الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 66، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي أنس بن مالك قصة وليمة النبي صلى الله عليه وسلم عند زواجه بزينب بنت جحش، حيث بارك في الطعام القليل فأكل منه الصحابة. ثم مكث القوم يتحدثون فخرج النبي ونزلت آية الحجاب تأمر بعدم الاستئناس بالحديث في بيوته.
يستعرض المقطع آداب حضور الوليمة والخروج بعد الأكل، ويناقش زيارة النبي لأم سليم وهل هي خصوصية له. كما يؤكد مشروعية إهداء العروسين وتكثير الطعام القليل ببركة دعاء النبي.
يشرح المقطع أن الوليمة سنة مؤكدة تؤدى بعد الدخول لا قبله، والسنة الاقتصار على المتاح دون تكلف أو استدانة. ويذكر فوائد كصبر النبي على أذى الضيوف وخدمة أنس، ويقرر أن إجابة الدعوة واجبة بينما الوليمة سنة.
يختتم المتحدث الجلسة العلمية بعبارة الاكتفاء والتسليم لعلم الله تعالى. ويذكر أن ترجمة هذا الدرس قامت بها نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب الهيئة للعروس» أو «باب الهدية للعروس». باب الهدية للعروس. وقال إبراهيم -أي ابن طهمان- عن أبي عثمان، واسمه الجعد، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وهذا يسمى عند أهل الحديث معلقاً؛ لأن إبراهيم بن طهمان ليس من مشايخ البخاري، لكن وصله في موضع آخر، وما قد تقدم هذا الحديث، ورواه من طريق الصلط بن محمد عن حماد بن زيد عن الجعد بن عثمان عن هشام عن محمد بن سنان بن ربيعة عن أنس. هشام بن أبي بكر بن أنس. قال: وأبو عثمان هذا ثقة، وهو الجعد بن عثمان المدني. قال: وقال إبراهيم عن أبي عثمان، واسمه الجعد، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: مر بنا في مسجد بني رفاعة فسمعته -فسمعته يقول: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا مر بجنبات أم سلمة دخل عليها فسلم عليها-. بجنبات: معناه بجنب البيت، دخل إذا مر بجنباتها، أي ببيتها. قال: دخل عليها فسلم عليها، ثم قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام عروساً بزينب، فقالت لأم سليم: لو أهدينا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هدية. فقلت لها: فعلي. فعمدت إلى تمر وسمن وأقط، فاتخذت حيسة في برمة. الحيسة: هو المراد به الحساء الذي يكون في النار، والبرمة: الوعاء. قال: فأرسلت بها معي إليه، فقال لي: ضعها. ثم أمرني فقال: ادع لي رجالاً سماهم، وادع لي من لقيت. كان هذا وليمة النبي عليه الصلاة والسلام بزينب. قال: فقلت: الذي أمرني به ادعُ. قال له: ادعُ ناساً معينين سماهم له النبي صلى الله عليه وسلم، فدعاهم أنس. قال: ففعلت الذي أمرني. قال: فرجعت فإذا البيت غاص بأهله، يعني جاء ناس من هنا وهنا في زواج زينب بالنبي عليه الصلاة والسلام، أو زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب. قال: فرأيت النبي عليه الصلاة والسلام وضع يديه على تلك الحيسة وتكلم بها ما شاء الله، يعني بارك بها ودعا. ثم جعل يدعو عشرة عشرة، يقول لهم: اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه. وهذا يدل على البركة في الطعام، ذكر اسم الله، وأن الإنسان يأكل مما يليه. قال: حتى تصدعوا كلهم عنها، فأكلوا كلهم، فخرج منهم من خرج، وبقي نفر يتحدثون. قال: وجعلت أغتم -أو اغتموا- ثم خرج النبي عليه الصلاة والسلام نحو الحجرات. معنا: كأنه شعر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يريد من هؤلاء أن يذهبوا ويخرجوا مثل ما خرج غيرهم، ولم يفعلوا. هؤلاء الصحابة لم يفعلوا ذلك تعمداً، وإنما على حسب العادة أنهم يجلسون في الوليمة، فلما أكلوا جلسوا يتحدثون. قال: ثم سيأتي أنه أنزل الله جل وعلا: ﴿حَتَّى تَصَدَّعُوا﴾. فخرج منهم من خرج، وبقي نفر يتحدثون، قال: وجعلت أغتم، ثم خرج النبي عليه الصلاة