغار، يعني يقولون: هذا الزوج، يتفق الآباء، يقولون: هذا الولد زوج هذه البنت، بمعنى: بنت عمه مثلاً، فيزوجونهم وهم صغار. فهذا مثلاً: إن كبر الولد قبل أن يدخل على هذه المرأة، أو على هذه بنت عمه، فطلقها، فهذه كما هو معلوم لا عدة لها. المرأة إذا طلقت قبل الدخول، قبل أن يدخل عليها زوجها، لا عدة لها بنص الكتاب، بنص القرآن. وأما إذا دخل بها وهي لم تحض بعد، فإنها تعتد بثلاثة أشهر، تعتد بثلاثة أشهر. فاستدل الإمام البخاري بهذا على جواز زواج المرأة الصغيرة، بمعنى: يجوز أن الشخص يتزوج بنتاً صغيرة لم تحض بعد، لكن لا يدخل عليها إلا إذا صارت في سن تستطيع أن تتحمل هذا الشيء. وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: «المرأة إذا بلغت تسعاً فهي امرأة»، أو: «البنت إذا بلغت تسعاً فهي امرأة». ذكره الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وأخذ به أحمد والشافعي، على أن المرأة تكون بالتسع. لكن هذا ليس ضابطاً، ليس ضابطاً، إنما غالباً المرأة أو البنت التي تكون بنت تسع، تصير قرب المرأة أو مثل المرأة. أحياناً تحيض النساء بتسع سنوات. وقد قال أيضاً الشافعي، والقول المشهور عن أحمد: أن البنت إذا حاضت قبل التسع لا يعتبره حيضاً، لا يعتبر الدم الذي يخرج منها حيضاً. لكن ليس هناك ما يدل على أنه ليس بحيض. فالله عز وجل قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]، ولم يحدد في الشرع كم يأتي الحيض المرأة. فإذا حاضت قبل التسع، لا يمنع أن يكون ذلك حيضاً، إلا إذا كان هذا الدم دم نزيف، أو دم عادي، مثل دم العروق، فهذا لا يعتبر حيضاً. فلذلك: المرأة إذا بلغت، أو إذا حاضت ودخل عليها زوجها، فإنها إن طلقها تعتد ثلاثة أشهر. وهذا كما قلنا يدل على ما استدل به الإمام البخاري هنا: جواز النكاح للصغيرة، يجوز للصغيرة أن يزوجها أبوها، وأن يزوجها وليها. وهذا دليل. وهذا أيضاً الحديث الذي سيذكره المؤلف هنا، قال رحمه الله: حدثنا محمد بن يوسف، وهو الفريابي الحمصي، من حمص دمشق، حمص: المدينة التي في سوريا، وهو فريابي، وكان من أصحاب سفيان الثوري، من تلاميذ سفيان الثوري، لازم سفيان خمسة عشر سنة، خمسة عشر سنة وهو عند سفيان الثوري. قال: حدثنا سفيان، وهو سفيان بن سعيد أبو عبد الله الثوري رحمه الله، كان إماماً حافظاً كبيراً. قال: عن هشام، وهو ابن عروة ابن الزبير، عن أبيه، وهو عروة ابن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوجها وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعاً، أي: تسع سنوات، أو قالت: ومكثت عنده تسعاً. تزوجها بمكة، ودخل عليها بالمدينة. تزوجها بعد موت خديجة. وكان زواجها أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا، ورؤيا الأنبياء حق، فجاء قال: «أريتك»، والملك يقول لي: «انظر إلى هذه»، وكانت في خرقة من حرير، قال: «فكشفت فإذا أنت»، يقول لعائشة: «فإذا أنت»، فقال: «هذه زوجتك في الدنيا والآخرة». فقال: فقلت: عليه النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فقلت: إن يشأ الله شيئاً يمضي». أنا مدام أن الله عز وجل شاء هذا، فإنه سيمضي. فذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر هذا الشيء الذي رآه، فزوجه أبو بكر ابنته، أي: عائشة رضي الله تعالى عنها. لكنه لما تزوجها كانت بنت ست سنين، فتركها النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغت تسع سنوات، فدخل عليها. قال: «وأدخلت عليه وهي بنت تسع». وأدخل، وأدخلت عليه وهو بالمدينة. أنا تزوج لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة تزوج سودة بنت زمعة، وفي السنة الثانية أدخلت عليه عائشة، أو في نفس السنة. بمعنى: تزوجها وهو في مكة، بمعنى: بعد خديجة، لكن ما أدخلت عليه إلا ومعه سودة. فاستدل بهذا الإمام البخاري على جواز نكاح البنت الصغيرة. وقد ذكر العلماء الإجماع على أن وليها هو الذي يزوجها بغير إذنها، لأن الصغيرة البكر يجوز لوليها الصغيرة أن يزوجها ولو بغير إذنها. وهذا أيضاً يدل على أنه يجوز أن تزوج، كما قلنا، البنات الصغار. وأما ما يذكر في القوانين: أنه لا يجوز زواج البنت حتى تبلغ ثمانية عشر سنة، فهذا ليس صحيحاً، هذا ليس صحيحاً. أحياناً يفعلون هذا لأجل بعض الأمور التي، مثلاً، تنتشر في الناس، من مثلاً: أن بعض البنات لا تتحمل الزواج، قد تكون أحياناً البنت تبلغ العشر أو أكثر، لكن لا تتحمل النكاح، فتأتي مثل هذه الأشياء، فيقومون ويجعلون قانوناً عاماً، وهذا خطأ. لكن الواجب على المسلم أنه لا يزوج ابنته إلا إذا كان يرى أنها تتحمل مثل هذا، تتحمل مثل هذا. بل هناك من العلماء، وهو ابن شبرمة، قال: أن الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة حتى تبلغ وتأذن. لكن أكثر العلماء، حتى بعض من ذكر إجماعاً على أنه يجوز للرجل أن يزوج ابنته الصغيرة البكر، لأن أبا بكر زوج ابنته عائشة بغير إذنها، زوجها أبوها. طيب، فهذا ما يؤخذ من هذا الحديث، والله تعالى أعلم.