والسلام، أي تركهم في البيت وخرج نحو الحجرات، أي حجرات النساء، الغرف. وخرجت في إثره، فقلت: إنهم قد ذهبوا. فرجع فدخل البيت وأرخى الستر. أنا أرخى الستر: يريد بينه وبين زينب. أنا: عرف أنس أن الحجاب قد فرض على أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وإني لفي الحجرة، أرخى الستر، وأنا في حجرة زينب، وهو يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾. إذا أكل الإنسان من بيت النبي عليه الصلاة والسلام ينتشر ويخرج، لا يجلس ولا مستأنسين لحديث. وقد قال بعض العلم: أن هذا أيضاً هو الأفضل في هذه الولائم، أن الإنسان لا يثقل على صاحب البيت ويجلس، وقد انتهت الوليمة وقد أكل من الطعام، فإنه الأفضل أن يخرج، إلا إذا أجلسهم صاحب البيت، قال لهم مثلاً: اجلسوا، سنأتي بالشاهي، سنأتي بكذا. أما يجلسون يتحدثون فهذا خطأ. وقال جل وعلا: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾. قال أبو عثمان، وهو الجعد بن عثمان: قال أنس: إنه خدم رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم عشر سنين. وقال إبراهيم عن ابن طهمان عن أبي عثمان، واسمه الجعد، عن أنس بن مالك قال: مر بنا في مسجد بني رفاعة فسمعته يقول: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا مر بجنبات أم سليم -أنا سمع أنس- دخل عليها فسلم عليها. وهو دخول النبي عليه الصلاة والسلام على أم سليم، اختلف فيه: فمن العلماء من قال أنها محرمة له، ومن العلماء من قال أن نساء الأمة كلهن محارم للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن ليس هناك دليل على هذا. ومن العلماء من قال: هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام إكراماً لأم سليم. ولهذا لما سئل عن دخوله على أم سليم وأم حرام قال: «إن أخاهما قد قتل معي»، يريد ملحان بن حرام قتل في السبعين من القراء الذين قتلوا، قتلتهم أو قتلهم عصية، وأيضاً ما حولها من القبائل. فقال كثير من أهل العلم: أنها ليست محرماً. وإن قلنا أنها محرمة فهو من باب الخصوصية للنبي عليه الصلاة والسلام، أجاز الله عز وجل له إكرام من يشاء من النساء، فكان يدخل على أم سليم وعلى أختها أم حرام، وهما من بني النجار، وبنو النجار أخواله. فلهذا بعضهم قال: لعله رضاع، وليس هناك أيضاً دليل على ذلك. لكن هذا يقال: أنه خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، خص الله عز وجل نبيه. وإن كانت الخصوصية تحتاج إلى دليل، لكن هنا الدخول مثلاً على النساء الأجنبيات لا يجوز، ودخول النبي عليه الصلاة والسلام يدل على أنه خاص به من هذا القبيل، يدل على أنه خاص به. وأما قولهم أنها محرمة فهذا لم يأت فيه ما يدل عليه. وفي هذا الحديث عدة فوائد، منها ما ترجم له الإمام البخاري وهو الهدية للعروس: أن العروس وهو الرجل، وكذلك العروسة، يعطى هدية في زواجه، فهذا من السنة، ومن الأفضل، ومن أيضاً مما يؤدي إلى ترابط الناس، فيعطى هدية لأجل نكاحه، أو يجعل له مثلاً طعاماً، يتبرع أحد الناس فيقول: الطعام عليه، أحد الجيران مثلاً: سأأتي بالطعام للضيوف لأنه مشغول بأهله، وهكذا. فلهذا يستحب ذلك، أي الإهداء للعروس. وكذلك أيضاً فيه قبول الهدية: النبي عليه الصلاة والسلام لم يرد هدية المسلم بل قبلها. وأما كذلك فيه الدعوة: الدعوة إلى الطعام، فكان الإنسان عنده طعام يدعو الناس، يدعو المساكين أو من يحتاج إلى هذا الطعام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعلها عامة، وإنما سمى لأنس أناساً سماهم بأسمائهم. وهذا يدل على أن صاحب الوليمة يحرص على أن يدعو الفقراء والمحتاجين. ولهذا جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء». شر الطعام طعام الوليمة. فالأفضل أن الإنسان يدعو الذي هو محتاج وفقير، ولا بأس أيضاً أن يدعو الغني إذا كان صاحباً له أو قريباً له. وأما أيضاً في هذا الحديث علم من أعلام نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو تكثير الطعام القليل، فأكل القوم الكثير من الطعام القليل. وجاء في رواية مسلم أنهم كانوا زهاء ثلاثمئة. في رواية البخاري هنا قال أنس: فرأيت البيت غاصاً بأهله. وجاء كما قلنا في رواية مسلم أنه زهاء ثلاثمئة. يعني الزهاء: من الثلاثة إلى العشر، أو إلى التسعة، أو مثل البضعة: بضعة وثلاث، وهكذا. فهذا زهاء ثلاثمئة. وأيضاً يطلق على التقريب، يطلق أيضاً على التقريب. وأما أيضاً في هذا الحديث فيه: لا بأس أن الإنسان يصبر على الأذى من الصديق والجار، فأن النبي عليه الصلاة والسلام تأذى من هؤلاء الذين جلسوا، لكنه لم يخبرهم ولم يخرجهم، بل صبر حتى خرجوا بأنفسهم. وأما كذلك فيه اتخاذ الوليمة بعد الدخول، وهذا أفضل. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام من سنته أنه يفعل الوليمة بعد البناء، بعد الدخول. إذا دخل على المرأة وعلى هذه الزوجة بعد ذلك يفعل الوليمة. فمن الخطأ أن تفعل الوليمة قبل الدخول. ومعنى من الخطأ هنا ليس أنه حرام، لكنه ليس من السنة. السنة أن يجعل الوليمة بعد الدخول. وهنا الوليمة التي تكون للعروس، أما العروسة فليست عليها وليمة. فإن فعلوا مثلاً وليمة في يوم العقد لا بأس، لأجل أن يدعو أبا هذه المرأة، يدعو أهله، يدعو جيراناً، وهذا لا بأس بذلك. وأما كذلك فيه أن الإنسان لا يتكلف الوليمة: نبي صلى الله عليه وسلم أولم على زينب بسمن وتمر وأقط، لم يكن فيها لحم، وأولم عليها بهذا. وكذلك أولم على صفية -إن شئت ما تقدم- وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يتكلف الوليمة. وهكذا فقد جاء في حديث سلمان الفارسي: قال النبي عليه الصلاة -أو قال سلمان: نهينا عن التكلف، نهينا عن التكلف. وجاء في رواية: عن التكلف للضيف، ويدخل فيها أيضاً الوليمة. الإنسان لا ينبغي أن يتكلف، يذهب ويستدين لأجل أن يعزم فلاناً وفلاناً، أو يذهب يستدين لأجل أن يفعل كذا وكذا من اللحم ومن الأرز وهو ليس عنده شيء، فهذا من التكلف الممقوت. بل تجد كثيراً من الناس يظل طول عمره وهو يسدد دين زواج أبنائه، يظل طوال عمره وهو يسدد هذا الدين الذي أخذه لزواج أبنائه، وأحياناً لا يستطيع. وهذا من خطأ، فالإنسان لا يتكلف، بحسب ما يستطيع: إن استطاع أن يأتي بلحم أتى بلحم، إن لم يستطع يأتي بدجاج، إن لم يستطع يأتي بسمك، فعلى الذي يستطيعه ويأكله الناس. وفي هذا الحديث أيضاً عدة فوائد، ومنها الحجاب، وقد تقدم الكلام على هذا. وأما أيضاً فيه أن أنساً خدم النبي عليه الصلاة والسلام عشر سنين، وقد جاءت به أمه وهو ابن عشر سنوات، ومات النبي عليه الصلاة والسلام وهو ابن عشرين سنة. جاءت به أم سليم إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: يا رسول الله هذا خادمك أنس، خادم يخدمه. فقبله النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يلزم النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا حصل علماً كثيراً. أنس يعتبر ممن روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من ألف، معنى من المكثرين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان فقيهاً أيضاً، فأخذ العلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد تقدم الكلام في مسألة الوليمة: هل هي واجبة أم سنة؟ والصحيح كما قلنا أنها سنة. لكن الذي هو واجب هو وجوب تلبية الدعوة، تلبية الدعوة. وإلا فقد قال بعض العلم كما هو رواية عن أحمد بوجوب الوليمة، لكن لا تجب أن تكون لحمة. وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة»، من باب أن اللحمة أفضل، من باب أن اللحمة أفضل في هذه الوليمة. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر